سواء نجحت إسرائيل في تأجيل إغلاق مكاتب الوكالة اليهودية في أرجاء روسيا أم لا، فالصورة الكبرى واضحة: ليس ليهود روسيا ما يبحثون عنه في روسيا. نوصي الـ 120 حتى 150 ألفاً ممن تبقوا فيها البدء فوراً بحزم أمتعتهم وإعداد أنفسهم لكل وسيلة ممكنة للخروج من الدولة. قبل أن تغلق بواباتها – وقبل أن تستيقظ اللاسامية الروسية السوداء بكل شدتها.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس مصاباً باللاسامية، فهو يكبحها ويقاتل ضدها، ولكن محيطه محمل باللاسامية. لم يعد ممكناً تجاهل الأقوال اللاسامية الفظة لوزير خارجيته سيرغي لافروف والنزعة القومية المتزمتة وكراهية الأجانب المنتشرة كالنار في قيادة الحكم. يهودية رئيس أوكرانيا تستخدم كدليل مزعوم على نكران الجميل لدى الشعب اليهودي تجاه الأمة الروسية التي هزمت النازيين في الحرب العالمية الثانية، وبذلك أنقذت ما تبقى من اللاجئين.
ليس يحصل هذا في روسيا فقط، فقد تحولت شرق أوروبا إلى منطقة جغرافية من الأفضل لليهود أن يخرجوا منها، يغادروها بأسرع وقت ممكن. وبين هذا وذاك، فهي تفرغ منهم تماماً تقريباً. في بولندا لم يعد هناك يهود؛ فقد غادروها منذ أقيم في وارسو تحالف برئاسة حزب القانون والعدالة المحافظ – القومي. كما لا يوجد يهود في تشيكيا، وسلوفاكيا (دولة مع تاريخ من اللاسامية الإجرامية)، ورومانيا (كما أسلفنا) وبلغاريا. نحو 40 ألف يهودي هنغاري لسبب ما يصرون على البقاء فيها، رغم التنكر الدائم لمتصدري الرأي العام في بودابست لجرائم النازيين والهنغاريين تجاه اليهود. بعد تصريحات عنصرية لرئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان، الذي يطلق مؤخراً مواعظ علنية للطهارة العرقية، لا مكان ليهودي على أرضها.
بالنسبة لأوكرانيا ليس معروفاً عدد اليهود الذين لا يزالون فيها. ليس أكثر من 20 ألفاً. هم في هذه الأيام يعانون مثل كل أوكراني آخر، لكن ليس متعذراً تصور سيناريو يبدأ فيه استمرار الحرب ضد الغازي الروسي الوحشي ليبدو في نظر أبناء الدولة المنهكين كنوع من المؤامرة اليهودية، إذا أخذنا بالاعتبار الأصل اليهودي للرئيس زيلينسكي وغير قليل من زملائه في الحكم. قد لا يحصل هذا؛ وماذا لو حصل؟
كانت أوروبا الشرقية، من البحر الأسود حتى البحر البلطيق، بلاد ملايين اليهود الكثيرين ممن خلقوا فيها ثقافة دينية وعلمانية رائعة، وكذا إقليم ملعون وقعت فيه الملاحقات والاعتداءات الجماعية وكارثة. بقي في الاتحاد السوفياتي الأوروبي وشرق أوروبا نحو مليوني يهودي بعد الكارثة. بعضهم آمن بالخلاص الشيوعي، وبعضهم رأوا أنفسهم ناجين يحمون الذكرى والتقاليد، وبعضهم حلموا بصهيون دون السماح لهم بتجسيد حلمهم. بالتدريج عقداً بعد عقد، غادر معظمهم تقريباً، هاجروا إلى إسرائيل أو إلى غرب أوروبا وإلى الولايات المتحدة. والآن حان الأوان لإغلاق الفصل الأخير في تاريخ يهود شرق أوروبا، تاريخ بلا سابقة وبلا شبه في تاريخ الإنسانية، لا في بهائه ولا في ثنائه.
اخرجوا من هناك، أيها اليهود. صعب وأليم ترك العمل والتعليم والسكن والأصدقاء والانتقال إلى بلاد بعيدة، لكن يبدو أن لا مفر لكم. عندما ينهار النظام الديمقراطي – الليبرالي هناك مرة أخرى ويحل محله فاشية جديدة محلية، حتى وإن كانت رقيقة، أين ستختبئون؟ زمن آخر اليهود في شرق أوروبا تم وانتهى.
بقلم: سيفكر بلوتسكر
يديعوت أحرونوت 28/7/2022