بايدن عاد محملا بقليل من النفط وكثير من الحصاد للكيان المحتل… وإسرائيل شقيقة بالعافية

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بات هناك إجماع على أن الكيان المحتل أبرز الفائزين من نتائج “قمة جدة”، إذ تعهد بايدن لتل أبيب قبل أن تطأ قدمه المملكة العربية السعودية بأن يتم دمجها مع جيرانها، وسائر بلدان العالم العربي، لأجل ذلك عم الحزن بين رافعي لواء المقاومة وأنصار القضية الفلسطينية في العالمين العربي والإسلامي، وانتشرت سحابة من يـأس خلفها الرئيس الثمانيني وراءه على شعوب المنطقة، بعد أن قفل عائدا لبلاده محملا بقليل من النفط، الذي قد يضمن رضا الأمريكيين عليه مؤقتا، مع كثير من الإنجازات لدولة الكيان المحتل، التي تجاوزت أخيرا أشد العقبات التي تربطها بالعالم الخارجي، بعد أن أصبح من حق طائراتها عبور الأجواء السعودية.. كما خلف اجتماع الرئيس بايدن مزيدا من الإحباط بين الجماهير، خاصة تلك التي شهدت ثورات الربيع قبل عقد من الآن، ويكاد يجمع الكثير من المراقبين على أن الأنظمة خرجت منتصرة من اجتماع جدة، وتنفس كبار القادة الصعداء إذ باتت مختلف تهديدات بايدن السابقة مجرد شعارات جوفاء.
وفي صحف أمس الاثنين 18 يوليو/تموز تراجع الهجوم الذي تعرض له بايدن الأيام الماضية، وواصلت الصحف الاهتمام بلقاء الرئيس السيسي ونظيره الأمريكي في جدة، وراهن كتاب على عهد جديد مقبل للعلاقات الأمريكية المصرية قائم على احترام خصوصية كل بلد للآخر، وتمادى كتاب في بحار الأمل بشـأن فتح المجال العام أمام قوى المعارضة للتعبير والمشاركة في إدارة سفينة الوطن التي تحيط بها الأمواج العاتية من كل جانب.. ومن التقارير الأمنية: 64 مواطنا يتخلون عن الجنسية المصرية وفي التفاصيل: نشرت الجريدة الرسمية 6 قرارات جديدة لوزارة الداخلية. تقضي بالسماح لمصريين بالتجنس بجنسيات أخرى مقابل التنازل عن الجنسية المصرية، فيما نص القرار رقم 1214 لسنة 2022، بأن ترد الجنسية المصرية لـ14 شخصا. ومن أخبار مؤسسة الرئاسة: قال الرئيس السيسي أن مصر سارعت منذ وقت مبكر باتخاذ خطوات فعالة في سبيل التحول لنموذج تنموي مستدام، يتسق مع جهود الحفاظ على البيئة ومواجهة تغير المناخ، لوعيها بما يمثله التحول الأخضر من فرصة واعدة لتحقيق التنمية الاقتصادية في العديد من القطاعات الحيوية. وأضاف الرئيس السيسي، خلال كلمته في افتتاح الجلسة رفيعة المستوى لحوار بطرسبرغ للمناخ، أن مصر بدأت خطوات جادة لرفع نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة، وتعكف في الوقت الراهن على إعداد استراتيجية شاملة للهيدروجين، وتسعى لتنفيذ خطط طموحة للربط الكهربائي مع دول المنطقة، وأضاف الرئيس أن مصر تنفذ خططا واعدة في قطاع النقل لزياة الاعتماد على وسائل النقل النظيفة.
ومن التقارير العامة: قرر وزير النقل الفريق المهندس كامل الوزير، إقالة اللواء عصام والي رئيس الهيئة القومية للأنفاق، بسبب أزمة لوحات محطة مترو كلية البنات بالخط الثالث للمترو.

طريق التهلكة

اعترف الدكتور مصطفى كامل السيد في “الشروق” بأن التهديدات التي تواجهنا صارخة: أهم هذه التهديدات في المجال الاقتصادي، وأعراضه معروفة من مديونية داخلية تتمثل في عجز الميزانية وفقا للأرقام الرسمية، ومن مديونية خارجية لا تتوقف عن التصاعد، وقد بلغت حدودا غير مألوفة لم يعرفها تاريخ الدولة المستقلة في مصر. خطورة هذا التحدي أن أسلوب الحكومة في مواجهته هو المزيد من الاستدانة. نتائجه فادحة على صعيد قدرة الحكومة على النهوض بالأوضاع الهشة للغالبية الساحقة من المواطنين يعانون جميعا من تدهور أوضاع التعليم والخدمات الصحية وارتفاع نفقات الخدمات العامة الأخرى، كما أن مخاطره كامنة في انصراف المواطنين عن المشاركة، وهو البيئة الخصبة التي تغذيها هذه الأوضاع للقوى السياسية الرافضة لكل أوضاعنا الراهنة، ما يفتح الباب أمام عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وهو الأمر الذي نجد مثيلا له فيما يجرى في دول مجاورة لنا، وأخرى بعيدة عنا، منها سريلانكا والأرجنتين. سوف يكون من الخطأ البالغ فصل هذه الأوضاع عن نمط السياسات الاقتصادية خلال السنوات القريبة الماضية. لا يمكن أن ينكر أحد أن تقدما ملموسا جرى في توفير بنية أساسية مناسبة في مجال الكهرباء والماء والطرق، خصوصا في العاصمة وبين المحافظات. ولكن لم يقتصر الإنفاق العام على هذه المشروعات الحيوية للاقتصاد، ومن ناحية أخرى فإن كل هذا الإنفاق العام الذي يتفاخر المسؤولون بأحجامه لم يسفر عن تغيير الطبيعة الريعية المتزايدة للاقتصاد المصري، فمساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز 11%، والهدف الطموح لوزارة الصناعة هو الارتفاع بها إلى نسبة 15% وصادراتنا السلعية لا تصل إلى 40% من حجم وارداتنا، والمصادر الأساسية للعملة الصعبة هي تحويلات العاملين في الخارج، وتليها من بعيد إيرادات قناة السويس التي تصل بالكاد إلى ربع هذه التحويلات، ثم السياحة ومساهمة متواضعة من جانب صادرات النفط والغاز الطبيعي. نحن ما زلنا رغم كل هذا الإنفاق العام في رحمة الطبيعة والأوضاع الدولية والإقليمية، بما فيها الأوضاع الصحية، ومشروعات الطرق لدينا في الدلتا خصوصا تساهم في تآكل المساحات الخضراء الباقية للزراعة التي تمر عليها.

أغنياء ولا ندري

حذر الدكتور مصطفى كامل السيد في “الشروق” من أن استمرار نمط الإنفاق العام الذي جرى خلال السنوات القليلة الماضية، لا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة مختلفة عما نعانيه بالفعل. وليس من الصحيح ونحن نبحث عن نمط بديل للنمو أن نصدق أنه لا يوجد في مصر سوى رمال وصخور. مصر غنية بالموارد الطبيعية من زراعية ومعدنية وسياحية، في ما لو أحسن استغلالها بالطرق العلمية وبالسياسات الصحيحة. وعلينا ألا ننسى أن بعض الدول التي حققت إنجازات مبهرة على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتي أصبحت أعضاء في نوادي الدول المتقدمة، تفتقر إلى الموارد الطبيعية، وأقصد تحديدا ثلاثة من نمور آسيا الأوائل وهي، كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان. وكان طريق هذه الدول للقفز في مسار التنمية هو الاهتمام بالبشر، من خلال رفع مستوى التعليم للمواطنين كافة، ولذلك أصبحت مدارسها نموذجا في إجادة النشء للرياضيات والفيزياء واللغات، وهي العناصر الأساسية لامتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا المتقدمة في عصر انفجار المعرفة، وتتفوق في ذلك على مدارس الدول الاستعمارية الجديدة والقديمة في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. أين نحن من ذلك وتدهور مستويات التعليم لدينا لا يحتاج إلى إثبات. وأقول ذلك من موقعي كأستاذ جامعي. نحن محتاجون إلى استراتيجية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، عمادها الاهتمام بالبشر وغايتها اقتصاد متنوع قطاعاته الأساسية هي الصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية، وهو فقط الذي يمكن أن يوفر العمالة اللائقة لمن هم في سن العمل والدخل الكريم لكل العاملين، وهو الذي يولد الموارد التي تغنينا عن ودائع الأصدقاء.

غابت فلسطين

انتهى مؤتمر جدة في المملكة العربية السعودية وسافر الرئيس بايدن عائدا إلى بلاده.. ويبدو على حد رأي فاروق جويدة في “الأهرام” أنه لم يحصل على كل ما أراد.. كان الاستقبال متوازنا بلا مبالغات، سواء في استقبال العاهل السعودي الملك سلمان، أو ولي عهده الأمير محمد، وإن استقبله واحد من أكبر المسؤولين السعوديين أمير مكة خالد الفيصل.. وعلى الكثير من الكتاب الذين يرون أن مؤتمر جدة لم يقدم شيئا ذا قيمة للعالم العربي يبدو فاروق جويدة اكثر تفاؤلا بالنسبة للمستقبل إذ يقول : كانت زيارة بايدن فرصة لإعادة شيء من الثقة للعلاقات العربية ـ الأمريكية، ومحاولة إصلاح الوضع العالمي لأسعار البترول، وإن لم ينجح الرئيس بايدن فيما أراد.. تحدث الرؤساء والملوك وكان هناك اتفاق على أن قضية فلسطين هي مفتاح السلام والاستقرار في المنطقة.. كان الرئيس عبد الفتاح السيسي حريصا على أن يؤكد موقف مصر من قضية فلسطين، وأن الحل في إقامة دولتين.. وتناول الرئيس قضية الإرهاب وإخلاء المنطقة من السلاح النووي، وأن يشمل ذلك جميع الدول وليس إيران وحدها.. وانتقل الرئيس إلى ما يعانيه العالم من ظروف اقتصادية صعبة.. كان الشيء الغريب أن بايدن لم يذكر القضية الفلسطينية، ولم يذكر شيئا عن إقامة الدولتين سواء في زيارته إسرائيل أو جدة..

ثمرة إيرانية

لا شك والكلام ما زال لفاروق جويدة، أن الزيارة حققت نتائج محدودة للرئيس بايدن وإن ظهر القادة العرب بصورة أفضل، خاصة أن الجميع تحدثوا عن قضيتهم الأولى قضية فلسطين.. وكان هذا موقفا واضحا أمام الإدارة الأمريكية.. في تقديري أن مؤتمر الأمن والتنمية حرّك مياها راكدة في الموقف العربي وقدّم للجانب الأمريكي حقيقة الموقف العربي بكل ما فيه.. إن زيارة الرئيس الأمريكي بايدن السعودية ولقاءه القادة العرب، خاصة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، يمثل تحولا كبيرا في موقف الرئيس بايدن بعد كل ما أثير من الجدل حول العلاقة بين البلدين. أفضل ثمرات اجتماع جدة تمثل في الرفض العربي لمشروع الحلف العربي ـ الإسرائيلي ضد إيران، حيث يعد من أهم نتائج هذا المؤتمر ووضع نهاية لأقاويل كثيرة حاولت ترويج هذه الشائعة.. كان موقف القادة العرب واضحا في رفض مشروع حلف عسكري مع إسرائيل ضد إيران.. وكان إصرارهم على أن قضية فلسطين وإقامة الدولتين هي الحل الوحيد، وعلى الجانب الأمريكي أن يدرك ذلك.. إذا لم تكن زيارة بايدن قد حققت مطالب أمريكا في قضية البترول أو أمن إسرائيل، إلا أنها وحدت الموقف العربي في هذه الظروف الصعبة تجاه قضايا أخرى كثيرة.

هبة إسرائيل

المانشيت الرئيسي للأهرام مؤخرا “بايدن يتعهد بتعزيز اندماج إسرائيل في المنطقة” اعتبره الدكتور أسامة الغزالي حرب في “الأهرام” تلخيصا دقيقا للغاية، للهدف الأساسي من الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي مؤخرا للمنطقة: حقا، لقد زار بايدن أيضا الضفة الغربية والتقى الرئيس محمود عباس، وتحدث عن حل الدولتين. كما شملت أولويات الزيارة ـ وفق ما ذكره مستشار الأمن القومي الأمريكي جاك سوليفان- تدعيم هدنة اليمن. غير أن المهمة الرئيسة التي سعى بايدن إلى إنجازها بكل إصرار هي، دفع المملكة العربية السعودية، ليس فقط باعتبارها أكبر الدول الخليجية، وإنما قطعا لمكانتها الخاصة المعترف بها في العالم الإسلامي كله، إلى التعامل الطبيعي مع إسرائيل أسوة بالدول العربية الأخرى، التي أنجزت ذلك، والتي بادرت بها مصر منذ زيارة الرئيس السادات التاريخية لإسرائيل قبل 44 عاما في 1978. وتوضح كلمات البيان الذي أصدره بايدن بجلاء تلك الحقيقة، ونصه: يعد القرار التاريخي للمملكة العربية السعودية، بفتح مجالها الجوي، لجميع الطائرات المدنية، بما في ذلك تلك التي تحلق من وإلى إسرائيل، خطوة مهمة نحو بناء منطقة شرق أوسطية أكثر تكاملا واستقرارا. بينما نوقش هذا الافتتاح منذ فترة طويلة، الآن بفضل شهور من الدبلوماسية الثابتة بين إدارتي والمملكة العربية السعودية، أصبح حقيقة واقعة. سأكون أول رئيس للولايات المتحدة يطير من إسرائيل إلى جدة في المملكة العربية السعودية. بينما نحتفل بهذه اللحظة المهمة، يمكن لقرار المملكة العربية السعودية أن يساعد في بناء الزخم نحو مزيد من اندماج إسرائيل في المنطقة، بما في ذلك مع المملكة العربية السعودية. سأفعل كل ما في وسعي، من خلال الدبلوماسية المباشرة، والمشاركة بين القادة لمواصلة دفع هذه العملية الرائدة. انتهى بيان بايدن… وهو أفصح وأوضح من أي تعليق.

العبرة بالنتائج

نبقى مع الحدث نفسه بصحبة جلال عارف في “الأخبار”: انتهت «قمة جدة» بلا مفاجآت. ربما كان الجديد أن الرئيس الأمريكي بايدن سمع خطابا عربيا جديدا ومختلفا، يحمل آثار السنوات الصعبة التي مرت على المنطقة، وما كان فيها من تقلبات في السياسة الأمريكية تجاه كل قضايا المنطقة. وبعد أن أدركت واشنطن أن إشاعة الفوضى وهدم الدول والتحالف مع جماعات الإرهاب لا يمكن أن يكون محققا لمصالحها، ولا ضمانا للأمن والاستقرار في المنطقة والعالم. زيارة بايدن للمنطقة جاءت في وقت محكوم – بالنسبة له – بانتخابات تشريعية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وبآثار حرب أوكرانيا وأزمات الغذاء والطاقة التي لم تنج أمريكا نفسها منها. قبل «قمة جدة» زار بايدن إسرائيل وقدم كل الدعم الممكن وغير الممكن كالعادة، ورفع العتب بزيارة مستشفى فلسطيني وتقديم إعانة إنسانية والحديث عن حل الدولتين، دون أي خطوة لتحقيقه، ودون كلمة عن احتلال إسرائيلي أو استيطان ينهي في الواقع حديث الدولتين، كان الغريب أن يظل الحديث الأمريكي والإسرائيلي مستمرا عن مشروع تحالف عربي مع إسرائيل في مواجهة إيران. ومن البداية كان موقف مصر حاسما ضد هذه المشروعات. وقبل «قمة جدة» أعلنت دول عديدة في مقدمتها العراق والإمارات وحتى الأردن التي سبق أن تحدثت عن «ناتو» جديد في المنطقة أنه لا وجود لمثل هذا المشروع، ولا بحث حوله في قمة جدة. في القمة طرحت مصر رؤية للأمن العربي وثوابته القومية، وتحدث الجميع – في حضور بايدن – عن الحقوق الوطنية المشروعة لشعب فلسطين وعن إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 67 وعاصمتها القدس العربية، كشرط أساسي لسلام المنطقة. وسمع بايدن الحديث المتكرر عن شرق أوسط خال من السلاح النووي، وعن ضرورة استعادة سوريا واليمن من جحيم الفوضى والحروب. انتهت القمة، وعاد بايدن لبلاده، وبقي السؤال: كيف يتحول ما سمعناه في «قمة جدة» إلى برنامج عمل عربي لتحقيق الأمن والتنمية؟ هذا هو التحدي الحقيقي وليس أي شيء آخر.

ديمقراطية مؤجلة

يرى عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” أن أهمية مقال الدكتور عبدالمنعم سعيد يوم الأربعاء الماضى حول «المنعطف الديمقراطي» أنه يثير تساؤلات كثيرة، حتى لو اختلفت الإجابات حولها، وأن نقد كل ما يمكن اعتباره من البديهيات بالنسبة لأي فريق سياسي (ليبرالي، اشتراكي، قومي) لا يعني أن البديل هو الاستبداد. ولأني سبق أن كتبت عن قضية الرجل أو الزعيم القوي، وهي قضية مثارة في العالم العربي، وفي بقاع أخرى من العالم، وهي لا تعني بالضرورة أن كل نماذج الرجل القوي كانت نماذج نجاح. والحقيقة أن اختيار هتلر من قبل أغلب الشعب الألماني، جاء باعتباره رجلا قويا سيخلصهم من ضعف الأحزاب وفوضى السياسة، وسيخرجهم من مذلة الهزيمة والاتفاقات الجائرة عقب الحرب العالمية الأولى، ولكنه أدخلهم في حرب ثانية أكثر بشاعة وهزيمة أكثر قسوة. وهناك تجربة القائد والجنرال شارل ديغول الذي كان أيضا رجلا قويا وخلص فرنسا من الاحتلال النازي والفوضى وفشل الأحزاب والنظام البرلماني، وأسس في عام 1958 الجمهورية الخامسة التي فصلت على مقاس «الرئيس القوي»، ووصل للسلطة بآلية ديمقراطية وتركها بسلام واحترم قواعد الدستور ودولة القانون. أما خبرة تونس فهي في الحقيقة تتمثل في جانب البحث عن النظام أو الرجل القوي، بصرف النظر عن شكل الممارسة، إلا أنها تمثل فرصة حقيقية لبناء دولة قانون وتجربة ديمقراطية في تونس، على خلاف ما تروج حركة النهضة وحلفاؤها من داخل وخارج تيارات الإسلام السياسي.

مجرد أمنيات

أكد عمرو الشوبكي أن تجربة الرجل القوي في تونس (رغم التخبط في كثير من الجوانب) أسفرت عن وضع دستور جديد سيصوت عليه الشعب في 25 يوليو/تموز المقبل، ويؤسس لنظام رئاسي ديمقراطي بديل للنظام الهجين الذي عرفته تونس وأخذ من كل نظام/ بستان زهرة فأنتج نظاما متعثرا عاجزا عن الفعل والإنجاز، ودفع الرئيس لاتخاذ قراراته الاستثنائية. في تونس لم يغلق المجال العام وهناك تيارات سياسية تدعم الرئيس بشروط، وهناك من دعموه في قراراته الاستثنائية، واختلفوا مع أدائه وجانب من توجهاته، مثل الاتحاد التونسي للشغل وحزب حركة الشعب. إن تجربة الرجل القوي في تونس تعني العودة للصيغ الإصلاحية التي دافع عنها كثيرون – قبل تجارب الثورات العربية – وتراجعت أمام هيمنة تيارات الإسلام السياسي وصريخ القوى والجماعات الثورية. معادلة تونس مثل تجارب كثيرة تقول إن هناك نظاما قويا فيه تعددية مقيدة وحيوية سياسية ونقاش عام لم يلغها الرجل القوي، بما يعني أن وجود الأخير لا يعني إغلاق المجال العام تحت حجة مواجهة الفوضى وضعف الأحزاب، حتى لو كان ذلك صحيحا. نعم الديمقراطية تواجه تحديات، والطريق إلى أي نظام منجز وكفء مهما كانت اليافطة السياسية التي يرفعها تبدأ بتأسيس دولة قانون ونقاش عام حول قضايا حقيقية، تزيد أو تنقص تبعا للنظام السياسي القائم، لكنها لا تلغي القانون ولا النقاش العام.

ثروة مهدرة

كشف الدكتور أحمد إبراهيم في “الوطن” عن نزيف لا يمكن تجاهله: أكثر من ثمانية آلاف طبيب مصري هاجروا إلى بريطانيا خلال العامين الماضيين، وهذا لم يُغضب المسؤولين ووسائل الإعلام، ولكن الدنيا قامت ولم تقعد وانقلبت رأسا على عقب حينما قرر الشوربجي لاعب الإسكواش المصري، أن يلعب باسم بريطانيا. هذا يعبّر بصدق عن الحالة التي وصلنا إليها ومدى الاهتمام بكل ما هو تافه، أما خبر هجرة أفضل عقولنا وفقدانهم للأبد فيمر مرور الكرام، ولا يشغل بال أحد، رغم أن رئيس وزراء بريطانيا قبل استقالته كان يعتبر جلب خيرة الشباب الأطباء المصريين من أهم إنجازاته. هل هناك دولة في العالم تفعل ذلك؛ تفرّط في نوابغها وندرة عقولها ومستقبلها في أبنائها المتفوقين، بعد أن أنفقت عليهم أموالا طائلة في التربية ثم التعليم والتدريب، وتقدمهم هدية مجانية دون أي مقابل إلى دول أصبحت كلها عواجيز، حتى تجدد شبابها وتظل متفوقة علينا وتصفنا دائما بالتخلف والإرهاب. بعد أزمة كورونا الدول المتقدمة فتحت الباب على مصراعيه لخريجي كليات المجموعة الطبية، خاصة المتفوقين منهم، ودون قيود أو شروط تقريبا، ويؤكد ذلك ما سبق أن أعلنته وزارة الصحة بأن لدينا عجزا شديدا في الأطباء، كما أن وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت أنها تلقت أكثر من مليون ومئتي ألف طلب هجرة إليها من الشباب المصري وهو الأعلى بين دول العالم، وهناك دراسة مؤلمة كانت قد أجرتها جمعية «عصر العلم» بالاشتراك مع أكاديمية البحث العلمي تؤكد أن معظم المبعوثين لاستكمال دراساتهم في الخارج لا يعودون إلى مصر.. أيضا المتفوقون من الجامعات يهاجرون بمجرد حصولهم على شهادة التجنيد، كما أن لدينا حاليا آلاف الطلاب يستكملون دراساتهم الجامعية في أوروبا وأمريكا، أمنيات معظمهم الحصول على جنسيات أجنبية وعدم العودة. العقول والنوابغ المصرية المهاجرة للخارج غالبا ما تستقر هناك وتحصل على الجنسية ولا تعود إلا في أرذل العمر أو للدفن في مقابرنا.

أمن قومي

أكد الدكتور أحمد ابراهيم أن الدولة، من خلال وزارة الهجرة، تحاول جذب علماء مصر في الخارج وتنظم لهم مؤتمرات شبه دورية لربطهم بمصر، فهل معقول أن نفرط في الآلاف من خيرة شبابنا المتميز (كريمة الكريمة) ونقدمهم للغرب مثل الثمرة اليافعة حتى يقطفها ويأكلها؟ استمرار نزيف العقول سوف يُفرغ مؤسساتنا من الكفاءات، ويجب معرفة لماذا أصبحت الهجرة حلم الشباب، خاصة المتفوقين؟ ولماذا بعض الآباء حاليا يشجعون أبناءهم على الهجرة؟ وهل المشكلة في الدولة التي لا تعرف كيف تستفيد من نوابغها؟ أم في القيادات الضعيفة التي تقتل المبدعين تحتها وتستبعدهم حفاظا على كراسيها؟ أم هي أنانية وضعف انتماء لدى الشباب أنفسهم في السعي وراء مصلحتهم فقط، دون اعتبار لمصلحة البلد؟ القائم بأعمال وزير الصحة قال مؤخرا إن تكلفة طالب الطب المصري تتراوح من 55 إلى 70 ألف جنيه حسب التخصص، وإن انخفاض رواتب الأطباء في مصر أحد أسباب هجرتهم إلى الخارج، والطبيب بشر وله متطلبات حياتية، إذا نحن نعلم أسباب المشكلة، فماذا نحن فاعلون؟ رغم أن الفلوس ليست السبب الأساسي لهجرة الأطباء فكثير منهم ميسور ماديا وكانوا في وظائف مرموقة في الجامعات. الموضوع خطير ويُعتبر قضية أمن قومي، ويجب أن تتحرك كل الأجهزة قبل فوات الأوان ويصبح كل قياداتنا وعلمائنا من عديمى الكفاءة والخبرة والموهبة.

بعلم الكبار

حالة رئيس جهاز حماية المستهلك الذي يتقاضي قرابة ثلث مليون جنيه ليست حالة فردية، على حد رأي هشام مبارك في “الوفد”، ولكنها موجودة في كثير من المواقع. تجد رئيس المكان من هؤلاء يلتزم بالفعل براتب 42 ألف جنيه، لكن هذا هو هو الراتب الأصلي فقط، أما التحايل فيأتي عن طريق صرف مخصصات للرئيس تحت مسميات أخرى، مثل بدل تمثيل ولا أدري بصراحة ما المقصود بالتمثيل هنا، ثم بدل مظهر وكأن 42 ألف جنيه لا تكفي ليكون حسن المظهر، فيصرف لنفسه مبلغا محترما ليشتري به ملابس تليق بمظهره. لماذا يحصل على بدل المظهر شهريا؟ هل سيشترى كل شهر تشكيلة جديدة مجموعة من البدل حتى تتماشى مع الموضة السائدة في هذا الشهر؟ خذ عندك أيضا بدل الضيافة وهو أيضا مبلغ محترم يحصل عليه رئيس مصالح مختلفة، مقابل استضافته بعض الضيوف، فبدلا من أن يقتطع من راتبه الكبير أصلا بضع مئات من الجنيهات شهريا مقابل شاي وقهوة للضيوف، يصرف لنفسه من خزينة المؤسسة عدة آلاف من الجنيهات شهريا، طبعا لا يمكن أن تصل مصاريف شاي وقهوة الضيوف في أي مكان هذا الرقم، لكنه مال سايب يغرف منه رئيس المكان ما يحلو له تحت مسميات ما أنزل الله بها من سلطان ولا أظن وجود مثيل لها في أي مكان في العالم. هذا طبعا بخلاف مكافآت اجتماعات مجلس الإدارة التي يحصل عليها الرئيس والأعضاء، والتي يحددها هو بنفسه، واللطيف أنه في كثير من الشركات والهيئات يعتبر رئيس مجلس الإدارة الاجتماع الواحد اجتماعين، وربما أكثر، رفقا بحالته وحالة الأعضاء المادية، وطبعا يغترف من خزينة المؤسسة ما يحلو له، والورق ورقنا والدفاتر دفاترنا والحسابة بتحسب، كذلك لا ينسى رئيس المكان أن يضع اسمه رقم واحد في أي كشف مكافآت يمر عليه ويضم مجموعة من العاملين مثلا قاموا بجهد مميز في تقديم إنتاج مميز، فلا يوقع الرجل الكشف قبل أن يضع اسمه في المقدمة، ويحدد لنفسه بالطبع المبلغ الذي يرى أنه يستحقه.

مريض بإرادته

حالة من الحزن انتابت جمهور النادي الأهلي ومن بينهم حمدي رزق في “المصري اليوم”: حزنت ليس على هزيمة الأهلي من «بيراميدز»، فالكرة فوز وخسارة، ولكن حالة العجز الكروي وانعدام الروح القتالية جعلت الحزن عميقا.. ومع المكابرة المسيطرة على الذهنية الحمراء، أخشى سقوطا من علٍ. ولو فاز الأهلي على الزمالك في نهائي الكأس، الخميس المقبل، فلن يغير من حقيقة أن هذه المجموعة من اللاعبين إلا القليل النادر لا ترقى لارتداء الفانلة الحمراء، وبعضهم ما كان يحلم بارتدائها، وما أن لبسها حتى تلَبّسه الغرور الأحمر، وهو نوع من الأمراض السارية يؤثر في الرؤية الصحيحة، فلا تدري موقعك من الإعراب في طرق اللعب الحديثة. مَن يحب الأهلي دون فوقية تُترجم تعصبا متيقنا أن هذه النسخة الكروية الحمراء أضعف نسخة في تاريخ الأهلي الكروي الحديث، على الأقل الأضعف فرديّا وجماعيّا في ربع القرن الأخير بعد الفوز بلقب «نادي القرن». في بلد العميان يصير الأعور ملكا، ومثل هذا منسوب إلى طيب الذكر صالح سليم: «الأهلي أعور في وسط عميان»، وخلاصته أنه فيما مضى كان الأهلي يفوز ليس لأنه الأفضل، بل لأنه يلعب في الدوري الأضعف، أمام فرق مهزوزة سلفا. وباستثناءات كروية نادرة، كان الزمالك يشاكس الأهلي، وباقي الفرق تتفرج على «الأهلي بلس» وهو يفوز في الدقائق الأخيرة، وفي أي مجموعة من اللاعبين، فترسخت مقولة غريبة «الأهلي بمَن حضر»، على طريقة تحضير العفاريت، وهذا ثابت في ذهنية بعض المشعوذين، الذين يعزون الهزيمة من الأهلي يوم كان مخيفا إلى شغل العفاريت.

عودة الوحش

اهتم الدكتور محمد حسن البنا في “الأخبار” بعودة الخوف للكثيرين على أثر ظهور الفيروس من جديد: كما فيلم “عودة الندل”، تعود إلينا كورونا، ونضطر لفتح ملفها من جديد بعد أن كنا قد أغلقناه. صحتنا أهم شيء في الوجود. صحتنا هي رأس المال البشري والاقتصادي لمصر. أطلق عليها الدكتور عوض تاج الدين مستشار الرئيس الموجة السادسة، ورأتها اللجنة العلمية لمكافحة كورونا متحور أوميكرون. وهو ليس بشدة كورونا. وللأسف انتشرت شائعات لإرهاب الناس، منها منشور بتوجيه من الوزارة بفتح مستشفيات متخصصة للعزل. الحمد لله أسرع المتحدث باسم وزارة الصحة لنفي ذلك، وأكد أن الوزارة تخصص أماكن للعزل في المستشفيات التي تمارس دورها العلاجي العام، منذ 8 أشهر. مؤكدا أن حجم الدخول للمستشفيات لا يستدعي تحويل مستشفيات عزل كاملة. كما أن أدوية البروتوكول متوافرة. المشكلة الحقيقية في تكاسل المواطنين عن التطعيم ضد كورونا. وقد أتاحت الدولة اللقاحات مجانا، بل إن هناك 8 محافظات تقوم بحملات تطعيم بنظام طرق الأبواب. ولهذه محاذير يجب وضع ضوابط لتحقيق الأمان الكامل للمواطن. من حصل على جرعة واحدة يطعم بالجرعة الثانية ومن مرّت عليه 6 أشهر وأخذ جرعتين يأخذ جرعة تعزيزية أخرى. التطعيم هو خط الدفاع الأول ولم يعد شرطا التسجيل المسبق. أعراض أوميكرون تظهر في استمرار ارتفاع الحرارة لـ 48 ساعة أو 72 ساعة، والتهاب شديد في الحلق ثم الكحة، ونسبة ضيق التنفس قليل، ومصاحب لأعراض الجهاز الهضمي، من ألم البطن والإسهال. وللوقاية نحتاج إلى اتباع الإجراءات الاحترازية العادية، واعتبار الكمامة أسلوب حياة، مع ضرورة تجنب الوجود في التجمعات والزحام، ويحتاج المواطن التهوية الجدية للمنزل. لقد كان الدكتور خالد عبد الغفار وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الصحة صريحا حين قال: أعداد مصابي كورونا في تزايد مستمر على مستوى العالم.

بالقرب منا

نتحول نحو الشقاء الذي يحياه اللبنانيون بصحبة خولة مطر في “الشروق”: يجلس البيروتيون والطرابلسيون والصيداويون في بلكونات شققهم في عمارات متلاصقة تنشر السخونة من إسمنت إلى إسمنت ومن طوبة إلى طوبة. كان اللبنانيون يهربون في ذاك الماضي القريب إلى الجبال أو الشواطئ كما يفعل الكثير من المصريين إلى الساحل الشمالي، أو مدن البحر الأحمر أو مرسى مطروح أو مرسى علم، والتونسيون إلى الحمامات وغيرهم كثر، كلهم يملكون خيار الهروب من حرارة المدن إلى المصايف على اختلافها. ولكن البنزين شح وارتفعت أسعاره لتصبح قريبة من سعر الذهب والماس (هذا إذا ما قورن بدخل الفرد)، وفي الوقت ذاته «شبت» نار الأسعار مرة نتيجة لتدهور العملة ومرات كثيرة لجشع جمع رجال السياسة برجال المال ورجال الحكم فكانت الكارثة على اللبناني واللبنانية. الشواطئ الخاصة بعيدة عن متناول الأسر متوسطة الدخل، وليست الفقيرة رغم أن معظم اللبنانيين، وحسب دراسات لمنظمات مختصة قد انحدروا وتحولوا من خانة إلى خانة الفقر، أو ما تحتها في ظرف بضعة شهور. لم يعد المصيف أو المسبح متاحا إلا للقلة، أما الجبل فكل من يفكر في أخذ المخاطرة عليه أن يدرس كيف سيوفر البنزين، إذا ما وفر بضعة دولارات حوّلها إلى ليرات بسعر صرف يتغير مع كل صباح، فهو بالأمس كان 29 واليوم 29.9 وغدا يعود نقطة فوق أو تحت، وأعين اللبنانيين متسمرة وقلوبهم تتوقف عند كل منحدر سياسي أو خطوة حكومية، وهم لا يسمعون سوى أن الرؤساء ليسوا متفقين وكأنها المرة الأولى في تاريخ هذا البلد.

فقر وكافيار

تقول صديقة خولة مطر القديمة إنها تصورت أنها وفرت بعض المال ليكون سندها عند التقاعد، وأنها وضعت قوائم من الأماني في قائمة طويلة مما رسمته لنفسها كمكافأة نهاية خدمتها لأسرتها ولمجتمعها، فها هي تتجه للبنك ليقول لها المسؤول عن فرع البنك في مدينة صيدا «لقد جمدت كلها». ولكن بإمكانك أن تسحبي شهريا 400 دولار وبضعة ملايين مئات الألوف من الليرة التي سقطت في بئر الانهيار، كما هو حال الاقتصاد. هذا لبنان الآن دون كل شيء، لا كهرباء ولا ماء حتى أصبح صوت مولدات الكهرباء جزءا من الضوضاء العامة خاصة في مدنه و«تنكرات» الماء تتنقل من عمارة شاهقة إلى أخرى تسقى السكان بضعة جالونات من الماء تكفي لأسبوع أو يوم. أما شبكة الإنترنت فهى الحديث الدائم عندما يتواصل اللبنانيون مع أفراد أسرهم في الداخل أو المغتربين، رغم أن الاغتراب لم يعد في بقاع الأرض، بل هو واقع لكثير من العرب في أوطانهم، واللبنانيون أكثر من يعرفون ذلك، هم الذين لم يعرفوا إلا الوفرة جاء عليهم الوقت ليتعلموا أن يقفوا في طوابير طويلة من أجل ربطة خبز قفز سعرها حتى أصبحت العائلات الكبيرة غير قادرة على توفير «العيش» أو الخبز، فكيف يعيش اللبناني وهو ينبش سلات القمامة، وعلى الجهة الأخرى من الرصيف يجلس آخرون، هم بالطبع قلة القلة، يفتحون الشامبانيا والويسكي ويلتهمون الكافيار والسلمون المدخن، ويصفون عربات تحمل أسعارها أصفارا تصعب على المواطن البسيط أن يفكها رغم أنه صار لا يستطيع أن يحضر ربع احتياجات بيته سوى بدفع ملايين الليرات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية