غرباء في أوطانهم

حجم الخط
0

د. رشيد أخريبيشلم يكن لدى الشعب المغربي اعتقاد سوء، ولا أدنى شك عندما ذهب إلى صناديق الاقتراع، وصوت لصالح حزب يظن أنه الضامن لحرياته الدينية والدنيوية، ولم يكن يعتقد أيضا انه في حكومة الإسلاميين هذه ستقع خرقات ضربت بعرض الحائط بكل الآمال التي علقها الشعب المغربي على هذه الحكومة، التي رفعت شعار الحرية والتغيير فيما يخص الحريات الدينية. لكن ما نسمعه في هذه الأيام من تضييق على الحريات في ممارسة الدين يجعلنا نتساءل هل كل الآمال التي علقها الشعب المغربي على حكومة الإسلاميين تبخرت وتحطمت على صخرة صماء.

؟ من المؤسف جدا أن نسمع عن الضجة الكبرى التي وقعت في الأيام القليلة الماضية، والمتعلقة بالطرد الذي طال الشابين اللذان أرادا الــــتوبة إلى الله عز وجل، وذلك بحضورهما درسا دينيا للشيخ عبد الله النهاري، الكل كان يعتــــقد أنه في ظل حكومة الإسلاميين، سيتراجع ذلك العداء الذي كان يكنه العلمانيون الذين حكموا البلاد لسنين عديدة للإسلام، فبعد الشعارات الانتــــخابية الرنانة، وبعد كل الوعود النرجسية التي أطلقوها في حملتهم الانتخابية، الآن نرى أن الواقع في واد، والوعود التي قدموها في واد آخر، ومن تم (فهــــم يا الفاهم) فهؤلاء الذين صوتوا لهذا الحزب وصنعوا هذه الحكومة ووضعـــوا الثقة فيها هم الآن مصدومون من جراء ما يسمعونه في ظل حكومتهم التي أبت إلا أن تختار الإسلام كشعار وحيد وأوحد في عملها السياسي، فحكومة الإسلاميــــين التي كان يعول عليها الكثيرون ممن اختاروها، وانتظـــروا أن تعطي الكــــثير للإسلام وترد العلمانيين على أعقــــابهم خاسرين كانت الحقـــيقة صادمـــة وأبعـــد من ذلك، بعد الطرد الذي يطـــال الناس من وظائفــهم وبعد التضييق الذي مازال يمــــارس على الإسلاميين. فمن حق الشعب المغربي أن يتساءل هل بالفعل أصبح الإسلام أكثر غرابة في عهد حكومة الإسلاميين بعد أن كان غريبا في عهد العلمانيين؟ بعد أن كان الهجوم على الإسلام، والمحاولات للنيل منه واتهام كل من يتشبث به بالرجعي والظلامي، كان ذلك لا يدعو إلى الاستغراب والتعجب، لأن ذلك كان يحدث في ظل حكومة آل الفاسي التي اعتاد المغاربة على أن تكون سيفا مسلطا على أعناقهم، ولكن أن نرى مثل هذه السلوكيات في عصر أردوغان المغرب كما يحلو للبعض أن يسميه فهذه مهزلة بعينها.

ما العيب أن يعود الإنسان إلى ربه، ويطلب العفو والتوبة منه، ما العيب أن يحضر الإنسان درسا دينيا خاصة إذا كان ذلك خارج أوقات العمل، أليس من المخجل أن نسمع عن مثل هذه الأعمال من طرد تعسفي وتضييق الحريات على الإسلاميين بدعوى (عدم احترامهم للقوانين والأنظــــمة الجاري بها العمل)، هذه صورة مصغرة من مغرب يحلم و يطمح الكل بان يصبح أكـــثر ديمقراطيــــة، وأكثر تحضرا، وأكثر حرصا على حفظ حريات المواطنين، خاصة في ظل حكومة كان يعتبرها الكل نتاج وتكملة للربيع الديمقــــراطي الذي أدى إلى إزاحة الأنظمة الديكتاتورية التي لطالما حاربت الإسلام، بعد أن ملــــت الشعوب وسئمت من سياسات تلك الأنظمة التي جثمت على صدور شعوب العالم الإسلامي لقرون عديدة واختاروا حكومات إسلامية اعتقادا منهم بأن هذه الحكومات هي من ستحمي معتـــقداتهم وتضمن لهم الحرية في ممارستها، بعد أن كانوا غرباء في عصر البطش والظلم الذي مورس عليهم من طرف الحكـــومات السابقة، ها نحن الآن نرى بوادر تلك الممارسات في عهد الحـــكومة الجديدة، فهذا إن دل على شيء إنما يدل على النية المبيتة لهذه الحكومة، والتي اعتقد من خلالها الشعب المغربي أن كل تلك الآمال كانت مجرد أضغاث أحلام، وأن ذلك الظن كان مجرد ظن السوء، وبالتالي صدمة قوية للذين ذهبوا بكثافة إلى صناديق الاقتراع، وصوتوا لهذا الحزب الذي ترأس الحكومة فيما بعد. الآن هؤلاء من حقهم أن يتساءلوا ماذا يقع في مغربهم، من حقهم أن يعرفوا مستقبل ممارسة حرياتهم الدينية، من حقهم أن يعرفوا السياسة الجديدة للبلاد، وباختصار من حقهم أن يعرفوا أين ذهبت أصواتهم.

ما الفائدة من انتخابات لم تغير من الخارطة السياسية بالمغرب شيئا اللهم إذا كانت نفس الشعارات التي اعتاد عليها الشعب وشرب من مرارتها منذ زمن بعيد؟ ما الفائدة من حكومة رفعت شعار الإسلام في مسارها السياسي بينما الآن هي عاجزة حتى على اتخاذ موقف شجاع للبث في قضية من طردوا من العمل، لا لشيء اقترفوه ولكن لمجرد أنهم مارسوا حرياتهم الدينية.

بين هذا وذاك وغيره تبقى هناك مجموعة من الأسئلة، يراد من خلالها لحكومة بن كيران أن تعطي أجوبة شافية وشفافة، وتعيد النظر في سياستها علها تطمئن لها قلوب من اختارتها، وأن تكون بالفعل الممثل الوحيد للدفاع عن مصالحه وعن حرياته الشخصية التي يضمنها لها الدين، والدستور والأعراف والمواثيق الدولية وألا تبقى مجرد تكملة لمسار حافل بالخدع السياسية التي اعتادت عليها الحكومات السابقة، وأن تكون هي الأخرى في زمرة من يستغلون الدين لغاية في نفس يعقوب.’ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية