ملاحقة وإغراق وتعذيب المهاجرين بحراً وبراً ضحية لتصاعد الخلافات بين تركيا واليونان

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: بات المهاجرون الذين يحاولون الوصول من تركيا إلى اليونان براً وبحراً الضحية الأولى لتصاعد الخلافات بين البلدين في السنوات الأخيرة، وسط حوادث متكررة لملاحقة وإغراق سفن المهاجرين وأخرى لتعذيب وقتل لاجئين وسط اتهامات متبادلة بين أنقرة وأثينا واتهامات أخرى طالت وكالة حماية الحدود الأوروبية “فرونتكس” التي تتهمها تركيا بالمشاركة في عمليات ملاحقة وقمع المهاجرين وسط البحر.
وعلى الرغم من أن اليونان تتهم تركيا بشكل دائم بأنها لا تقوم بأي إجراءات من أجل منع وصول المهاجرين إلى الأراضي اليونانية براً وبحراً وأحياناً تتهم أنقرة بتشجيع اللاجئين على العبور لليونان، إلا أن تركيا توجه اتهامات أخطر وأحياناً مثبتة بمقاطع الفيديو والصور لقوات الأمن والجيش وخفر السواحل اليوناني باستخدام القوة المفرطة ضد المهاجرين وصولاً للقيام بعمليات إغراق متعمد للسفن وإطلاق النار والقتل العمد إلى جانب الاتهامات بارتكاب عمليات تعذيب ضد اللاجئين قبل إجبارهم على العودة للأراضي أو المياه الإقليمية التركية.
كما تتهم تركيا وكالة حماية الحدود الأوروبية بالمشاركة إلى جانب اليونان في عمليات القمع والملاحقة ضد المهاجرين في بحري إيجة والمتوسط، وهي اتهامات أكدتها تقارير حقوقية أوروبية ونوقشت بشكل جدي في البرلمان الأوروبي الذي طالب بتحقيق معمق ووقف مشاركة الوكالة الأوروبية للحدود في الانتهاكات المتواصلة ضد اللاجئين والتي تتصاعد كلما تصاعدت الخلافات بين تركيا من جانب واليونان بشكل خاص والاتحاد الأوروبي بشكل عام من جانب آخر.
وشهدت الأسابيع الأخيرة زيادة ملحوظة في أعداد قوارب الهجرة التي تنطلق من الأراضي التركية نحو الجزر اليونانية المختلفة في بحر إيجة وتزايدت معها الاتهامات بالمسؤولية عن دفع قوارب المهاجرين لإخراجها من المياه الإقليمية للبلدين حيث يسعى كل طرف لإبقاء القوارب التي يتم رصدها في المياه الإقليمية للطرف الآخر وذلك لإخلاء المسؤولية القانونية والأخلاقية عن المهاجرين سواء وصلوا إلى اليابسة أو كان مصيرهم الغرق كما يحصل في كثير من الحالات.

اتهامات تركية

تقليدياً، تتهم تركيا التي تنطلق منها سفن المهاجرين اليونان بأنها تتبع منذ أشهر سياسة دفع قوارب المهاجرين لإعادتهم إلى المياه الإقليمية التركية، وما يرافق ذلك من تعريض حياة المهاجرين للخطر والموت في أحيان مختلفة، لكن الجديد هو اتهام اليونان لتركيا بانها تؤمن وصول وتدفع سفن المهاجرين نحو المياه الإقليمية اليونانية وهو نفته أنقرة بقوة، مؤخراً.
وبشكل شبه يومي، تعلن جهات تركية مختلفة ومنها وزارة الدفاع وقوات خفر السواحل عن رصدها قيام زوارق عسكرية أو شرطية يونانية وهي تدفع قوارب المهاجرين نحو المياه الإقليمية التركية، ونشرت طوال الأشهر الماضية عشرات مقاطع الفيديو التي تثبت ذلك، كما نشرت تركيا مراراً إفادات لمهاجرين أعادتهم اليونان للمياه التركية تضمنت اتهامات لليونان بإعطاب القوارب المطاطية وإغراقها والاعتداءات على المهاجرين بالضرب وتجريدهم من ملابسهم وممتلكاتهم قبيل إجبارها على العودة للمياه التركية.
ووجهت تركيا مراراً انتقادات لقوات خفر السواحل الأوروبية التي اتهمتها بمشاركة اليونان انتهاكاتها ضد المهاجرين، وتحدث مهاجرون أعيدوا إلى المياه التركية وأنقذتهم قوات خفر السواحل التركية أنهم تعرضوا لتنكيل شديد قبيل إجبارهم للعودة، وفي كثير من الحالات قالوا إنهم فقدوا رفقاء مهاجرين لهم قضوا غرقاً عقب إجبارهم على العودة للمياه التركية.
والعام الماضي، توفي 12 مهاجراً على الأقل تجمداً من البرد القارس على الحدود التركية مع اليونان وذلك بعدما جردتهم قوات حرس الحدود اليونانية من ملابسهم وأحذيتهم وأجبرتهم على العودة إلى الجانب التركي، حسب ما اتهم وزير الداخلية التركي سليمان صويلو اليونان محملاً الاتحاد الأوروبي مسؤولية ما يجري. وأظهرت صور قاسية للغاية عددا من المهاجرين وهم يرتدون ملابس داخلية وبدون أحذية وقد ماتوا تجمداً وهم في مناطق زراعية نائية تابعة لولاية أدرنة التركية على الحدود مع اليونان حيث اتهمت تركيا السلطات اليونانية بتجريد المهاجرين من ملابسهم وأحذيتهم وإجبارهم على العودة للجانب التركي من الحدود وهو ما تسبب في وفاتهم تجمداً نتيجة البرد القارس حيث تصل درجة الحرارة إلى ما دون الصفر في ظل عاصفة ثلجية تضرب المنطقة.

اتهامات يونانية

بالمقابل، تتهم اليونان السلطات التركية بالتساهل مع المهاجرين و”تشجيعهم” على الوصول إلى اليونان بحراً، ومؤخراً نشرت شرطة المرافئ اليونانية تسجيل فيديو يظهر زورقاً مطاطياً محمّلاً بمهاجرين يبحر وسط سفينتين تابعتين لخفر السواحل التركيّة، واعتبرت أن الفيديو “دليل على ان السفن التركية كانت تحاول توجيه مركب المهاجرين من أجل الوصول لجزيرة ليسبوس اليونانية” وبالتالي “تمكين المركب من الدخول بشكل غير قانوني إلى اليونان”.
ونقل البيان عن وزير البحرية اليوناني يانيس بلاكيوتاكيس قوله إنّ “تركيا تصرفت، مرة أخرى، كدولة قرصان في بحر إيجة، منتهكة التزاماتها تجاه الاتّحاد الأوروبي” كما اتهم رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس تركيا بـ”استغلال” قضية الهجرة.
ورداً على الاتهامات اليونانية، نشرت قيادة خفر السواحل التركية مقاطع فيديو قالت إنها تثبت “كذب الرواية اليونانية” موضحةً أن قوات خفر السواحل اليونانية قامت بمناورة خطيرة في محيط قارب مهاجرين بالسير بسرعة كبير بجانبه من أجل خلق موجات بحرية لدفع القارب للعودة إلى المياه الإقليمية، و”على الرغم من الدعوات المتكررة لخفر السواحل التركي عبر الأجهزة اللاسلكية استمر خفر السواحل اليوناني بدفع اللاجئين وهو ما اضطر القوات التركية للتدخل لإنقاذهم”.
وكتب مساعد وزير الداخلية التركي إسماعيل تشاتاكلي عبر تويتر: “من خلال عقدة الذنب، تحاول اليونان اتهام تركيا بالقيام بما قامت به هي، وتتهم تركيا بأنها دولة قرصان، لطفاً، توقفوا عن اتهام تركيا بما تقومون به، ما جرى موثق بالكاميرا وفي ضمير الإنسانية” مرفقاً مقاطع فيديو تقول إنها تثبت أن اليونان هي من دفعت قارب المهاجرين.

اتهامات للاتحاد الأوروبي

والخميس، أفادت مجلة “در شبيغل” الألمانية بأنّ الإدارة السابقة لوكالة مراقبة الحدود “فرونتكس” كانت على علم بعمليات الترحيل غير القانونية لمهاجرين قادمين إلى اليونان، كما شاركت في تمويل هذه العمليات. وأكدت مقتطفات من تقرير سري أعده المكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال “اولاف” ونشرتها “در شبيغل” كما تحقّقت منها صحيفة “لوموند” الفرنسية وموقع التحقيقات “لايتهاوس ريبورت” أنّ “فرونتكس” كانت على علم مبكر جداً بترحيل طالبي اللجوء، بطريقة غير قانونية ووحشية في بعض الأحيان، باتجاه تركيا.
وقالت المجلة الألمانية “بدلاً من منع عمليات الترحيل، قام الرئيس السابق فابريس ليجيري ومعاونوه بالتستّر عليها. لقد كذبوا على البرلمان الأوروبي وأخفوا حقيقة أنّ الوكالة دعمت بعض عمليات الترحيل بأموال دافعي الضرائب الأوروبيين”. وكانت استنتاجات المحقّقين قد تسبّبت في استقالة ليجيري في نهاية نيسان/أبريل.
ويكشف التحقيق عن تفاصيل عدّة، مثل قيام خفر السواحل اليونانيين في الخامس من آب/اغسطس 2020 بسحب زورق مطّاطي على متنه ثلاثون مهاجراً باتجاه تركيا وليس اليونان. وصوّرت طائرة تابعة لفرونتكس المشهد، أثناء قيامها بدوريّة في المكان. وبدلاً من مخاطبة السلطات اليونانية بهذا الشأن، أوقفت “فرونتكس” تسيير دوريات للطائرات فوق بحر إيجة، مبرّرة الأمر بالحاجة إليها في مكان آخر. وأفاد تقرير المكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال بأنّ ستة قوارب يونانية على الأقل، تساهم وكالة “فرونتكس” في تمويلها، كانت متورّطة في أكثر من 12 عملية إبعاد بين نيسان/ابريل وكانون الأول/ديسمبر 2020 الأمر الذي نفاه المدير السابق للوكالة.
وفي وقت سابق، طالب وزير الداخلية التركي سليمان صويلو بمحاسبة الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل “فرونتكس” وقال: “فلينم الاتحاد الأوروبي رسول الحريات وحقوق الإنسان، ويجب محاسبة فرونتكس القاتلة” حيث أرفق الوزير تغريدته على تويتر بفيديو لأحد المهاجرين، يشرح فيها كيف أخذت الشرطة اليونانية منهم هواتفهم النقالة ونقودهم، ورمتهم في البحر غير آبهين بقول قريبه أنه لا يعرف السباحة.

اتفاقيات مجمدة

وعام 2016 وقعت تركيا واليونان ضمن اتفاقيات أوسع مع الاتحاد الأوروبي على “اتفاق إعادة القبول” والذي ينص على قبول تركيا استقبال لاجئين وصلوا إلى اليونان بطرق “غير شرعية” وبالفعل استقبلت تركيا دفعات محدودة من اللاجئين قبل أن تتصاعد الخلافات بين البلدين حيث لم تشهد السنوات الأخيرة استقبال تركيا أي من اللاجئين من اليونان رغم المطالبات والضغوط اليونانية المكثفة.
وعقب فشل مساعيها لإجبار اللاجئين على تجنب الوصول إلى أراضيها عبر تخويفهم وإعادتهم بالقوة إلى تركيا، والجمود شبه التام في تطبيق اتفاقية “إعادة القبول” الموقعة بين أثينا وأنقرة، أقدمت اليونان على خطوة جديدة تهدف من خلالها إلى وقف تدفق اللاجئين إلى أراضيها عبر تركيا براً وبحراً في خطوة أثارت لدى كثير من اللاجئين خشية من تحطم أحلامهم بالوصول إلى أوروبا عبر اليونان.
والعام الماضي، أصدرت وزارتا الخارجية والهجرة اليونانيتين، مرسوماً مشتركاً نصَّ على أن “تركيا بلد آمن لطالبي اللجوء من سوريا وأفغانستان وباكستان وبنغلادش والصومال” وأكدت وزارة الهجرة في بيان أنهم “ليسوا (اللاجئون القادمون من تركيا) في خطر بسبب دينهم أو جنسيتهم أو آرائهم السياسية أو انتمائهم إلى فئة اجتماعية ويمكنهم طلب اللجوء في تركيا بدلاً من اليونان”.
وتهدف اليونان من خلال هذه الخطوة إلى تشريع وتسهيل جهودها لوقف الهجرة القادمة من تركيا براً وبحراً، ولكن لا يعرف إلى أي مدى يمكن أن يمثل هذا القرار تحولاً حقيقياً وعملياً في المساعي اليونانية المتواصلة منذ سنوات طويلة ولا تنجح حتى اليوم في تخفيض الهجرة إلا من خلال الاتفاقيات مع تركيا، وهي الاتفاقيات شبه المجمدة منذ سنوات نتيجة الخلافات المختلفة المتصاعدة بين البلدين.
وحسب منظمة “دعم اللاجئين في إيجة” الحقوقية غير الحكومية فإن مبدأ “دولة ثالثة آمنة” يخالف القانون الأوروبي، والبلد الآخر الوحيد في الاتحاد الأوروبي الذي ينسب هذا التوصيف إلى تركيا هو المجر. من جهتها أشارت منظمة “متطوعي ساموس” غير الحكومية إلى أن “هذا المبدأ يخالف المادة 3 من اتفاقية جنيف (الخاصة بحماية اللاجئين) التي تُلزِم الدول الموقِّعة على الاتفاقية تطبيق بنودها من دون تمييز يستند إلى العرق أو الدين أو بلد المولد”.
وفي السياق نفسه أعربت مفوضية الاتحاد الأوروبي الخميس عن قلقها جراء إقدام اليونان على تركيب جهاز إلكتروني على حدودها الشرقية مع تركيا يصدر موجات صوتية قوية بهدف منع طالبي اللجوء من العبور إلى أراضيها. وقال أدلبرت جانز المتحدث باسم المفوضية الأوروبية إن المفوضية الأوروبية على اتصال مع السلطات اليونانية، وطلبت منها معلومات حول الجهاز الذي يصدر موجات صوتية قوية بعيدة المدى تتسبب بإلحاق الضرر بحاسة السمع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية