مع اقتراب الذكرى المئة لهزّة فلسطين 1927 تزداد المخاوف من تكرارها

حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”:

صادفت هذا الأسبوع الذكرى الخامسة والتسعون للهزة الأرضية المدمرة التي عصفت في فلسطين عام 1927، وسط توقعات الباحثين بأن زلزالا مشابها خلف العتبة نظراً للإحصاءات التاريخية التي تفيد بأن هزة كبيرة تقع مرة كل قرن في البلاد. ويستذكر المؤرخ بروفيسور مصطفى كطبها، في حديث لـ “القدس العربي”، أن الهزة الأرضية للعام 1927 كانت هزة مدمرة، مؤلمة وقد هزت فلسطين والأردن. منوها أن تلك الهزة قد وقعت في الحادي عشر من يوليو/ تموز 1927دوّت أصداؤها في جميع أنحاء البلاد وكان مركزها مدينة نابلس ومدينة السلط في الأردن. ويضيف: “وقتها تضرّرت جراء الهزة مئات المباني، خاصة في القدس (بما في ذلك رواق خارجي للمسجد الأقصى أصيب بالتصدّع، ومستشفى أغوستا فيكتوريا، الذي كان مقراً للمندوب السامي، قبل انتقاله للمقر الجديد الذي نعرفه اليوم) وطبرية وصفد والناصرة وقرية الرينة المجاورة للناصرة وترشيحا ومناطق أخرى. منبهاً إلى أن نتائج الهزة في نابلس كانت مدمرة بشكل كبير (نحو 150 قتيلاً، و350 جريحاً، وهدم وتصدع مئات المنازل بما في ذلك مدرسة انهارت على رؤوس طلابها ومعلميها).

وكانت هزة أرضية سابقة حصلت في العام 1840، وكان مركزها الجليل، وقد تحدث أدب الرحلات عن هزّات أخرى جرى تسجيلها في حقب تاريخية غابرة. من جهته يوضح الدكتور المهندس الخبير بالزلازل جلال الدبيك (مدير سابق لمركز علوم الأرض وهندسة الزلازل في جامعة النجاح الفلسطينية) أن كافة الدراسات الجيولوجية تشير إلى احتمال وقوع هزة أرضية مدمرة في فلسطين في غضون العقد القادم. يشار إلى أن هزات أرضية خفيفة- متوسطة بنسبة 4.3 في سلّم ريختر قد وقعت في السنوات الأخيرة مركزها شمال البحر الميت، بعدما وقعت بذات المكان هزات مماثلة كثيرة آخرها نهاية العام 2005، بدرجات مشابهة بسلم ريختر دون أن تؤدي إلى خسائر كبيرة.

 ورداً على سؤال “القدس العربي”، يشير الدبيك إلى أن تقديرات العلماء حول الزلزال المدمر المتوقع في منطقة الأغوار وشمال فلسطيني تستند بالأساس إلى تاريخ الهزات الأرضية المحلية، لافتا إلى أن هزة أرضية بدرجة ستة بسلم ريختر تقع كل 100 عام.

ولفت الدكتور الدبيك إلى أن الهزة المدمرة الأخيرة التي عصفت بالبلاد، ونجم عنها تسونامي في الساحل الفلسطيني الشمالي، قد ضربت عام 1759، وأدت إلى إلحاق أضرار بالغة في مدن صفد ونابلس وطبريا وأوقعت آلاف الضحايا. كما وقعت هزة مدمرة ضربت صفد وطبريا، وتسببت بمقتل 1650 شخصاً، استناداً لمعطيات الحاكم المصري، حيث كانت البلاد تخضع لحكم محمد علي باشا وقتذاك، ثم تلتها هزة عام 1927 تسببت بأضرار مادية في شمال البلاد تركت خسائر مادية كبيرة في صفد وشفاعمرو، أريحا، نابلس، الرملة، طبريا، اللد، القدس، الرينة التي تداعى الكثير من منازلها كما أكد باحثون مؤرخون.

مسجد في طبريا

الرينة الجديدة بنت الهزة

 في حديث سابق، قال الأديب الراحل حنا أبو حنا، ابن قرية الرينة، إن الهزة عام 1927هدمت قريته بالكامل، وأوقعت بعض الضحايا، ما دفع سلطات الانتداب لتوزيع قسائم بناء على الأهالي في مكان مجاور، وهكذا ولدت الرينة الجديدة. وقتها لفت أبو حنا، الذي ولد بعد عام من الزلزلة، إلى أن الهزة الأرضية تلك كانت حدثاً كبيراً صار الأهالي يؤرخون حياتهم بمساعدته: قبل الزلزلة وبعد الزلزلة.. وفي روايته ” ظل الغيمة” يشهد على ذاته بالقول إن حبل صرته قد قطع بعد عام من الزلزلة.

 ويرجح الدبيك أن الهزة الأرضية المدمرة المتوقع حدوثها في شمال فلسطين في الفترة القليلة القادمة ستؤثر على لبنان وسوريا والأردن أيضاً، لكونها تقع على ضفتي حفرة الانهدام. ويتابع: “مساحة التأثير واسعة، غير أن الخسائر تكون بالغة أكثر كلما اقتربنا من مركز الزلزال. محذرا من أن نابلس والقدس وبيسان وطبرية ستتعرض إلى مخاطر أكبر في حال كان مركز الهزة في البحر الميت”.

كيف يواجهون الهزّة

وينوه الدبيك إلى أن العام الحالي شهد عدة زلازل خفيفة بعمق نحو 15 كيلومتر في منطقة الأغوار في فلسطين، وأشار إلى أن ذلك أمر طبيعي بسبب طبيعة المكان، وأضاف: “حتى درجة 5 في سلم ريختر تبقى الزلازل غير خطيرة، وأشار إلى أن خطورة الزلازل تتأثر بعدة عوامل مركزية، منها موقع الهزة، وقوتها، ونوعية المباني في دائرتها، إضافة إلى بُعد المسافة عن مركزها، وعمقها الجوفي، ونوعية التربة، والتي تؤثر مجتمعة على شدة الزلزال”.

ويشير الدبيك إلى أن الهزات تعرّف على أنها ظاهرة كونية فيزيائية بالغة التعقيد، تظهر كحركات عشوائية للقشرة الأرضية على شكل ارتعاش وتحرك وتموج عنيف جراء إطلاق كميات هائلة من الطاقة من باطن الأرض. منوها بأن هذه الطاقة تتولد نتيجة لإزاحة عمودية أو أفقية بين صخور الأرض عبر الصدوع التي تحدث لتعرضها المستمر للتقلصات والضغوط الكبيرة.

ويشير الدبيك إلى وجود عدة أسباب للزلازل؛ منها أسباب طبيعية، وأخرى غير طبيعية تنتج بسبب نشاطات الإنسان التي تخلّ باتزان القشرة الأرضية، وتعتبر الزلازل ذات الأسباب الطبيعية الأكثر شدة ودماراً.

ورداً على سؤال حول مدى جاهزية السلطات الفلسطينية والإسرائيلية لمواجهة أضرار زلازل مدمرة والتخفيف منها، قال إن هناك مساعي متنوعة بهذا الاتجاه، لا سيما في مجال التثبت من قوة العمارات السكنية، وملائمتها للظواهر الطبيعية، غير أنها غير مرضية بعد.

يشار إلى أن السلطات الإسرائيلية بدأت تلزم باتخاذ التدابير الهندسية الخاصة بحالات الهزات فقط بعد العام 1996، ما يعني أن معظم المنازل قبل ذلك غير مصممة لامتصاص الضربة.

كتاب طبرية

علاوة على الهزة المدمرة في 1759، يستذكر المؤرخ الفلسطيني بروفيسور مصطفى عباسي في كتابه الجديد “طبرية في فترة الانتداب” وقوع هزة مدمرة أخرى في الأول من كانون ثاني 1837 في الجليل دمرت أحياء في طبرية، وقتلت فيها وحدها نحو 700 من العرب واليهود. ويستذكر مصطفى عباسي في الكتاب شهادات عن الهزة هذه من طبرية وصفد، منها شهادة لسيدة يهودية من صفد تقول: “كنت أقود عنزاتي للرعاية وقد اصطحبت ولداً، وتركت زوجي وولدين في البيت. بعد نصف ساعة سمعتُ دوي انفجار يشبه صوت عاصفة قوية. تمايلتْ الأرض واهتزت تحت قدمي، وتدحرجت الصخور من الجبال حولي وأحاطت بي العنزات المرعوبة، فنظرت نحو الأسفل إلى المدينة (صفد)، حيث بقي أعزائي، فقلت: يا الله. وشاهدتُ أسوار المدينة تتمزق، وبيوت المدينة تتحرك، وكأنها مالت على جانبها نحو طبرية، فيما تعالت غيوم الغبار الكثيف من الأرض، وما لبث أن غطّاها، وخلال ذلك تواصلتْ أصوات الانفجار كالرعد العميق، وسمعت صرخات وتأوّهات الناس. صلّيتُ قبل أن يغمى علي وأسقط أرضاً”.

وفي طبرية قال حاكم المدينة العثماني للأمير الألماني هارمان موسكاو، الذي زار المدينة بعد عام: “لم يسبق الزلزال أي تغيير في حالة الطقس، وفجأة سمعنا دوي انفجار هائل يشبه دوي المدافع، بعدها تراقصت الأرض وما عليها، وانهارت البلدة القديمة بعد دقيقة. لم يكن ممكنا التفكير حتى بالهرب أو النجاة أو إنقاذ أحد”.

 وفي هذا المضمار يستذكر عباسي كوارث أخرى، منها الهزة المدمرة عام 1927، وقبل ذلك جائحة الكوليرا التي قتلت ربع سكان طبرية عام 1902.

هزة في صفد

كذلك وقعت هزة مدمّرة عام 1834 ضربت صفد وطبريا وتسبّبت بمقتل 1650 شخصاً، استناداً لمعطيات الحاكم المصري وقتذاك، حيث كانت البلاد تخضع لحكم محمد علي باشا (1831-1839). ونقلت بعض الكتب التاريخية عن رحالة أوروبي وصل صفد من لبنان غداة تعرضها لهزة 1759 قوله إن المدينة بدت وكأن الأرض من تحتها قد انشقت وابتلعت أحياءها، بما يستدعي مشاهد “يوم القيامة”. وكان مركزها شرق مدينة صفد وقدرت شدته بين 6.5، 7.3 على مقياس ريختر. في ذاك اليوم دمر هذا الزلزال مدينة صفد بالكامل والعديد من القرى العربية المحيطة، وأدى إلى مقتل 5-7 آلاف شخص، 700 منهم في مدينة طبريا، وامتدت آثار الزلزال الى مناطق بعيدة نسبياً عن مركز الزلزال.

ويوضح الباحث الإسرائيلي دكتور عاموس سلمون أنه من الصعب تقدير توقيت الهزة التي ستشهدها البلاد لكنها ستكون قاسية، آملاً ألا تخلف دماراً كبيراً ولا تؤدي لمقتل وإصابة عدد كبير من البشر.

 ورداً على سؤال الإذاعة العبرية العامة، حول علاقة هزة محتملة في البلاد مع هزات تقع في بلدات الجوار، يقول سلمون: “لا أعلم متى، من المتوقع أن تضرب الهزة الأرضية هنا. نحن حتى الآن لا نملك معرفة كافية لقول ذلك، لكننا لسنا بحاجة لها حتى نعلم بأن منطقتنا حساسة، وبتنا في مرحلة متقدمة قبيل هزة مدمرة متوقعة لدينا أيضاً. موضحاً أن الشق السوري الإفريقي، أو ما يعرف بحفرة الانهدام الكبير، يربط بين البلاد وبين تركيا التي شهدت عدة هزات في ذات منطقة الشق والانكسار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية