مصائف كردستان ملاذ العراقيين من الأزمات الخانقة والطبيعة الغاضبة

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: لم تعد السياحة بالنسبة للعائلة العراقية، مجرد ترف لقضاء الأوقات الممتعة، بل أصبحت خيارا إجباريا للهروب من التدهور الشامل للأوضاع والأزمات المزمنة، وغضب الطبيعة، وسط غياب واضح للخدمات الأساسية كنقص الكهرباء والمياه والوقود وتفشي الأمراض.

وفي حالة غير مسبوقة، يتجمع هذه الأيام مئات الآلاف من أبناء بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية عند مداخل محافظات إقليم كردستان شمال العراق، في قوافل طويلة من الحافلات ضمن مجموعات سياحية أو ضمن عائلات متفرقة، بهدف الحصول على الإذن لدخول الإقليم والتوجه نحو مدنه ومصايفه، حتى وان استغرقت عملية التدقيق الأمني عدة ساعات.
ولعل مرور عامين على إيقاف الرحلات السياحية الداخلية نحو الإقليم بسبب جائحة كورونا، كانت عاملا لزيادة شوق العراقيين لزيارة ملاذهم الصيفي المعتاد، إلا ان ذلك لم يكن سوى واحد من جملة أسباب دفعت العائلات العراقية للهروب الجماعي أبرزها الأوضاع الاقتصادية المتردية وسوء الخدمات الأساسية وأخبار الصراعات السياسية على الحكومة الجديدة، إضافة إلى غضب غير مسبوق من الطبيعة وعواصفها الترابية المتزايدة بسبب الجفاف والتصحر ونقص مياه الأنهار. ثم جاءت عطلة عيد الأضحى المبارك الطويلة، لتزيد مبررات الموظفين والطلاب لاستغلالها لقضاء وقت راحة واستجمام. والحقيقة ان ارتفاع تكاليف الرحلات السياحة وأجور الفنادق والمطاعم، لم يكن عائقا دون تخصيص العائلات العراقية وحتى الفقيرة منها، جزءا من مدخولاتها لتغطية تكاليف السفر والاستمتاع برحلة سياحية للترويح عنها. وتوقعت هيئة السياحة في إقليم كردستان، دخول 300 ألف سائح خلال عطلة العيد لمحافظات الإقليم الثلاث (أربيل والسليمانية ودهوك) وفقا لرئيسة الهيئة أمل جلال، التي صرحت إنه «بحسب المعطيات المتوفرة لدى المديريات العامة للسياحة في محافظات الإقليم دخول 100 ألف سائح لكل محافظة خلال عطلة عيد الأضحى المبارك» مؤكدة أنه «خلال النصف الأول من هذا العام دخل الإقليم أكثر من 3 ملايين سائح ونتوقع دخول أكثر من هذا العدد خلال النصف الثاني من العام، بسبب اعتدال الأجواء وتوفر الأماكن السياحية في الإقليم».
ولتقديم المزيد من التسهيلات للسياح دعت أمل جلال، أصحاب الفنادق والمقاهي والمطاعم في محافظات الإقليم كافة بعدم رفع الأسعار مع تزايد توافد السائحين من مناطق ومدن وسط وجنوب العراق. وقالت جلال في بيان إنه «يتعين عليهم العمل بنفس تسعيرة الأيام الأخرى ولا يزيدوا بالأسعار لكي يتمكنوا من تلبية احتياجات السائحين» كما دعت قوات الأمن في نقاط السيطرات الأمنية في مداخل الإقليم، إلى الترحيب بالسائحين.
وكانت هيئة السياحة في إقليم كردستان، أعلنت وضع خطط طويلة الأمد تستمر ثماني سنوات وأخرى متوسطة وقصيرة بشأن تطوير السياحة، فيما توقعت وصول عدد السياح إلى أكثر من 20 مليونا سنوياً.

السياحة تنعش اقتصاد الإقليم

وبالرغم من ان القطاع السياحي في كردستان، مر بأزمات عديدة مؤخراً، وخاصة عقب تفشي جائحة كورونا، والتي أثرت عليه بشكل مدمر، إضافة إلى الضائقة الاقتصادية الخانقة في الإقليم، ما أدى إلى انخفاض عدد السياح كليا في بعض المناطق، إلا ان مؤشرات الموسم السياحي لهذا العام تبشر بالخير الوفير للإقليم.
وفي هذا السياق أعلنت محافظة أربيل عاصمة إقليم كردستان، استقبال أكثر من 158 ألف سائح خلال عطلة عيد الأضحى، فيما أعلنت مديرية السياحة، أن عدد السياح الذين زاروا المواقع السياحية في منطقة سد دوكان وأطرافها بلغ أكثر من 600 ألف سائح خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2022 مشيرة إلى امتلاء أغلب الأماكن السياحية والفنادق في دوكان. فيما أعلنت محافظة دهوك في أقصى شمال العراق، انها تنوي استقبال 50 ألف سائح خلال العيد.
أما المديرية العامة للسياحة في السليمانية، فقد أفادت ان أكثر من 110 آلاف سائح وصلوا إلى السليمانية، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 125 ألف سائح خلال أيام عيد الأضحى، مبينة ان «السياح أغلبهم من مناطق وسط وجنوب العراق». وأشارت المديرية إلى ان السياح صرفوا أكثر من 22 مليون دولار في محافظة السليمانية، وان «نسبة السياح مقارنة بالعام الماضي، ارتفعت حيث كان المعدل 85 ألف سائح خلال عام 2021 وازداد العدد 50 ألف سائح في 2022».
ومع وجود أكثر من 200 شركة سياحية في وسط وجنوب العراق تقوم بتنظيم الرحلات السياحية إلى إقليم كردستان، أفاد رئيس جمعية الفنادق في دهوك، إحسان شيخ عيسى، بأن عائدات السياحة في المحافظة تقدر بأكثر من أربعة مليارات دينار شهريا، مؤكدا ان «أي سائح يزور إقليم كردستان يصرف أكثر من 200 دولار في اليوم، سواء للطعام أو الفندق أو التسوق».
وتشير البيانات الرسمية لحكومة الإقليم، إلى توقعات أن يصرف كل سائح ما يتراوح بين 250 و300 دولار خلال أيام العيد.
واللافت ان مصايف كردستان ليست وحدها محطة استقطاب السياح العراقيين، فقد تدفقت أمواج هائلة منهم نحو الخارج وخاصة بلدان الجوار مثل تركيا ولبنان وإيران، حيث أعلنت القنصلية التركية في بغداد انها تمنح يوميا آلاف تأشيرات الدخول للعراقيين الراغبين بالتوجه نحو المدن والمصايف التركية.

فشل السياحة الداخلية

ولا شك ان اعتراف المسؤولين الحكوميين بفشل المواقع السياحية التقليدية في جذب السياح بسبب سوء إدارتها والفساد ونقص الخدمات فيها، قد ساهم في انتعاش السياحة الداخلية نحو كردستان. وأكدت مديريات الآثار والسياحة في المناطق التي كانت تستقطب السياح سابقا، مثل آثار بابل واور وحمام العليل وبحيرة حمرين والثرثار والأهوار وغيرها، ان ضعف السياحة الداخلية في تلك المناطق يعود لعدة أسباب أبرزها ارتفاع درجات الحرارة والعواصف الترابية المتواصلة وشح المياه، وأزمة الوقود والركود الاقتصادي، في مناطق وسط وجنوب العراق، إضافة إلى عدم توفر المتطلبات الأساسية في المناطق السياحية مثل الفنادق ومراكز التسوق والمطاعم وأماكن الاستراحة وغيرها.
ومع تأكيد خبراء الأنواء الجوية، ان مدن جنوب ووسط العراق، ستواصل تسجيل درجات حرارة تقترب من الخمسين خلال الصيف الحالي، مصحوبة بعواصف غبار متواصلة، ومع انخفاض مخاطر جائحة كورونا، واستمرار نقص الخدمات الأساسية، والأزمات المتواصلة، يبدو ان إقليم كردستان سيبقى الملاذ الإجباري للعائلات العراقية، وهو ما ينعكس إيجابا على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والبطالة المتفشية بين سكان الإقليم، حيث تلعب السياحة دورا ملموسا في التخفيف من هذه الضائقة وإسعاف اقتصاد الإقليم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية