قصف دهوك.. هل تتمكن تركيا من إثبات “عدم مسؤوليتها” أم تدخل علاقاتها مع العراق في “نفق مظلم”؟

حجم الخط
3

أنقرة- “القدس العربي”: يهدد القصف الذي شهدته محافظة دهوك شمالي العراق بتفجير العلاقات بين العراق وتركيا التي اتُهمت بالمسؤولية عن القصف الذي خلف عشرات القتلى والجرحى وهو ما نفته أنقرة التي باتت أمام تحدي القدرة على إثبات عدم مسؤوليتها عن الحدث الذي يمكن أن يدخل علاقات البلدين في “نفق مظلم” ويمكن أن يلحق أضراراً بالغة بالعلاقات السياسية والاقتصادية والتعاون الأمني والعسكري بين البلدين.

وعقب ساعات من الضربات التي يعتقد أنها “صاروخية” أو “مدفعية” حمل مسؤولون عراقيون الجيش التركي مسؤولية تنفذها، قبل أن يشارك قاعدة أحزاب سياسية عراقية مختلفة في توجيه الاتهام للجيش التركي، وصولاً لاتهام رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي رسمياً الجانب التركي بالمسؤولية عن الهجوم الذي أعقبه حملات غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي هاجمت تركيا بشكل غير مسبوق.

وكالة الأناضول الرسمية التركية، نقلت عما قالت إنها “مصادر أمنية تركية خاصة” قولها إن “الهجوم الذي أسفر عن مقتل مدنيين شمالي العراق نفذه إرهابيو بي كي كي”، وجاء في الخبر: “تداولت وسائل إعلام موالية لتنظيم “بي كي كي/كي جي كي” الإرهابي أنباء تفيد بمقتل مدنيين جراء ما زعمت أنه قصف نفذه الجيش التركي في محافظة دهوك”.

وأوضح المصدر الأمني أن “التنظيم الإرهابي وصل إلى مرحلة التفكك نتيجة العمليات العسكرية التركية، وبات يبحث عن مخرج لينقذ نفسه من المأزق الصعب الذي هو فيه بطرق لا أخلاقية مثل الأكاذيب والتضليل”، مؤكداً أن “مثل هذه الأنباء تم بثها بشكل مقصود ومنحاز لتشتيت الانتباه وخلق تصور معين في وقت يعلم فيه الجميع أن تنظيم “بي كي كي/كي جي كي” يستهدف المدنيين الأبرياء وأن أبناء المنطقة لا يستطيعون الذهاب إلى قراهم وحقولهم وبساتينهم”.

من جهتها، دعت وزارة الخارجية التركية السلطات العراقية إلى “التعاون للكشف عن الجناة الحقيقيين للهجوم الذي وقع في محافظة دهوك العراقية”، حيث عبرت في بيان رسمي عن حزنها العميق لمقتل مدنيين وتقدمت بالتعازي للحكومة والشعب العراقيين وأقرباء الضحايا، مؤكدة أنها “ضد أي هجوم يستهدف المدنيين”، داعيةً السلطات العراقية إلى “عدم الإدلاء بتصريحات تحت تأثير خطابات ودعاية التنظيم الإرهابي الغادر (بي كي كي) والتعاون للكشف عن الجناة الحقيقيين لهذه الحادثة المأساوية”.

التصريحات التركية ركزت على اتهام “بي كا كا” والمطالبة بلجنة تحقيق

وجاء في البيان: “تركيا تكافح الإرهاب بشكل يتوافق مع القانون الدولي مع مراعاة عظمى لحياة المدنيين والبنية التحتية المدنية والصروح الثقافية والتاريخية وحماية الطبيعة”، مضيفةً: “مثل هذه الهجمات التي تستهدف المدنيين الأبرياء ينفذها تنظيم بي كي كي الإرهابي، ويستهدف من خلالها موقف أنقرة المحق والحازم في مكافحة الإرهاب”، لافتةً إلى أن “تركيا جاهزة لاتخاذ كافة الخطوات فيما يخص إظهار الحقيقة”.

وفي السياق ذاته، جدد وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو نفي مسؤولية بلاده عن الهجوم، وقال في لقاء تلفزيوني، الخميس: “المعلومات المؤكدة تفيد بأن القوات المسلحة لبلاده لم تنفذ أي هجوم ضد المدنيين في محافظة دهوك العراقية”، مضيفاً: “مرة أخرى نرجو من الله الرحمة على أرواح أشقائنا الـ9 الذين توفوا ونتمنى الشفاء للجرحى، وقلنا إنه بإمكاننا نقل الجرحى إلى تركيا إذا اقتضت الحاجة”.

وقال جاوش أوغلو: “هناك أنباء صدرت عقب الهجوم تتضمن اتهامات وتشويهًا ضد تركيا، وقامت وزارة الخارجية بنفيها بلغة صريحة عبر بيانها”، مضيفاً: “العالم كله يعلم أن تركيا لم تشن في أي وقت هجمات ضد المدنيين، وتواصل كفاحها ضد الإرهاب وفقا للقانون الدولي”، وتابع: “بمجرد وصول هذه الأنباء أمس، أجرينا على الفور مشاورات مع مؤسساتنا ذات الصلة وتبادلنا المعلومات اللازمة، وبحسب المعلومات التي تلقيناها من القوات المسلحة التركية، لم يتم تنفيذ أي هجوم ضد المدنيين (في دهوك)”.

وأعرب الوزير التركي عن رفضه للتصريحات الرسمية وغير الرسمية “التي تستهدف تركيا قبل اتضاح حقيقة الأمر”، معتبراً أنه “ليس من الصواب إصدار مثل هذه التصريحات في الوقت الذي تعلن فيه تركيا استعدادها للتعاون من أجل الكشف عن الملابسات”، مشيراً إلى أن “وقوع مثل هذه الحادثة يثير التساؤل، في ظل تحسن العلاقات التركية ـ العراقية وتحقيق نجاح في مكافحة الإرهاب”.

ولا يعرف حتى الآن موقف الجهات الرسمية العراقية من الدعوات التركية لتشكيل لجنة تحقيق مشتركة، وبينما لم يعلن العراق عن نتائج لجنة تحقيق رسمية أو أدلة عملية تثبت اتهاماته ضد تركيا، تأمل جهات تركية بقدرة أنقرة على إثبات عدم مسؤولية الجيش التركي عن الهجوم في حال وافق العراق على تشكيل لجنة تحقيق مشتركة وذلك من خلال فحص القذائف التي سقطت على المنطقة ومعرفة الجهات التي تستخدم هذا النوع منها.

وبدرجة أساسية، عبر صحافيون وكتاب أتراك عن ريبتهم من توقيت تنفيذ هذا الهجوم وخرجت تحليلات مختلفة أبرزها اتهام إيران والمليشيات المرتبطة بها في العراق بتنفيذ الهجوم لاتهام تركيا وإحراجها لوقف عملياتها العسكرية في العراق ومنع تنفيذ عملية عسكرية جديدة في شمالي سوريا، كون الهجوم وقع بعد ساعات من قمة ثلاثي أستانة في طهران والخروج بخلافات علنية حول العملية العسكرية التي تهدد تركيا في تنفيذها شمالي سوريا.

ومنذ سنوات طويلة، تنفذ تركيا عمليات عسكرية واسعة في شمالي العراق بتنسيق غير معلن رسمياً مع الجهات الرسمية العراقية التي تطالب بين الفينة والأخرى بوقف هذه العمليات وانسحاب القوات التركية وجرى في أكثر من مناسبة استدعاء السفير التركي، لكن العلاقات الاقتصادية والسياسية وحتى التعاون الأمني والعسكري لم يتأثر كثيراً بهذه الأحداث وتمكن البلدان من الحفاظ على مصالحهم الواسعة بحكم الجوار وطرق التجارة والصادرات.

لكن هذه الحادثة التي راح ضحيتها العشرات ما بين قتيل وجريح وما رافقها من انتشار مشاهد “صعبة” وحملات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي قد تقود إلى أزمة حقيقية بين البلدين يمكن أن تتوسع في حال لم يتفق الجانبين على لجنة تحقيق مشتركة أو تمكن تركيا من إثبات عدم مسؤوليتها، وهي مهمة لا تبدو سهلة حتى الآن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية