يكشف الواقع السياسي عن تناقض شائق. في النقمة تكمن بركة، وفي البركة تختبئ مصيبة. هكذا مثلاً، القوة الإيرانية، التي يخشاها كثير من الإسرائيليين، تخدم مصلحتنا في تعميق علاقاتنا مع العالم العربي. بالتوازي، فإن الضعف الفلسطيني، الذي يباركه كثير من الإسرائيليين، يطرح علامة استفهام على الطابع اليهودي لإسرائيل. هذان تناقضان يرتبط أحدهما بالآخر. فالزعماء العرب الذين يسعون للتقرب من إسرائيل في ضوء التهديد الإيراني، يخافون أقل من المعارضة الداخلية لخطوتهم عقب عدم الاكتراث الجماهيري المتزايد من مصير الفلسطينيين المستضعفين.
فالتعب من المسألة الفلسطينية يغذيه عجز الفلسطينيين المتواصل: فالانقسام الذي لا يحل منذ 15 سنة بين الضفة الغربية وغزة، والخصومة التي لا تنتهي بين فتح وحماس، والفساد المستشري في القيادة – كلها تبعد عن الفلسطينيين أفضل أصدقائهم، بل وتساعد على تآكل معسكر السلام الإسرائيلي. وبالفعل، كل مصافحة من زعيم إسرائيل لزعيم عربي، وكل طائرة “إلعال” تجتاز سماء السعودية، تجسد للجمهور الإسرائيلي صحة ادعاء اليمين: إضعاف الفلسطينيين سيسمح بصنع السلام مع العالم العربي دون تنازل عن أي مناطق. أهذا سبب للاحتفال؟ تماماً لا. فبرعاية الجمود السياسي في المحور الإسرائيلي – الفلسطيني تتواصل بمثابرة مصير الاستيطان، ويتبدد معها أيضاً احتمال الفصل بين الشعبين. التهديد يكبت ويبعد عن الخطاب الجماهيري، وفي حملة الانتخابات القادمة لن يكون المتنافسون المركزيون مطالبين ولن يتطوعوا ليبينوا كيف سيعالجون التهديد الأهم الذي تقف أمامه إسرائيل: فقدان جوهرها كدولة يهودية.
صورة الوضع الديمغرافي في القدس هي التعبير الأكثر ملموساً للواقع ثنائي القومية الذي يهدد إسرائيل. هذا الواقع المنفي قد يصفع إسرائيل في اليوم الذي يقرر فيه سكان القدس العرب المشاركة في انتخابات البلدية. استطلاع أجرى في بداية 2018 بمبادرة الجامعة العبرية وجد أن نحو 60 في المئة من سكان شرقي القدس يؤيدون المشاركة في الانتخابات البلدية. حتى الآن، قمع هذا التطلع من القيادة الفلسطينية التي رأت في ذلك إعطاء شرعية للاحتلال الإسرائيلي. غير أن هذا المنطق الوطني يوشك على التآكل كلما انطفأت إمكانية عملية تقسيم البلاد وكلما تعمق الضعف الوطني الفلسطيني. ثمة استطلاع بادر إليه معهد واشنطن مؤخراً، ويشير إلى عملية اعتدال في مواقف سكان شرقي القدس الفلسطينيين. فلو وضع أمام عرب العاصمة الخيار لفضل 48 في المئة الجنسية الإسرائيلية (مقابل 20 في المئة في الاستطلاعات التي أجريت حتى العام 2020)، 43 في المئة جنسية فلسطينية و 9 في المئة جنسية أردنية. بهذه الروح، فإن 63 في المئة من عرب شرقي القدس يتفقون مع القول: كان من الأفضل لو كنا جزءاً من إسرائيل من أن نكون جزءاً من السلطة الفلسطينية أو من الأرض الإقليمية التي تحت سيطرة حماس”.
بشكل متناقض، إن ميول الاعتدال التي تنشأ عن الاستطلاع يجب أن تشعل ضوء تحذير، فهي تؤشر إلى أن مسألة مشاركة عرب القدس في الانتخابات البلدية ليست سوى مسألة وقت. آجلاً أم عاجلاً، سيتحررون من عوائق الماضي وسيحققون حقهم القانوني. إن الترجمة السياسية للضعف الوطني الفلسطيني لن ينحصر في القدس. فتجربة القدس ستجسد لفلسطينيي “المناطق” بأن ثمة بديلاً لحل الدولتين: حل الدولة الواحدة. عندما يقرر الفلسطينيون السير في طريق إخوانهم في القدس ويفضلون أن يكونوا رعايا إسرائيل، فمن في العالم سيقف إلى جانب إسرائيل إذا ما أصرت على حرمانهم من حقهم في التصويت للكنيست. ستصبح إسرائيل دولة ثنائية القومية وستفقد الرموز اليهودية – “هتكفا”، والعلم، والأعياد –مكانتها.
إن الضعف الفلسطيني ومؤشرات الاعتدال في تطلعاتهم الوطنية يعتبرها كثيرون في إسرائيل مسيرة مباركة، غير أن دهاء التاريخ قد يثبت بأن نقمة فتاكة تختفي في البركة: نهاية إسرائيل كدولة يهودية.
بقلم: آفي غيل
معاريف 21/7/2022