رام الله ـ «القدس العربي»: هل جاءت قمة طهران بين الزعماء الثلاثة، الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب اردوغان، ومضيفهم الإيراني إبراهيم رئيسي، نوعا من الرد القوي على قمة جدة التي دعا إليها الرئيس الأمريكي بايدن والتي انتهت إلى فشل ذريع ومخجل للرئيس الذي وصلت نسبة الرضى عن أدائه إلى أدنى مستوى؟ ما من شك أن ذلك كان حاضرا في ذهن الرئيس الروسي بوتين الذي يريد أن يضيق حلقات الحصار الغربي على بلاده ويوسع من دائرة علاقاته بالدول التي تناهض سياسة الهيمنة الأمريكية أو غير راضية عن سياستها أو على الأقل تفضل أن ترى توازنا أفضل في العلاقات الدولية بعيدا عن الهيمنة الأمريكية الأوروبية.
لكن ما الذي يجمع بين الدول الثلاث في هذا الوقت علما أنها تختلف فيما بينها على كثير من القضايا ومن بينها سوريا؟ لكنها تجاوزت مؤقتا ما يفرقها واقتربت من بعضها في لقاء طهران لأن كل زعيم من هؤلاء يريد أن يحقق مكاسب مهمة فيما يراه مصلحة لبلاده واستراتيجيتها على المدى المنظور.
ولو شبهنا مصالح الدول بثلاث دوائر متساوية، وأن الدوائر الثلاث تداخلت فيما بينها في منطقة المصالح المشتركة وتباعدت فيما يفرقها عن الدولتين الأخريين لاكتشفنا أن الأجزاء المتداخلة من الدوائر الثلاث ممثلة للمصالح المشتركة صغيرة وغير كافية لتحويل المصالح الآنية إلى رؤى استراتيجية مشتركة تكون نواة لتشكيل إطار جديد وثابت قادر على التأثير في العلاقات الدولية واصطفافات الدول الكبرى. وسنحاول أن نسلط الضوء على ما جمع الدول الثلاث في هذه المرحلة رغم خلافاتها في كثير من المسائل العقائدية والتحالفات والتوجهات.
– تلتقي الدول الثلاث أولا على ضرورة إعادة تشكيل نظام دولي جديد لا تكون فيه الولايات المتحدة وتوابعها من الأوروبيين، الآمر الناهي والمهيمن على منظومة العمل الدولي. وبما أن الولايات المتحدة تمر في حالة ضعف داخلي وتراجع في وضعها الدولي واهتزاز في ثقة حلفائها بعدما تخلت عن العديد منهم كان آخرهم حكومة عبد الغني في أفغانستان، إذن لا بأس أن يتم التقارب أكثر من محور روسيا والصين والدول المتوسطة القوى مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرها. إن أي تراجع لنظام الأحادية القطبية لصالح التعددية القطبية يصب في مصالح هذه الدول.
– من مصلحة الدول الثلاث إبقاء الولايات المتحدة خارج المعادلة السورية والاستمرار في الاستحواذ على هذا الملف عبر «مسار أستانا» القائم على هذا الثالوث الذي تمكن من إقصاء جميع الدول الأخرى. تتفق الدول الثلاث على أن رؤيتها غير موحدة في هذا الملف لكنها مقتنعة أن الحوار بينها من شأنه أن يبرّد الملف السوري ويحوله من مواجهات بالمدفعية والطائرة إلى موضوع هام يجب حله بالتفاهم بين الدول الثلاث التي لا تستطيع أي منها حسمه على انفراد عبر اقتلاع الآخرين. إيران تأمل من اللقاء أن تصلب الموقف الروسي المائع من انتهاكات إسرائيل للسيادة السورية واستهداف قواتها في كل أجزاء سوريا واختيار روسيا أن تنظر إلى الجهة الأخرى وفي أحسن حالاتها تعبر عن القلق. كما تريد إيران أن تباعد بين تركيا وإسرائيل قدر الإمكان. تركيا تريد من الطرفين أن يتفهما أكثر وضعها الأمني على الحدود ودعم نيتها في القيام بعملية عسكرية ضد قوات حزب العمال الكردستاني المصنف «جماعة إرهابية» لدى أنقرة. والغريب أن حزب العمال يحظى بدعم روسي وأمريكي إضافة إلى دعم النظام السوري. تركيا جاءت إلى القمة وتأمل أن تحقق مزيدا من التفهم والاعتراف بشواغلها الأمنية. أما روسيا فتريد أن تبقي على مسار أستانة للدول الثلاث كنقطة تقاطع لأي حل مستقبلي للأزمة السورية قائم على أساس الاعتراف بسيادة سوريا ووحدة أراضيها.
– الأزمة الأوكرانية لعبت لصالح إيران وتركيا معا، وروسيا بحاجة إلى تمتين العلاقات مع أي محور يناهض المعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة. تركيا أصبحت الوسيط الدولي المقبول لنقل القمح الأوكراني الروسي من الموانئ المحاصرة. وستوقع روسيا وأوكرانيا وتركيا اتفاقية لنقل شحنات القمح تحت إشراف الأمم المتحدة. هذه خطوة يستفيد منها الطرفان ماديا ومعنويا. سيتم تخفيف الضغط على روسيا واتهامها بالتسبب في أزمة الغذاء العالمية ويضع تركيا في موقع فريد كجسر مقبول بين الدول المتضررة من الأزمة وروسيا وبالتالي تخفيف حدة أزمة الغذاء.
– تعتبر روسيا وإيران من أكبر منتجي ومصدري النفط والغاز في العالم. فإذا كانت قمة بايدن في جدة تهدف إلى رفع كمية الإنتاج من أجل تخفيض الأسعار التي بدأت تصل مستويات غير مسبوقة فإن من مصلحة قمة طهران أن تكوّن تحالفا آخر ضمن مجموعة «أوبيك +» للرد على المخطط الأمريكي. أي اتفاق بين إيران وروسيا يتعلق بالنفط والغاز بحاجة إلى موقف تركي إيجابي لأن إيران تصدر جزءا أساسيا من نفطها وغازها عبر الأراضي التركية وهو ما يساهم بطريقة أو بأخرى من تخفيف آثار الحصار على إيران.
– روسيا وتركيا تدعمان الموقف الإيراني في ضرورة العودة إلى الاتفاق النووي المبرم مع الدول الست عام 2015 والمعتمد بقرار مجلس الأمن الدولي 2231 (2015). ما تريده إيران من القمة تشكيل حالة ضغط على الولايات المتحدة وحلفائها وتوجيه رسالة قوية بأن عدم العودة للاتفاق يعني مباشرة اقترابا إيرانيا شديدا من محور روسيا-الصين ومجموعة دول بريكس. تركيا تطمح في الانضمام لمجموعة بريكس حيث تتلاقى المصالح التركية الإيرانية بالانضمام لتكتلات إقليمية صاعدة تشكل رصيدا إضافيا لروسيا والصين اللتين تقتربان من الإطاحة بالأحادية القطبية التي تربعت على قمتها الولايات المتحدة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية في بداية العقد الأخير للقرن العشرين.
– من الناحية الأمنية تتوافق مصالح الدول الثلاث بأن أمن المنطقة لا يمكن الاعتماد فيه على الولايات المتحدة التي فشلت مرارا وتكرارا في حماية حلفائها. كذلك لا يمكن الركون لأدوات الولايات المتحدة في المنطقة وخاصة الكيان الصهيوني. إن أمن المنطقة مسؤولية دول المنطقة بدعم من حلفاء لا تاريخ كولونياليا لهم. إسرائيل لا تستطيع أن تحمي نفسها ولو كان الأمر كذلك لما احتاجت كل هذه المساعدات الأمريكية والأسلحة المتطورة والقبب الحديدية والاتفاقيات المتواصلة مع الولايات المتحدة كان آخرها بيان القدس التطميني. فكيف للخائف أن يحمي غيره من ثلة الخائفين؟ أمن المنطقة يصنعه أبناء المنطقة وعلى هذه الدول أن تعيد النظر في علاقاتها مع جيرانها وخاصة إيران وتركيا، وهو ما يتجسد الآن في إعادة ترتيب العلاقات بين إيران ودول الجوار وخاصة مع السعودية بوساطة عراقية وبين السعودية والإمارات مع تركيا. وللعلم فإن علاقات إيران بقطر وعُمان والكويت ممتازة ولا حاجة للعزف على وتر مقطوع اسمه «البعبع الإيراني» كمبرر للارتماء في الحضن الصهيوني. الحلقة الفارغة في الأمن الإقليمي هي غياب مصر كقوة استراتيجية تستطيع أن تشكل الضلع الثالث لأمن المنطقة مع إيران وتركيا بدل الاستناد إلى إسرائيل. إن منظمومة أمنية إقليمية تشترك فيها إيران وتركيا والسعودية ومصر وبدعم من روسيا والصين تشكل البديل الأكثر صدقية من الاعتماد على الامبراطورية العجوز التي تتابع الهبوط نحو الهاوية داخليا وخارجيا وكل محاولات الترقيع لن تجديها شيئا.
صحيح أن الخلافات بين دول القمة الثلاث ما زالت قائمة ولا يمكن حلها في لقاء أو لقائين، ولكن تقاطع المصالح في أكثر من ملف سهل اللقاء بين روسيا المحاصرة والتي تخوض حربا شرسة مع التحالف الغربي بأجمعه ومع إيران المحاصرة اقتصاديا ومع تركيا عضو الناتو والمتورطة في ملفات كثيرة وتبحث عن دور إقليمي أكبر بسبب وضعها الجيوسياسي النادر الذي أهلها لتكون نقطة تقاطع قوية بين الغرب والشرق وآسيا وأوروبا والدول الإسلامية والغرب المتوجس من كل ما هو إسلامي.