البطريركية المارونية في لبنان تشجب توقيف رجل دين مسيحي فور وصوله من إسرائيل

حجم الخط
2

بيروت- “القدس العربي” ووكالات: أثار توقيف رجل دين مسيحي لساعات طويلة بعد عودته من تفقّد رعيته في إسرائيل، ثم استدعاؤه للمثول أمام المحكمة العسكرية الأربعاء للتحقيق معه، استياء مسيحياً في لبنان.

وكان جهاز الأمن العام أوقف عند معبر الناقورة الحدودي، الإثنين، راعي أبرشية حيفا والأراضي المقدسة المارونية المطران موسى الحاج فور وصوله إلى لبنان قادما من إسرائيل، وحقّق معه لساعات طويلة قبل أن يطلق سراحه. ثم استدعته المحكمة العسكرية للتحقيق، الأربعاء، من دون أن يمثل أمامها، وفق ما أفاد مصدر قضائي.

وترأس البطريرك الماروني بشارة الراعي، الأربعاء، اجتماعاً طارئاً للمجمع الدائم لأساقفة الكنيسة المارونية في مقر البطريركية في بكركي للنظر في القضية.

ورأى المجمع الدائم للبطريركية المارونية أنه “ما كانت البطريركيةُ المارونيةُ، بطريركيةُ أنطاكية وسائرِ المشرِق، تَظنُّ أنّها يُمكنُ أن تَصِلَ إلى زمنٍ في جمهوريّةِ لبنان الكبير يَتِمُّ التعرضُ فيه لأُسقفٍ من دون وجه حق وخلافًا للأصول والأعراف ومن دون أيّ اعتبارِ لشخصِه ومقامِه ودورِه ورسالتِه”.

واستهجن “التحقيق مع مع راعي ابرشية الاراضي المقدسة من دون مبرّرٍ في مركزٍ أمنيٍّ، ومصادرة منه جواز سفره اللبناني وهاتَفه وأوراقَه والمساعداتِ الطُبيّةَ والماليّةَ التي كان يَحمِلها إلى المحتاجين والمرضى في لبنان من كل الطوائف ومن محسنين لبنانيين وفلسطينيين، لأنّ دولتَهم لم تُحسن في السنواتِ الأخيرة إدارةَ البلاد لتؤمن لشعبها حاجاته الأساسيّة. أمّا وقد حصل كلُّ ذلك، فلا بدَّ من مواجِهةِ هذا التطاول وتصحيحه بمحاسبة كل مسؤولٍ عمّا جرى مهما كان منصبه، وحتى إقالته”.

ولفت المجمع الدائم إلى “أن ما تعرّضَ له المطران موسى الحاج أعادنا إلى أزمنةِ الاحتلالِ والولاةِ في القرونِ السابقةِ حين كان الغزاةُ والمحتلّون يحاولون النيلَ من دورِ الكنيسةِ المارونيّةِ في لبنان والشرق، هي التي زَرعَت في هذه الأرجاء روحَ الحريّةِ والصمود، ومفهومَ الدفاعِ عن حقوقِ الإنسانِ وحريّةِ المعتقداتِ والتآخي بين الأديان”، معتبرا “أنَّ الذين أوْحَوا من قَعرِ مناصِبهم بالتعرّضِ للمطرانِ الحاجّ وخَطّطوا وأمَروا ونَفّذوا عملَهم المدان، غاب عنهم أن ما قاموا به وما يقومون به، لَم ولَن يؤثِّرَ على الصرحِ البطريركي الذي صَمَد في وجهِ ممالكَ وسلطناتٍ ودولٍ، فزالوا هم وبَقيت البطريركية في خِدمةِ الإنسان ولبنان والشرق وتعايشِ الأديان بقوة الله وأمانة شعبها”.

وأشار إلى “أن المطران الحاج كسائرِ المطارنةِ الذين سبقوه على رأسِ الأبرشيّةِ، يَلتزمُ توجيهاتِ البطريركيةِ المارونية ورسالةَ حاضرةِ الفاتيكان، وأن قلبه مِن لحمٍ ودمٍ لا من حجر ٍكقلوب الذين لا يُولون اهتمامًا لمآسي الشعب. ولو نأى سيادتُه بنفسِه عن القيامِ بهذا الدورِ لكان وُجبَ لومُه وليس لأنّه قام به وخَفّف من عذاباتِ اللبنانيّين. وفي هذا الإطار، فإنّ المجمع الدائم ليس في موقِعِ تبرير ما قام به سيادةُ المطران بل إنه يؤكد أحقيّة ما يقوم به ويسانده في مهمته الرعوية”.

وأعلن المجمع “رفضه وَشجبه واستنكاره بأشدِّ العبارات ما اقتُرف عن سابقِ تصوّرٍ وتصميم، وفي توقيتٍ لافتٍ ومشبوه، ولغاياتٍ كيديّة معروفة، بحق المطران موسى الحاج”، مطالباً “بوقفِ هذه المسرحية الأمنية القضائية السياسية، وإعادةِ كل المساعدات التي احتُجزت إلى سيادة المطران لتَصلَ الأمانات إلى أصحابها الذين ينتظرونها، وإغلاقِ هذه القضية فورًا”، مستغرباً “صمت الدولة تجاه ما تعرّض له صاحب السيادة”، ومطالباً “وزير العدل باتخاذ الإجراءات المسلكية اللازمة بحق كل من تثبت مسؤوليّته في فعل الإساءة المتعمد”. وذكّر “أنها ليست المرة الأولى التي يَقترف فيها مفوضُ الحكومةِ لدى المحكمةِ العسكرية أعمالًا خارج الأعراف والمألوف. لذلك نطالب أيَضًا مدعي عام التمييز إحالة القاضي عقيقي إلى التفتيش القضائيّ وتنحيته. ونجدّد مطالبتنا باستقلالية القضاء عن السلطة السياسية”.

وختم البيان مؤكداً “على ثوابت ومواقف البطريركيّة المارونية الوطنية التي لن تثنيها عنها أي ضغوط”.

وبحسب ما أفاد مصدر مطلع على التحقيقات الأولية، ضبط الأمن العام مع المطران “أدوية ومواد غذائية ومعلبات تقدّر بحمولة سيارة، إضافة إلى مبلغ مالي بقيمة 460 ألف دولار”، مرسلة من لبنانيين في إسرائيل الى عائلاتهم.

وسلّم المطران، وفق المصدر ذاته، المحققين “لائحة من ست صفحات عليها مئات الأسماء العائدة للأشخاص الذين سيسلّمهم الأموال، وتتفاوت قيمة المبالغ ما بين مئة ومئتين و500 دولار لكلّ شخص أو عائلة في لبنان”.

ويشهد لبنان انهياراً اقتصادياً غير مسبوق منذ أكثر من عامين، فقدت معه العملة المحلية أكثر من تسعين في المئة من قيمتها مقابل الدولار. وباتت عائلات كثيرة تعتاش من مساعدات يرسلها أفرادها من الخارج.

وبعد انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان في أيار/مايو 2000، فرّ الآلاف من أعضاء “جيش لبنان الجنوبي” وأفراد عائلاتهم بمعظمهم إلى إسرائيل خوفاً من أعمال انتقامية خصوصاً من أنصار حزب الله. ولم يعد غالبية الفارين إلى البلاد خشية تعرضهم للملاحقة أو التوقيف. ومنذ ذلك الوقت، تثير قضيتهم حساسية بالغة في لبنان، إذ يصفهم البعض بـ”المبعدين قسراً”، فيما يعتبرهم آخرون “عملاء” لإسرائيل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية