الفلسطينيون أمام سؤال: ماذا بعد زيارة جو بايدن للمنطقة؟

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

لم يختلف الفلسطينيون في تقييم نتائج الزيارة، لكن الواضح أنهم سيختلفون حول سبل العمل بعد الزيارة التي أكدت على مجموعة من التحولات السياسية.

رام الله ـ «القدس العربي»: فجأة، أصبح الفلسطينيون أمام سؤال رئيسي ومصيري وهو: ماذا بعد زيارة الرئيس الأمريكي جو بادين للمنطقة؟ حيث أن كثيرا من الملفات بدت معلقة في انتظار نتائج الزيارة التي وعلى غير العادة، لم يختلف الفلسطينيون في تقييم نتائجها، لكن الواضح تماما أنهم سيختلفون كثيرا حول سبل العمل والتحرك بعد الزيارة التي أكدت على مجموعة من التحولات السياسية وتحديدا تلك التي لها علاقة بالقضية الأمريكية ورهانات بعض الأطراف الفلسطينية عليها.

خليل شاهين، مدير البحوث والسياسات في المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية اعتبر أنه لفهم أثر زيارة بايدن على الفلسطينيين يجب التوقف أمام «إعلان القدس» الذي شكّل قفزة جديدة من الانحياز الأمريكي في عهد الإدارة الديمقراطية الجديدة لصالح إسرائيل.
وأوضح أن إدارة بايدن مع الاقتراب من الانتخابات النصفية للكونغرس تسعى لكي تظهر أنها مستعدة لكي تذهب أبعد مما ذهبت إليه إدارة ترامب، فيما يتعلق بعلاقاتها الثنائية مع إسرائيل، ومحاولة فتح المزيد من الأبواب أمام إسرائيل، لا سيما فيما يتعلق بالتطبيع، بل تبني المفهوم الجديد القائم على إدماج إسرائيل في المنطقة.
وأكد شاهين على أن إدارة باراك أوباما، التي كان بايدن نائبا للرئيس فيها، هي التي منحت إسرائيل 3.8 مليار سنويًا، وأن إدارته أضافت إلى ذلك مليار دولار إضافية دعمًا لنظام القبة الحديدية.
أما فلسطينيا فقد أشار شاهين في ندوة خصصت للعصف الذهني أقامها المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية «مسارات» بمشاركة نحو 60 من السياسيين والأكاديميين والباحثين والنشطاء إلى أن سقف الموقف الفلسطيني هو عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عهد ترامب.
ووضح أن رزمة المطالب الفلسطينية تتمثل في ثلاثة محاور: أولًا، محور العلاقات الدبلوماسية، بما يشمل المطلب الفلسطيني بإعادة افتتاح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وإعادة افتتاح القنصلية الأمريكية شرقي القدس، وإزالة منظمة التحرير من قوائم الإرهاب؛ أي إعادة العلاقات الثنائية إلى ما كانت عليه قبل ترامب. وثانيًا، العملية السياسية، من خلال الطلب الفلسطيني بوجود «أفق سياسي» وإجراءات يمكن أن تتطور إلى حالة تفاوضية استنادًا إلى «حل الدولتين». وثالثًا، المحور الاقتصادي، من خلال عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل وقف الدعم الأمريكي للفلسطينيين، موضحًا أن الفلسطينيين لم يحققوا كل ما أرادوه في المحاور الثلاثة.
وبيّن شاهين في توصيفه للحالة الفلسطينية أنه في ظل انسداد الأفق السياسي، لا بد من تبني إستراتيجية جديدة تركز على المراكمة من أجل إحداث تعديل في ميزان القوى، وهذا غير ممكن إلا بإعادة النظر في العلاقة مع الاحتلال، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا ومدنيًا.
وشدد على أن هذا المطلب المتمثل بالاستدارة الإستراتيجية تتطلب وحدة في الموقف الفلسطيني، من خلال تركيز الجهود على إنهاء حالة الانقسام، عبر تشكيل تيار وطني عابر للجغرافيا والأحزاب، وقادر على تشكيل حالة ضغط على السلطة، وعلى حركتي فتح وحماس، وإلى حين ذلك لا بد من العمل على تشكيل إطار جبهوي قد يخلق حالة جديدة ونماذج من العمل الوحدوي.
وقال شاهين إنه في الوقت الذي لم يرافق فيه أي مسؤول إسرائيلي بايدن خلال زيارته إلى مستشفى المطلع بمدينة القدس، فإنه لم يصطحب معه أيضًا أي مسؤول فلسطيني، فضلًا عن تقديم الدعم لمستشفيات القدس مباشرة وليس من خلال دعم موازنة السلطة، وهذا عكس تماشيه مع الموقف الإسرائيلي الذي يقول بأن السلطة لا شأن لها بمدينة القدس، لا بالمعنى السياسي، ولا حتى على صعيد إدارة المؤسسات، وهذا الموقف يعدّ مؤشرًا خطيرًا.
وتابع حديثه مشيرا إلى أن بايدن والمسؤولين الأمريكيين أسمعوا المسؤولين الفلسطينيين قبل الزيارة وأثنائها خلاصة الموقف الذي يقوم على أن القدس عاصمة لإسرائيل، وأن الحديث يدور حول نطاق «السيادة» على أحياء المدينة، وهذا يعد تراجعًا عن موقف إدارة أوباما، وتماشيًا مع صفقة القرن.
أما فيما يخص المستوطنات، فأوضح شاهين أن إدارة بايدن لم تتراجع عن الموقف الذي أعلن من وزارة الخارجية في عهد ترامب بأن المستوطنات ليست مخالفة للقانون الدولي، كما خلا حديثه خلال الزيارة من أي إشارة إلى عدم شرعية الاستيطان وهدم المنازل وغيرها من الانتهاكات الإسرائيلية.

البحث عن خيار ثالث

بدوره تساءل المحلل السياسي هاني المصري: هل سينفذ الرئيس محمود عباس بعد لقائه مع بايدن، تهديداته بتنفيذ قرارات المجلس المركزي بخصوص العلاقة مع دولة الاحتلال، لا سيما أن المهلة التي أعطاها للعالم في أيلول/سبتمبر الماضي تشارف على الانتهاء؟
وتابع حديثه مشددا على أن بعض التصريحات الصادرة عن قيادات في حركة فتح والسلطة غداة قمة بيت لحم توحي بأن بايدن لم يُعْطِنا أي شيء سوى المساعدات، وهو الأمر الذي يجعل المطلوب تنفيذه الآن هو القرارات التي صدرت عن المجلس المركزي وطال انتظار تطبيقها، فهي صدرت للمرة الأولى في آذار/مارس 2015 وتكررت مرات يصعب عدها.
واعتبر المصري في مقال مطول حمل عنوان «ما بعد زيارة بايدن: تنفيذ القرارات أم تجديد الرهانات‎‎؟» أن الهدف الفلسطيني المتمثل في عودة السياسة الأمريكية إلى ما كانت عليه قبل ترامب هدفٌ صعبٌ، لكنه قابل للتحقيق إذا تم الإصرار الفلسطيني عليه، وربطه بالعلاقات بين الجانبين عبر تفعيل العامل الفلسطيني؛ أي كان يمكن أن تضع القيادة الفلسطينية هدفًا رئيسيًا واقعيًا للزيارة، تعمل من أجله منذ إقرارها، وهو إقناع بايدن والضغط عليه بالعودة إلى الأسس التي حكمت الإدارات الأمريكية ما قبل عهد ترامب لا أكثر ولا أقل.
ويرى المصري أن بايدن يقف في المسافة ما بين أوباما وترامب، وهو أقرب بشدة إلى الأخير على الرغم من أنه كان نائب أوباما أثناء رئاسته.
ويرى المصري في سياسة التعايش مع الاحتلال والتعامل مع مخططاته بحجة أنها اللعبة الوحيدة بالمدينة لا ينسجم معه لا منظمة تحرير ولا دولة ولا مقاومة، فهذا بحاجة إلى سلطة حكم ذاتي محدود تؤبد الوضع الحالي إلى حين إنضاج شروط تسمح بطرد وتهجير الفلسطينيين؛ لضمان بقاء إسرائيل دولة يهودية نقية، أو أن يكون اليهود فيها أغلبية كبيرة غير معرضة لتغيير طابعها.
وكان أمين سر اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير حسين الشيخ قد اعتبر حل السلطة الفلسطينية بالفعل الذي سيترتب عليه نتائج على الشعب الفلسطيني أسوأ مما هم فيه الآن، وذلك في حديث لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.
وأضاف أنه لا يعتقد أن إسرائيل جدية حول إنهاء الاحتلال، «وبالتالي فإن الفلسطينيين لا يملكون أي خيار سوى مواصلة العمل ضمن الترتيبات الحالية».
ويرى المصري أنه على الفلسطينيين أن يختاروا ما بين الاستمرار في السياسة الواقعية التي اعتمدت منذ اتفاق أوسلو من قبل فريق، واعتماد السياسة المغامرة التي تراهن على البرامج الأحادية والمطلقة والمحاور والمتغيرات، من قبل فريق آخر، ولا تؤمن بالدور الخاص الحاسم للشعب الفلسطيني وموقعه في الصراع، وأدت بهم إلى الوضع الكارثي الذي هم فيه، أو تبني سياسة واقعية وثورية تدرك في الوقت نفسه ثقل الواقع، وعدم القدرة على تغييره بسرعة ومرة واحدة.
واعتبر أن هذا بحاجة إلى رؤية شاملة جديدة وإستراتيجيات وأدوات جديدة وقيادة واحدة وإرادة، والتقدم على طريق إنجاز الأهداف والحقوق الفلسطينية، فما جرى ما قبل زيارة بايدن وبعدها، وما يجري في الإقليم والعالم أثبت أن القضية الفلسطينية حية، وليس من السهل تجاوزها، وهذا ما يجب البناء عليه.
واعتبر أن أخطر ما أدت إليه زيارة بايدن أنها كرّست التعامل مع القضية الفلسطينية بغطاء فلسطيني، باعتبارها قضيةً إنسانيةً بسقف اقتصادي أمني، وهذا يكرس القضاء على أي أمل بتحقيق ما يسمى «حل الدولتين».
واعتبر أن المطلوب تغيير قواعد اللعبة بشكل جوهري خطوة خطوة وبثبات. والسؤال مِن مَن؟ والجواب: من أصحاب المصلحة بالتغيير، وهم الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية