الدنتيلا العال… وحقوق الإنسان

حجم الخط
2

كان لدينا في فلسطين حين كانت فلسطين عربية بياعون يبيعون الأقمشة النسائية الخفيفة على الحمير فيدللون عليها وينادون الدنتيلا العال، البافتا العال، الشاش العال، وينتقلون ببضاعتهم وحميرهم من مكان إلى آخر ومن بيت إلى آخر. وأتصور سياسيي أوروبا وأمريكا في هذه الأيام يدورون في نواحي العالم بمؤازرة حمير (بشرية ) وكأنهم يبيعون بضاعتهم بالطريقة نفسها والأسلوب نفسه ولكن بنجاح أقل فينادون جقوق الإنسان العال، العالم الحر العال، الديمقراطية العال. أما الفرق بين أولئك وهؤلاء فهو ان بائعي الدنتيلا كانوا يبيعون أشياء ملموسة محسوسة وغايتهم الرزق الشريف والعيش الشريف. أما هؤلاء فيبيعوننا كلاما فارغا لا أساس له من الصحة وغايتهم الرزق غير الشريف. ومن المضحك أنهم يعرفون أنهم غير صادقين ونحن نعرف أنهم غير صادقين ولكن لا بد من الاستمرار في هذا التمثيل الهزلي السخيف لأن ذهنهم لم يتفتق بعد عن تمثيلية بديلة أقرب إلى التصديق من هذه التمثيلية.
ولنأخذ على سبيل المثال قصة ومسلسل حقوق الإنسان فأي حقوق وأي إنسان يعنون، المهم أن هذه العبارة بمعناها الصحيح تنطبق فقط على أصدقائهم مثل يهود العالم أما الشعب العربي عامة والفلسطيني خاصة فهي تعني بالفعل حقهم في امتلاك واغتصاب كل ما للعربي من حقوق وممتلكات وهم يرون أيضا أن لليهودي حق الذهاب إلى فلسطين والسكنى فيها وفي بيوت وأراضي الشعب الفلسطيني أما الفلسطيني فليس له الحق في شيء.
وتضحكني بصورة خاصة عبارة العالم الحر . فالذي يؤمن بالحرية إيمانا حقيقيا يجب ان يؤمن بها كاملة غير مجزأة وشاملة غير موزعة . أما سياسيو أوروبا وأمريكا فيؤمنون بها إذا كانت في بلادهم فقط ويمنعونها ويحاربونها وينفقون الأموال الباهظة على مقاومتها في البلاد الأخرى فالعالم بعبارة ثانية عالم حر لهم في الاستيلاء على ثروات الآخرين والتحكم بمصائر الأمم لمصلحتهم الخاصة وهكذا الحال أيضا مع ما يسمونها بالديمقراطية.
حضرت منذ مدة احتفالا بذكرى الذين قتلوا في الحربين العالميتين الأخيرتين وقد طلب العريف في تلك الحفلة أن نقف دقيقتين في صمت لنذكر أولئك الذين ضحوا بحياتهم في سبيل حقوق الإنسان والعالم الحر والديمقراطية ووقفت مع الواقفين على سبيل تستروا بالمألوف ولكني لم أتذكر اولئك المساكين الذين عناهم العريف إنما تذكرت مساكين بلادنا قتلى الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة وتذكرت المخيمات والمجازر التي جرت فيها وتذكرت قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا). أنا لا أطالب العالم بنسيان الضحايا والشهداء الذين قدموا أنفسهم من أجل الحرية والكرامة وحقوق الإنسان والعدالة، بل أطالب باستذكارهم على الدوام باعتبارهم الرواد الذين حاولوا تمهيد طريق الحرية لنا. وفي الوقت نفسه أطالب العالم بأن لا ينسى شهداءنا وضحايانا الذين قدموا أنفسهم من أجل الحق والعدل والكرامة البشرية

د . فـؤاد حـداد – لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية