وسيم حليحل
الناصرة- “القدس العربي”:
يعمل وسيم محمود حليحل محاضراً في جامعة تل أبيب من قبل أن يبلغ الثلاثين عاماً من عمره بفضل ذكائه ومثابرته في البحث والتعّلم، خاصة في مجال هندسة الكهرباء.
ولد في مدينة بئر السبع عام 1990، ووالده من قرية عكبرة قضاء صفد في أعالي الجليل، وأمه من قرية جت في منطقة المثلث، ويقيم اليوم في بلدة كوكب قضاء عكا، لأن زوجته من مدينة طمرة المجاورة، لكنه قضى معظم سنواته في مدينة بئر السبع عاصمة النقب.
“القدس العربي” تحدثت إليه عن سيرته وتجربته الفريدة، وقد اختار بدء الكلام بالإشارة لوالده بروفيسور محمود حليحل، المحاضر والباحث في جامعة بئر السبع، بعدما أنهى دكتوراه في البيولوجيا، ثم استكمل دراسته في الولايات المتحدة وعاد لبئر السبع، وهو اليوم محاضر في كلية الطب. وبالإشارة لدور البيئة الحاضنة يقول الدكتور وسيم: “والدي من مواليد 1955، ووالدتي معلمة، وأصغر من والدي ببضع سنوات، أنهت تعليمها في القدس، وتعرّفت على والدي في الجامعة وتزوّجا”. ويكشف البروفيسور وسيم حليحل أن ابن خالة والده يدعى هو الآخر كوالده محمود حليحل، وهو الآخر بروفيسور، وكذلك مختص بالبيولوجيا ومحاضر في علم الأحياء”. ولهما قريب آخر يدعى أيضاً محمود حليحل وهو بروفيسور في هندسة الميكانيكيات. ورداً على سؤال يقول ضاحكا: “هذه جينات عائلة حليحل على ما يبدو فيها ميل للتعلم الجامعي العالي”.
وعن نسبة الطلاب العرب في معهد العلوم التطبيقية الإسرائيلي (التخنيون) في حيفا، يوضح بروفيسور وسيم حليحل أن نسبتهم في كل الكليات في اللقب الأول تبلغ 20%، علما أن نسبتنا في كلية الطب تصل 35% وأكثر، ومعظمهم إناث، علماً أن نسبة فلسطينيي الداخل تبلغ 19%، أما في اللقب الثاني والثالث تنخفض النسبة. ويتابع: “في فترتي كنت الطالب الوحيد للدكتوراه في مجال هندسة الكهرباء في أول عامين، ثم انضم لي طالب من الناصرة”.
أسرتي كهربائية
ويتبين أن لوسيم شقيقين هما بشار، ويشارف على إنهاء الدكتوراه في هندسة الكهرباء، وشقيقتهما الأخت الكبرى يارا، أيضاً تشارف على إنهاء الدكتوراه في المجال ذاته، وكذلك مراد أنهى اللقب الثاني في هندسة الكهرباء، وكافّتهم درسوا و يدرسون هندسة الكهرباء في جامعة بئر السبع.
“أنا وبشار اخترنا الهندسة الكهربائية، لكن شقيقتنا تعلمت في البداية هندسة البيو تكنولوجيا، وبعد عامين نقلت لأنها لم تحب الموضوع. شقيقي مراد درس الفيزياء في البداية ولاحقاً اصطدم بمشاكل وانتقل لهندسة آليات، ثم استقر في هندسة الكهرباء.
“كنت مميزا جدا في الرياضيات وفي الفيزياء ونصحوني بهندسة الكهرباء لأنه بحاجة لكثير من الرياضيات والفيزياء. لو عاد العجلة للخلف ربما اخترت تعلّم رياضيات، رغم أن كل شغلي اليوم بالرياضيات. أنا اليوم في مرحلة ما بعد البوست دكتوراه، باحث ومحاضر في هندسة الكهرباء في جامعة تل أبيب منذ نحو العامين، واستناداً للدراسات والمنجزات العلمية على موعد مع درجة الأستاذية الكاملة. بدأت العمل قبل شهرين بدرجة محاضر كبير، أي بروفيسور مساعد (حسب مؤهلاتك). عرضت عليّ عدة جامعات مقترحات للعمل فيها، لكنني اخترت جامعة تل أبيب كي أبقى في البلاد”.
“سؤال صعب الإجابة عليه، وقد تغير هذا الموضوع وتعريفه، وأنا مختص في الناحية النظرية، وفي سؤال كيف نوصل معلومات بسرعة ودقة وبشكل آمن أي الاتصالات الرقمية. كما عملت وبحثت في المدة الأخيرة في مجال علم الماكينات (تعلّم الآلة). ورداً على سؤال حول الطريق للقمة، قال حليحل: “نعم، كانت ميسّرة بفضل أسرتي، لكنني بدأت أعمل من عمر 15 سنة، رغم أن حالتنا الاقتصادية جيدة. أحببت العمل في العطل الصيفية. في الجامعة لم أعمل، وحظيت بمنح كثيرة، وكوني ابن محاضر فقد حصلت على تخفيض في القسط التعليمي بنسبة 50%. كما عملت مساعد محاضر في الجامعة”. وشغل الدكتور حليحل عدة وظائف أكاديمية خلال مسيرته التعليمية.
ورداً على سؤال، يقول حليحل إنه “من ضمن اختصاصاتي البحثية اليوم تعليم الآلة كي تفكّر، وتستنتج استنتاجات بشكل فوري، وكأن لها عقلاً مفكّراً بشرياً”. ويتابع: “مثال على ذلك؛ أعالج موضوع منظومة التوصيات والتنبؤات المبنية على منطق تعقّب حركات ورغبات المستخدم على مبدأ الافتراض، الأساس أنه إذا كان لي ولك رأي مشترك فيرجح أن صديقا لنا اخترناه يتبنى ذات الموقف، وهذه هي منظومة عمل الخوارزميات، والهدف من الذكاء الاصطناعي أن يفكّر البرنامج ماذا يعرض عليك. مثال آخر هو انتشار الشائعات والأكاذيب والتضليل في منتديات التواصل الاجتماعي، ونحن نبحث عن حلول تقنية جديدة تحمي خصوصية المستخدم. الحل الموجود الآن يقوم على بنك معلومات مضللة وكاذبة فيقارن ما ينشر بها، لكن هذا لا يوفّر حلاً مرضياً”.
“والدي باحث في مجال أمراض السرطان، وبروفسور معروف، لكن تجربته بعكس تجربتي تماماً، فقد سكن وعائلته داخل كوخ صغير مع عشرة إخوة وعاشوا ظروفا معيشية صعبة كما كان يروي على مسامعنا”.
ويوضح الباحث الشاب، الذي عينّته جامعة تل أبيب معيداً جامعياً وهو ابن 22 عاماً، أنه ولد في بئر السبع، وفي الصف الأول والثاني تعلم في مدرسة عربية في قرية في النقب، تل السبع، ومن الثالث للثاني عشر نقلته أسرته لمدرسة يهودية، ومعه ابن خالته أيضاً. ويقول وسيم حليحل إن زوجته، التي تعمل في مختبر علمي أكاديمي، ساعدته بعد الزواج على ترميم لغته العربية قراءة وكتابة، وحتى نطقاً، لافتاً إلى أنها ساعدته بالممارسة العملية اليومية، ويوضح أنه ما زال ضعيفاً باللغة الفصحى. ويكشف وسيم أن التجربة داخل المدرسة اليهودية كانت صعبة لاختلاف العقلية والثقافات واللغة والاصطدام بالعنصرية أحياناً، ويقول إنه تعرّض أحيانا للقدح والشتم كالقول بعض الطلاب اليهود له: “عربي قذر”. موضحاً أنه في الصف العاشر بدأ بالتفكير بالجامعة، وبعد الاستشارة قرر مبكّرا تعلم الهندسة الكهرباء، وبعد اللقب الثاني قرر الانتقال لمعهد العلوم التطبيقية (التخنيون) في حيفا بحثاً عن جو عربي وانتماء للمجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، وبحثا عن شريكة حياة وعن فرصة لتعزيز لغة الضاد، ثم سافر بعد ذلك للمعهد الأكاديمي الأمريكي المرموق “إم أي تي”، وبقي فيه مدة عام وعاد منه بدرجة البوست الدكتوراه.
” أمر جميل، وأحياناً مفاجئ لهم، ولكنهم يشجعون ويطيبّون، خاصة عندما يطلعون على سعيي لنيل درجة بروفيسور كامل، وليس لنا كفلسطينيين خاصة في الداخل سوى الاجتهاد والتمّيز والتفوّق”.
“منطقة بوسطن تركت أثراً عميقاً عليّ بسبب هدوئها ورقيها وطبيعتها الجميلة”.
“أقضي معظم وقتي مع طفلتنا الصغيرة سهارة بنت العام ونصف العام. أعمل من البيت وهذا يساعدنا جداً. أعمل في الأبحاث ولاحقا سأعلم بتطبيق الزوم، والابنة لا تترك لنا وقتا لممارسة الرياضة التي أحّب، بيد أنني أعوضّها بالإصغاء للموسيقى الكلاسيكية وللسيدة فيروز. تجذبني رحلات التجوال في الطبيعة ورياضة التزلج على الثلج”.
“أقرأ كثيراً مواد علمية ضمن اختصاصاتي، ولا يبقى وقت كثير لقراءة مواد أخرى”.
“في الماضي اصطدم الخريجون العرب بحواجز في العمل كونهم عرباً في مجال هندسة الكهرباء، وهو مجال حساس، لكنني شخصياً كان الأستاذ الراعي لي في التخنيون ممتازاً معي. واليوم المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية أكثر تشغيلاً للعرب في هذا المجال، وأعرف كثيرين من زملائي ممن يعملون فيها، وفي شركات إسرائيلية، ولكن بحال كان خريجان عربي ويهودي بذات المعطيات، ربما تكون الأولوية لليهودي، ولذلك علينا التميّز والتفوق.