باريس ـ «القدس العربي»: ضمن سلسلة المقالات التي تنشرها صحيفة الغارديان البريطانية تحت عنوان «من أين نبدأ؟»، وتقدم مجموعة مقترحات تعين على قراءة عدد من الكتّاب في مجالات شتى، اختارت جوستين جوردان الحديث عن الروائي الإرلندي جيمس جويس (1882-1942)، مؤلف الرواية الشهيرة «يوليسيس» أو «عوليس» كما يفضّل البعض، التي كتبها على مدار 7 سنوات بين 1914 و1921 وصدرت سنة 1922 في باريس وليس في لندن أو دبلن أو أي عاصمة أنغلوفونية بسبب اتهام النص بالإباحية أو حتى الكتابة البورنوغرافية.
وتعترف جوردان أن رواية جويس هذه، إلى جانب رواية جورج إليوت «مدلمارش» ورواية تولستوي «الحرب والسلم»، كانت في عداد الأعمال الروائية التي اعتزم الكثيرون قراءتها خلال فترة الإغلاق الأولى عند انتشار فيروس كورونا في بريطانيا، ولكن يتضح الآن أنّ الغالبية صرفت الوقت في متابعة مسلسلات نتفلكس واللقاءات عبر تطبيق زووم، وبالتالي مع الاحتفاء هذه السنة بمئة عام على صدور «يوليسيس»، و140 سنة على ميلاد جويس، من غير المؤكد أن عدداً إضافياً ملموساً من القراء تجثم عناء قراءة هذه الرواية الشاقة.
قد يكون من الأفضل إذن الابتداء من مجموعة «أهالي دبلن»، التي صدرت سنة 1914 وتضمنت قصصاً قصيرة عكست الحياة الإرلندية وبدت متخففة كثيراً من المغامرات اللغوية التي سينخرط فيها جويس لاحقاً، واشتهرت سريعاً قصص مثل «إفلين» و«سوق آرابي» و«يوم اللبلاب»، كما اشتهرت خصوصاً القصة التي تحمل عنوان «الموتى»، وتحكي عن اجتماع أسرة في عيد الغطاس، وشكلت ذروة تلك المجموعة وكانت وراء صعود نجم جويس على صعيد القراءة العريضة، خاصة في الأوساط الإرلندية عموماً وسكان دبلن خصوصاً. ولم يكن غريباً أن تجتذب هذه القصة القصيرة انتباه المخرج الأمريكي الشهير جون هستون، ولكن بعد أكثر من 70 سنة، فأخرجها للسينما بإنتاج أمريكي بريطاني وألماني غربي مشترك.
بداية ثانية مفيدة، وإنْ كانت أكثر مشقة من «أهالي دبلن»، هي رواية جويس الأولى «صورة الفنان في شبابه»، التي يعتبرها الكثيرون أقرب أعمال الروائي إلى تمثيل عناصر أساسية في سيرته الذاتية؛ خاصة لجهة التكوين الديني وتفتّح الوعي والتجاذبات الكاثوليكية والقيود العائلية والتقاليد الاجتماعية، دائماً عبر شخصية ستيفن ديدالوس التي ستلازم جويس وتحتل مكانة بارزة في عمله الأهمّ «يوليسيس». الرواية بشّرت بالجوانب الحداثية التي سوف يشتهر بها جويس لاحقاً، واستغرقت كتابتها نحو عقد من الزمان، ونُشرت فصول منها بصفة متفرقة، قبل أن يأخذها الشاعر الأمريكي الحداثي إزرا باوند على عاتقه فيتولى نشرها مسلسلة في المجلة الطليعية The Egoist. جدير بالذكر أنّ المترجم المصري ماهر البطوطي نقل هذه الرواية إلى العربية، وصدرت عن دار الآداب اللبنانية.
وعند الوصول إلى رواية «يوليسيس» تقتبس جوردان عبارة مأثورة نطقت بها الكاتبة والناقدة الإرلندية آن إنرايت في إحياء الذكرى المئوية لصدور الرواية: «بمعزل عن أيّ شيء يمكن للمرء أن يتخيله، لا يحدث الكثير في هذه الرواية»! وبالفعل، الرواية تقوم على 18 فصلاً تحاكي أوديسة هوميروس في استلهامات عريضة غير مباشرة، أوضحها اعتماد عناوين فصول مشابهة، وتسرد 24 ساعة من يوم 16 حزيران (يونيو) 1904، الذي شهد طواف بطل الرواية ليوبولد بلوم (وهو يوليسيس الرواية)، يصاحبه الفتى ستيفن ديدالوس، في شوارع دبلن وباراتها ومواخيرها؛ وتنتهي الرحلة في مخدع موللي (زوجة بلوم) وما تسرده من تخيلات جنسية أقرب إلى الهلوسات، على مدار فصل كامل يتألف من جملة واحدة متصلة لا تفصل بين كلماتها أية علامة وقف. يُشار هنا، ثالثاً، أن الروية تُرجمت إلى العربية مرّتين، على يد المصري طه محمود طه، سنة 1982؛ والعراقي صلاح نيازي، 2001.
هنا سطور ختامية من ترجمة طه للفصل الأخير: «الحارس يتجول في هدوء بفانوسه وآه من ذلك السيل العميق المخيف آه من البحر والبحر القرمزي أحياناً وكأنه النار وغروب الشمس الرائع وشجر التين في حدائق الورد والياسمين والجيرانيوم والصبار وجبل طارق وأنا شابة لما كنت زهرة الجبل عندما وضعت الوردة في شعري كعادة الفتيات الأندلسيات أم سأضع واحدة حمراء نعم وكيف قبّلني تحت الحائط المغربي وقلت لنفسي إذن فهو إذن أفضل من غيره وسألته بعيني أن يعاود سؤالي نعم فسألني أترضين نعم لأقول نعم يا زهرتي الجبلية ووضعت أولاً ذراعي حوله نعم وضممته إليّ لكي يستطيع الإحساس بصدري كله عطر نعم وكان قلبه يضرب كالمجنون ونعم قلت نعم سأرضى نعم».
وهنا الفقرة ذاتها، بترجمة نيازي: «الحارس يدور غير مسلح مع فانوسه وآه ذلك السيل العميق المرعب آه البحر قرمزي في بعض الأحيان مثل النار وغروبات الشمس البهية واشجار التين في حدائق الألاميدا نعم وكل الشوارع الصغيرة الغريبة والبيوت الوردية والزرقاء والصفراء وحدائق الورد والياسمين والجيرانيوم والصبار وجبل طارق حينما كنت شابة صغيرة حيث كنت وردة الجبل نعم عندما وضعت الورد في شعري مثل عادة الفتيات الأندلسيات أو هل سأضع الحمراء نعم وكيف قبّلني تحت الحائط المغربي وفكرت أنه حسن كغيره ثم سألته بعيني أن يسألني مرة ثانية ونعم بعد ذلك سألني هل أوافق نعم لأقول نعم يا وردتي الجبلية وفي البداية طوقته بذراعي نعم وسحبته لي حتى يحس بنهدي كلهما عطر نعم وكان قلبي يخفق بسرعة مثل مجنون ونعم قلت نعم سأرضى نعم».
ولا يُقتبس النموذجان هنا على سبيل المفاضلة، إذْ من غير الإنصاف أن يكون ثمة ارتياب في تقدير أحجام المشقة التي بذلها طه ونيازي في مغامرة ترجمة «يوليسيس»، بل القصد هو تبيان عيّنة على طبائع الصعوبة التي تكتنف نقل لغة جويس من الأصل الإنكليزي إلى أية لغة أخرى، من جهة أولى؛ وكذلك تلمّس الطراز الآخر من المصاعب، الأكثر تعقيداً ربما، لجهة محاكاة ما تنقله المفردة والجملة والفقرة من عمارات دلالية وإيحائية استثنائية. وعلى الرغم من الجهد العالي الذي يتطلبه إكمال الرواية، بصفحاتها الـ730 وعدد كلماتها الـ265,000 تقريباً، فقد أصبحت قراءتها ميداناً للتحدي ومجالاً للمفاخرة؛ وقد باتت شهيرة صورة الممثلة الأمريكية مارلين مونرو وهي منكبة على الرواية.
وإذا كانت «يوليسيس» قد رصدت نهاراً في تطواف بلوم وديدالوس، فإنّ عمل جويس «يقظة فنغانز» يرصد ليلة واحدة يتيمة، استغرقت كتابتها 17 سنة، وهي «العمل النثري الكبير الطويل العريض العالي العميق الكثيف»، الذي سوف «يشغل النقاد على مدار 300 سنة» حسب تعبير جويس. والعمل صدر سنة 1939، وهو بالفعل شغل النقاد ويشغلهم من جوانب كثيرة متشابكة، لعلّ أكثرها إثارة للحيرة ما أوصى به جويس من ضرورة قراءة النصّ جهرياً، بصوت عالٍ قدر الإمكان! الأطرف، رغم جدّية القائلين به، رأى يساجل بأنّ «يقظة فنغانز» عمل مترجم عن الإنكليزية إلى لغات شتى متقاطعة متكاملة تارة أو متعارضة تارة أخرى، بمعنى أنه لا هوية لغوية واحدة يمكن ردّه إليها (حسب ليز غوفان وراينيير غروتمان مثلاً). ومن جانبها تنصح جوردان، في صحيفة الغارديان دائماً، أن يقرأ المرء هذا العمل بمصطلح الحلم أولاً، وباللغة الحلمية تالياً، بحيث يُتاح للقارئ التوصل إلى ما أراده جويس: «منح القارئ فرصة رفد ما يقرأ بمخيّلة من عنده»، بحيث يظلّ العمل في حالة ولادة واستيلاد.
تبقى بالطبع فرصة القارئ في التعرّف على أدب جويس من خلال الشعر، إذ أصدر في سنة 1907 مجموعة شعرية أولى بعنوان «موسيقى الحجرة»، ضمت 36 قصيدة تدور غالباً حول الحبّ، ورغم أنها لم تبع سوى نصف كمية الطبعة التي كانت 500 نسخة، فقد امتدحها باوند وعلّق عليها شاعر إرلندا الكبير و. ب. ييتس. ولعلّ أفضل تأويل للقصائد ما كتبه جويس نفسه إلى زوجته حولها: «كنت عند كتابتها فتى وحيداً، أسير بمفردي في الليل وأفكر أنّ فتاة سوف تحبني ذات يوم». المجموعة الثانية «قصائد زهيدة الثمن» كُتبت على مدار 20 سنة بين 1904 و1924 ونُشرت في باريس أيضاً لدى الناشرة ذاتها، سيلفيا بيش، التي غامرت بإصدار «يوليسيس»؛ والقصائد الـ13 تدور حول الحبّ أيضاً، ولكنها أقصر وأكثر نزوعاً نحو الجناس اللفظي.
وسواء بدأ القارئ من القصة القصيرة «الموتى»، أو انتهى بمسرحية «منفيون» التي صدرت سنة 1918؛ فإن أدب جويس يبقى ضرورة حيوية لقارئ الحداثة الأدبية المعاصرة، ومن أجل فهم أفضل للتاريخ، حتى بوصفه كابوساً نسعى للاستفاقة منه كما يقول ديدالوس.