وضع الحريّات في تونس في دستور 2022 بين مؤشّرات القلق ورسائل الطمأنة

منية العلمي
حجم الخط
0

تكتسب الحقوق والحريّات، أهمّيتها من كونها المؤشّر الأكثر شفافية على الأنظمة الديمقراطيّة في الدّول ذات التوّجه المدنيّ، وإلى جانب كونها تلبي الاحتياجات الأساسيّة للأفراد، فهي تعكس المعايير الدّنيا للعيش بكرامة. ولقد ارتبطت الحقوق والحريّات في تونس بنضالات أجيال من التونسيّات والتونسيين لكسبها بداية، ثمّ للمحافظة عليها، ولعلّ آخر وأبرز نضالاتهم لأجل دسترتها، كانت في دستور 2014 حيث كابدت القوى الحداثيّة والتقدميّة، متصديّة لكلّ محاولات أسلمة الدّولة وكبح الحريّات، وخصوصا ما تعلق منها بالنّساء، متجاوزين بذلك سنين طويلة من القمع والتّضييق على الحريّات، ومتجاوزين كذلك الحقوق والحريّات التقليديّة السياسيّة والمدنيّة دون سواها، التّي نصّ عليها دستور 1959. وإن حصد باب الحقوق والحريّات في دستور 2014 غاية الرضا من المتابعين والمراقبين الدوليين والمحليّين، فإنّ باب الحقوق والحريّات في الدستور الجديد، أو كما يسّميه صاحبه: دستور الجمهوريّة الثالثة، لم يبلغ غاية الرضا أو الإطمئنان من هذا الجانب، برغم محافظته على فصول كثيرة وردت بدستور 2014. ذلك أنّ دستور 2022 الذي عُرض على الاستفتاء الشعبي يوم 25 تموز/يوليو الحالي، ورد مدّججا بمصطلحات دينيّة في فصله الخامس، فضلا عن خلوّه من التّنصيص على مدنيّة الدولة.
فمنذ 25 تموز/يوليو 2021 ومع ما فرضه من وضع استثنائي، تصاعد القلق حول مسألة الحقوق والحريّات في تونس، وفي حين سعى المؤيّدون للرئيس قيس سعيد بتأكيد عدم المساس بتلك المكاسب، سعى المعارضون له من أحزاب ومجتمع مدني ومنظمات، إلى توظيف ذلك الملف لغايات سياسيّة تؤذن ببطلان إجراءات تصحيح المسار، وكان انتظار مشروع الدستور بمثابة انتظار المنقذ من تلك الضلالات والتّهم بالتوّجه نحو دكتاتوريّة مقنّنة، غير أنّ سحب دسترة مدنيّة الدولة، إلى جانب اعتبار تونس جزءا من كلّ عقديّ ودينيّ (الفصل الخامس) تسعى الدّولة نحو إرسائه وفق منطوق الفصل44 إلى جانب علويّة المقاصد الإسلامّية في دولة القانون والمؤسّسات، والتي تحتكر الدّولة وحدها بيانها تفصيلها والسّعي نحو العمل بها، صعدّ من وتيرة القلق على الحريّات في تونس، قلقا أحدثته بالأساس مسألة تأويل مصطلح المقاصد، إذ احتدم الجدل حولها باستدعاء المعاجم اللغويّة، والمدّونات الأصولية الفقهيّة والقراءات التأويليّة، وهو قلق في تقديرنا مشروع، مردّه ما اتّفق عليه مختلف المتابعون لفصول ومفاصل مشروع الدستور الجديد، من وثيق علاقة للمصطلح بكلّ تجلياته المذكورة بمسألة الحريّات في تونس، الحريّات السياسيّة، والفكريّة، كما الاجتماعيّة والدينيّة، فرديّة كانت أو جماعيّة، فهذا المصطلح ذي الطابع الهلاميّ المشّفر، قد شكّل أطروحة مقاصد الشّريعة، بمعنى الإطار النّظري للحقوق والحريّات العامة من منظور إسلامي، ذلك أنّ مقاصد الشّريعة قدّمت للفكر الإسلامي المعاصر الأداة المنهجيّة لتنظيم القيم الاجتماعية، كما السياسيّة، والاقتصادية في ضوء رسالة الإسلام، وعليه، بدا مصطلحا غير مؤهّل قانونيّا، بل هو مصطلح ذي خلفيات دينيّة مؤكدة تتعارض مع المصطلح القانونيّ، كما مع الطابع المدنيّ للدولة التونسيّة، فلا معنى لتضمينه مدّونة دستورية لا تزال تثّبت خطاها البِكر في مجتمع أثقلته ألاعيب السّاسة والدّكاكين الحزبيّة، ونخره الفساد الذي استشرى واستفحل في كلّ مجالاته، بل وفي أكثرها شفافية ونقاوة، فبات متوجسّا من اللفظ ومن العبارة، مترصّدا لكلّ ما يمكن أن ينال ما تبقى له من النفس الحرّ والكرامة البشريّة.
إنّ تورّط هذا الدستور في فصول مفتوحة على تأويلات مختلفة كالفصل الخامس الوارد بباب الأحكام العامة، ونصّه: “تونس جزء من الأمّة الإسلاميّة وعلى الدّولة وحدها أن تعمل على تحقيق مقاصد الإسلام الحنيف في الحفاظ على النفس، والعرض، والمال، والدين، والحريّة” كان مبرّرا كافيا لخلق حالة من الارتياب والخوف على مكسب الحريّات في تونس، فهذا الفصل في تقديرنا عليه عديد المآخذ، الأوّل في القول بأنّ تونس جزء من الأمّة الإسلاميّة، فمسألة التجزئة وفقا للمعجم الدستوري، تتعارض مع السيادة الكاملة لبلادنا، والتّي وقع التّنصيص عليها بوضوح في فصل آخر، فكان الأولى التأكيد على المشترك الديني في مفهوم الأمّة الإسلاميّة، لأنّه وخلافا لذلك، فإنّ هذا الانتماء وهذه التبعيّة من الجانب الديني تورّط تونس في الانقياد لما تُجمع عليه الأمّة بمفهومها الديني/ السياسي، وذلك على اعتبار أنّ هذا المصطلح له تبعات تخرج عن مفهوم دولة المواطنة ودولة المؤسّسات الدستوريّة، والتعدديّة الدينيّة، ولم تكف رسائل الطمأنة الرئاسيّة للحدّ من تلك المخاوف، فلقد صرّح الرئيس التونسي في عديد المناسبات وآخرها بعد الاستفتاء على الدستور، بأنّه لا خوف على الحريّات في تونس، معلنا أنّ: “للحقوق والحريّات دستور يحميها” مستلهما من الأثر المتداول “للبيت ربّ يحميه”.
لم يدرك الرئيس التونسي للأسف، أنّه ما كان عليه الزّج بالدّستور الفتيّ في متاهات المفاهيم والمصطلحات الدينيّة الفضفاضة، ما فتح باب التعسّف عليها بتأويلات مختلفة، والتّي منها القول بأنّ المحافظة على الدّين كما العرض (كما حدّدها الفصل الخامس) قد تؤدّي إلى المسّ بعديد الحريّات الفرديّة والجماعيّة. كما أنّ فصول المساواة في المواطنة، وحريّة المعتقد، وممارسة الشّعائر الدينيّة، وغيرها التّي تكفلها وتحميها الدّولة، متعارضة مع عناية الدولة بالتنشئة على هويّة دينية محدّدة، الفصل (44) لأنّ الدّولة وفق الفصول السّابقة 27/28/29 مطالبة برعاية الدّين على أرضها باعتباره حقّا لكلّ مواطنة ومواطن، دون أن تنحصر تلك الرّعاية في المسلمات والمسلمين من دون غيرهم، فالدّولة من واجبها تربية الأجيال القادمة على الحقوق والأخلاق والقيم، التي هي بلا شكّ لا تتعارض مع المشتركات الدينيّة الإنسانيّة، والتي لاحظنا غياب الفصول الدّاعمة لها والمصطلحات المعبرّة عنها.
هذا من جانب المصطلح الهُلامي المشّفر المتعلق بالمقاصد، أمّا من جانب حذف التنصيص على مدنيّة الدولة – وهو المعطى الثاني المُصعّد لحالة القلق على الحريّات في تونس-فإنّ الرئيس قيس سعيّد قد اعتبر أنّ الدولة وباعتبارها ذاتا معنويّة، لا يمكن أن يُنسب لها دين، كما لا ينسب لها طابع مدنيّ أو غيره، بل ذهب إلى التّصريح لإحدى وسائل الإعلام مساء يوم 25 تموز/يوليو، بأنّه: “لا معنى للدّولة المدنية” وبأنّ “مدنيّة الدولة جاءت في ظلّ مناورات..” ما دفع بالمرصد الوطني للدّفاع عن مدنيّة الدولة في بيان له، إلى اعتبار “أنّ التخلي عن مبدأ مدنيّة الدّولة في الدستور الجديد وإهمال التنصيص على المبادئ الكونية لحقوق الإنسان يُمثّلان خطرا على الدّولة التونسيّة لما سيؤديّان إليه من تراجع في الحقوق والحريّات، ويدعو على هذا الأساس إلى النّضال بكلّ الطرق السّلمية التي يكفلها القانون من أجل إعادة التنصيص على هذا المبدأ في الدّستور، ومن أجل تطبيقه على أرض الواقع تطبيقا فعليّا”.
والواقع، أنّ الرئيس قيس سعيّد، ما انفكّ في كلّ تصريحاته يطمئن الشعب التونسي، والرّأي العام الدّولي على انّه لا مجال للمسّ بالحريات في تونس، وشدّد على ذلك بعد الإدلاء بصوته يوم الاستفتاء على الدستور، إذ ورد بكلمته “أنّ الديمقراطية والحريّات في تونس تحت حراسة الأمن يحفظها من أيّ اعتداء” ولعلّه بذلك يوضّح سبب اعتباره لمقصد الحريّة بالفصل الخامس -الذي أثار جدلا واسعا- دون مقصد العقل، متأسيّا في ذلك بالشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي أقرّ مقصد الحريّة في إطار التدافع الفكري والسياسي الذي عاشه الفكر الإسلامي المعاصر، والذي ذهبت إليه جلّ المدارس الفكريّة الإسلاميّة المعاصرة، التي اتّفقت على أنّ الحريّة هي الأصل والأساس للاعتقاد، والفكر، والعمل، كما استدلّ على تصريحه “بأنّ الجميع يتحدث بكلّ حريّة ويتظاهر بكلّ حريّة وبأنّه لم تقع ملاحقة أحد من أجل أفكاره” متّهما المعارضة بالكذب والافتراء، بسبب رغبتهم في “ضرب الاستفتاء على الدستور الجديد والعودة لاقتسام غنيمة وحدّت مواقفهم” وفق قوله.
ما نأمله في ختام هذه المقاربة، أن لا تتحوّل مسألة الحريّات في دستور 2022 إلى بطاقة سياسيّة وإيديولوجية في أيدي المعارضة لضرب الخصم السياسيّ، فتُهمّش في الأثناء البطاقة المدنيّة الحقوقيّة التي عبرّت وما زالت تعّبر عن نضج الشّعب، وعن وعيه بمكاسبه التّي لا شكّ عندنا في تصدّيه اللاّمشروط لكلّ مساس بها، أو تهديد لشرعيّتها، فعندما نتحدّث عن الحقوق والحريّات في المجتمعات العربيّة، فإنّ الإحالة الأكثر أسبقيّة وموثوقيّة هي الجمهوريّة التونسيّة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية