افول شمس الميزوبوتاميا: رسائل الجيزاني عبر الصورة الناطقة عولمة لإرث لا يختص به العراق وحده

محمد حمدي
حجم الخط
0

عشرون سنة للسعي خلف الاغتراب لإيصال الصوت، وعشرون أخرى استنطق بها عدساته وما من سلاح غيره جرد إلى الأبد دفاعا عن قضايا موروثة وأخرى هي وصايا الأجداد في حفظ الكنز المدفون الذي لا يعرف ثمنه سوى العقلاء الذين لم يكتب القدر تواجدهم بعد. مع كل تلك الصور الهلامية التي حدثتنا عنهم موروثا فولكلوريا وقصائد معلقات في جدران الحكايات همسها المتنبي وابن الرومي في اذاننا، وجسدها الفنان المغترب الفوتوغرافي احسان الجيزاني فنا صارخا في ضمير الإنسانية وهو على أعلى درجات الايمان برجع الصدى وصحوة من طاب له ان يغفو على جراحاته لعله ينسى أو يتذكر ان نفعت الذكرى.

جفاف العرقين

من ملف جفاف الأهوار الذي كرس الجيزاني جهده للتنبيه ببيئة أنجبت كلكامش وصارت تراثا حيا خصبا لمستوطنة حضارية عريقة أوشكت على الاندثار، وصولا لجفاف النهرين الخالدين دجلة والفرات، وما يعنيه هذا الجفاف من كارثة حقيقية ستصيب الأرض والإنسان معا وخطورة التحول الديموغرافي المقبل .
أقام الفنان العراقي المغترب احسان الجيزاني العشرات من المعارض في العالم عن مواضيع تخص العراق والإنسان وبيئته ومهد الحضارة مستغلا جميع الصور المؤثرة باحترافية عالية سواء تلك التي تخاطب الضمير العالمي أو الفن باعتباره أداة ناطقة، وما زالت كلماته في معرض شتوتغارت “كل لحظة أموت مع موت نخيل العراق وتجف عروقي مع جفاف نهري دجلة والفرات” مع صورة مفعمة بالأسى لآلاف الجذوع الممتدة على الأرض في البصرة مدينة النخيل، ليعرج بعدها إلى إسبانيا ومعرضه الشخصي “البيئة وأهوار العراق” وهو من المعارض التي ذاع صيتها وأصبحت مقدمة لكبريات الصحف والمجلات في محاولة لربط جسر جوي بين العراق وأوروبا تتكفل به هجرة الطيور من الأهوار إلى أوروبا وبالعكس حتى يثار فضول الأوروبيين من أجل الحفاظ علِى هذه البيئة ودعمها .
ولم يستسلم الجيزاني. تواصل في معارض أخرى كانت في ألمانيا وهولندا وفرنسا وغيرها، منها “موت في العراق” و”الفقر والجفاف في بلاد ما بين النهرين” ومعرض “بلاد ما بين الخرابين” ويعقب بالقول “وكل هذه المعارض كانت برغبة عارمة ان أدافع عن وطن سلبه السراق والطارئون ولم يقدموا الحلول وآثروا ان يتسابقوا بلعبة التدمير الممنهج وهي محاولة مني لرفض الاستسلام أولا وإرجاع الحياة للبيئة من خلال إرجاع المياه لها وهذه هي رسائلي المستمرة”.
محاكاة التاريخ والتشبيهات بالربط الجدلي لتآخي المدن اعتمده الجيزاني أسلوبا حيا تجسد في معرضه التاريخي الذي لم يسبقه أحد في إقامته وهو “فينيسيا وأهوار العراق” بالشراكة مع الفنان الإيطالي انطونيو سانتور، وهو معرض مقارنة بين الحضارتين الإيطالية والسومرية بصورة ناطقة، الأهوار وفينيسيا، وإيجاد أوجه التشابه بين البلدين كون كلاهما يعيش على الماء، ولكن أوجه الاختلاف كانت هناك في إيطاليا حكومات وسلطات مدنية تهتم بتراثها وعندما سمعت في يوم ما بان فينيسيا سوف تغرق قاموا ببنائها لتعيش للأبد، وأما في العراق، فإن الأهوار ونهري دجلة والفرات تجف أمام أعين المسؤولين ولم تحرك لديهم أي مشاعر وإنما العكس صحيح، أصبحوا يوغلون بفعلتهم .
لم يكتف الجيزاني بالأهوار، فقد كان أرق التاريخ يعذبه كثيرا ليوغل في مضامينه ويفجر عبر عدساته الفاعلة ملفا آخر لا يقل خطورة عن الجفاف ويزيد عليه بضياع الهوية ويتلخص في معرض موثق وشهادة للتاريخ عن سرقة الآثار العراقية عندما تعرض المتحف الوطني للنهب والسلب يوم دخل المحتل العراق عام 2003 ويقول “لهذا أسميته (آثارنا المسروقة) وأهديت الصور مؤطرة للمتحف الوطني العراقي بقياس 100 في 70 سم بعدد ستين لوحة، لكي أشارك في عملية بناء المتحف الذي تعرض للنهب. وكذلك أريد ان ألغي فكرة ما يروج له من مصطلحات تخص المثقف العراقي في الداخل والخارج لأن لا يوجد مثقف داخلي ولا خارجي وإنما مثقف واحد وهو من يبني الوطن”.

عدد من النتائج

يتحدث الجيزاني بمرارة عن معرضين أقامهما في العراق عن مقابر النخيل الجماعية في بغداد والبصرة مع أفلام وثائقية عن النخيل وهما فيلم “أرواح النخيل” و”الجذور” وهي استغاثة موجهة للجميع لإنقاذ ما تعرض ويتعرض له نخيلنا من قتل جماعي، ووجهت الدعوة إلى وزارة الزراعة للحضور ولكن للأسف حضروا للمعرض مع مخططات لا تمت إلى البيئة بصلة وصل أبدا، ليستمر مسلسل إعدام النخيل وتركها جثثا هامدة. هذا هو بعض مما يجيش أو تجيش به عدسة الجيزاني الوثائقية التي أدمنت الحرص والاستقصاء والحقيقة وكانت مرآة عاكسة توصل صورة تشقق الأرض واكتسائها بلون الملح الأبيض كدلالة على البوار والنهاية لأرض عمرت عبر أجيال تمتد لآلاف السنين وتصل اليوم إلى ختام المطاف الأليم.

دور المثقف

يقول الجيزاني “للأسف في العراق هناك أزمة ثقافة حقيقية، لانه لو كانت لدينا رسالة شاعر وأديب وفنان تصل إلى الشارع وتأخذ صداها، لما قام السياسي العراقي الفاسد ببيع بلاده في وضح النهار، بدليل اننا لم نر سوى محاولات خجولة في الإشارة إلى الجفاف كواقع حال ولم يستعرضوا الحلول والنتائج جماهيريا، لا الإعلام العراقي ولا اتحادات الكتاب ولا الصحافيين ولا الفنانين كتبوا عن كارثة الجفاف أو أقاموا ندوات بهذا الصدد أو مهرجانات في المناسبات الدولية على أقل تقدير” .
ويضيف “كل معارضي الشخصية تناولت موضوعة الاقتصاد والسياسة والبيئة والطفولة والتاريخ” ولهذا فإن الألمان لقبوه بالمصور الثوري بعدسة تستعرض فساد المفسدين. وكذلك لقب المصور “سفير الأهوار” في الخارج لكثرة دفاعه عن هذه البقعة السومرية المنسية.

نذر الكوارث

يحدثنا الجيزاني عن لقاء جمعه مع أحد الأعضاء البارزين في حزب الخضر الألماني وهو مسؤول عن البيئة وبعد شروحات طويلة تبين ان الرجل لديه اطلاع واسع عن البيئة الشرق أوسطية والعراق تحديدا، وقد أخبر الجيزاني بحقائق كثيرة عن الاهمال المتعمد للبيئة وقال “الحق ايها المصور الثوري ان العراق سوف يمر بأكبر كارثة بيئية بسبب الجفاف. والأغرب ان الموضوع لا يعني من بيدهم الأمر، وهنا يكمن السؤال المحير، من هم خارج حدودكم يبدون اهتماما بالقضية البيئية العراقية وأهل الدار غائبون أو مغيبون عمدا”.
تحدثنا في أتون السياسة والاقتصاد وشجونها ولم نتحدث عن جوائز الجيزاني الكبيرة على مستوى العالم ويقول عنها الجيزاني؟
■ نعم فمن بين أكبر الجوائز التي أعتز بها هي المسابقة العالمية للتصوير الفوتوغرافي التي اقيمت في دولة سلوفينا وحصلت فيها على ثلاث جوائز عالمية وكان من ضمنها الجائزة الذهبية. والأعمال كانت تخص الأهوار بإطار جديد استخدمت فيها أسلوب البعد الحركي للصورة من جوانب متعددة تتمحور في منتصف الصورة بدلالة كاملة للفحوى والهدف. وحاولت ان أنقل للعالم ما تتعرض له الحضارة بفعل تجفيف متعمد لكي تقتل إرث الميزوبوتاميا وتجفيف النهرين من قبل تركيا بإنشاء السدود .
بل تطرقت لشعب ضارب في عمق التاريخ وهم الصابئة المندائية الذين يعانون التهجير القسري بسبب تقديسهم للماء وهم من أقدم الشعوب على وجه الأرض، وإزالة وجودهم إزالة لحلقة رابطة بين الماضي والحاضر. وكانت الجائزة الأخرى تخص الآثار العراقية وهي الملوية، وكذلك حصلت على الجائزة العالمية. وما أسعدني فعلا هو التفاعل العالمي الكبير من الإعلام الأوروبي الذي أوصل طروحاتي إلى أبعاد أراها جيدة ومؤثرة عبر الإشادة والعرض والتقديم من إعلاميين بلغار وروس وبولنديين وغيرهم، وبالمناسبة فإن المعرض مقام الآن لمدة شهرين في المتحف الوطني السلوفيني وثلاثة أعمال لي حصلت على الجوائز العالمية معلقة هناك.

الحصاد من النمسا

أكبر المسابقات الدولية هي تلك التي اقيمت في النمسا واشترك فيها أكثر من ربع مليون مصور من 78 دولة وهي المسابقة العالمية النمساوية الأشهر وتخص الفن الفوتوغرافي.
وحصل الجيزاني فيها على الميدالية العالمية الأولى وفي كل عام توثق بصدور كتابين عن المسابقة، وسوف يصدر هذا العام كتاب يخص أشهر المصورين والفائزين بالجوائز العالمية منذ عام 1992 إلى عام 2022 واسم الجيزاني وصوره من ضمن هذا الكتاب.
وهذا الكتاب فريد من نوعه، وهو ليس بإنجاز شخصي إطلاقا كما يراه الجيزاني، أولا لانه يوثق اسم وعلم العراق، وهذا إنجاز للعرب كافة إذ يوضع اسم عراقي عربي على لائحة أشهر المصورين العالميين.
وسبق للجيزاني ان حصد طيلة السنوات العشر الماضية جوائز مهرجانات ومسابقات في ألمانيا وأمريكا واليونان وقبرص وروسيا وإيطاليا وفنلندا وبلغاريا وكرواتيا وصربيا، وهو من بين أبرز المصورين الذين خطت صورهم على أغلفة الكتب والمجلات والصحف .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية