شعرية العشق صيفا

حين يأتي الصيف ويكثر السمر يصبح لليل معنى آخر للعاشقين. في الصيف يمكن أن يواعد الغريب القادم من مدن السحر البعيدة بنتاً تضيق عليها الرقابة، ليقول لها كلمة حب. كلمات الحب معروفة عند القاصي والداني لكنّها إن قيلت لك أنت وحدك سحرتك، لأنك تعتقد أنّها حروف ما صنعت وخلقت ودبّجت إلا لك.. هذا وهم موهن وعذب. سيكون اللقاء سرّيا في مكان لا رقيب فيه ولا نذير، وسيكون الحديث همسا مسترقا، وسيكون القمر مزعجا بصدق، تقول له الحبيبة «لَشُو تطلع يا قمر؟» كما غنت السيدة فيروز؟ وتضيف «خلينا نشتاق عليك غب لك سنة يا قمر».
أنا من مدرسة قديمة تؤمن بجدوى الرسائل التي تحبر بأقلام مختارة، وعلى أوراق مختلفة بحروف حقيقية لا رقمية.. أؤمن بذلك ربّما لأنّ كل العشاق الذين قرأت عنهم كانوا يكتبون لحبيباتهم رسائل وقصائد يستعيضون بها عن الحضور المباشر. صار اللقاء على أيامنا أقرب إلى حبل الوريد يكفي أن «تغرد» بعبارة مساء الخير حتى يأتيك الرد من الجهة الأخرى فيطول السمر بلا قمر. الرد على رسائلنا الورقية لم يكن مضمونا قديما كنا نكتب رسائل غالبا ما لا يكون عليها ردّ، وغالبا ما تتلفها يد حبيبة تخشى أن تقع الرسالة في يدي أبيها الأميّ في العشق، أو أمّها التي تقرن بين الحب والإثم.
صحيح أن الجميع لا يكتبون بالجودة نفسها، وصحيح أن الحبيبات لسن جميعا مولعات بالحروف، حديثي سيكون عن أولئك الذين يكتبون حروفا مختلفة لمن يحسنّ فكّ شيفراتها بعين حذرة وبقلب خفاق يكاد يخرج عن مداره، وتحت نور خافت لا يشي بما ينعكس عليه. أحبّ أن أتحدّث ههنا عن رسائل حبرها الروائي الفرنسي الشهير غوستاف فلوبير Gustave Flaubert (1821- 1880) قبل أن يكتب «مدام بوفاري» وقبل أن يصبح في الأدب شيئا مذكورا، كتبها لعشيقته التي تكبره سنا السيدة لويز كولاي Louise Colet التي كانت ذائعة الصيت في دنيا الأدب والفنّ. كانت أولى الرسائل صيفا بتاريخ 4 أغسطس/آب 1864، لقد مرّ أكثر من قرن ونصف القرن على هذه الرسالة.

كان النص الأول مضرجا بشعريات الصيف، التي يكون فيها الليل والنور المسترق، والتفاصيل الصغيرة مما يصنع عبق الشوق وعطر الكتابة. كتب فلوبير يقول: «مساء الثلاثاء، منتصف الليل، كنّا قبل اثنتي عشرة ساعة، ما نزال معا. أمس، في هذه الساعة تحديدا، كنت أحملك بين ذراعي.. هل تذكرين؟ كم صار بعيدا فعلا ذلك الزمان! الليل الآن دافئ وعذب. فأنا أسمع شجرة التوليب الكبيرة، التي تحت نافذتي ترتجف في مهب الريح. وعندما أرفع رأسي أبصر القمر وهو يرى صورته في النهر. نعلاك الصغيران هناك وأنا أكتب إليك. هما في مرمى عيني، أنظر إليهما. فرغت للتو من ترتيب كل شيء بمفردي، لقد أحكمت الغلق على كل ما أعطيتني. في الكيس الصغير المطرّز رسالتان؛ سوف أعيد قراءتهما مرة أخرى، عندما أختم رسالتي إليك. لم أشأ أن أكتب لك من كراس رسائلي؛ إن فيها حَوافَّ سوداء؛ لن يحدث أن يرد عليك مني شيء حزين! لن يأتيك مني شيء إلاّ الفرح، ولن أشملك إلا بالنعيم الهادئ والمستمر، كي أردّ لك القليل مقابل كل شيء أعطيتني إياه بكلتا يديك بكرم محبتك. أخشى أن أكون بارداً وجافاً وأنانياً، والله أعلم بما يعتور هذه الساعة في داخلي. يا لها من ذاكرة! ويا لها من رغبة! آه! يا لتينك الجولتين الرائقتين على متن العربة كم كانتا جميلتين، ولاسيما الجولة الثانية التي رافقتنا أنوارها! أتذكّر لون الأشجار التي أضاءتها الفوانيس.. كنا لوحدنا سعيدين. نظرت إلى رأسك في الليل؛ فرأيته رغم الظلام المحيط. كانت عيناك تضيئان وجهك كله.
يبدو لي وكأنني أكتب بشكل سيئ. سوف تقرأين ما أكتب ببرود. أنا لا أكاد أقول شيئاً مما أريد أن أقوله. إنّ جملي ليرتطم بعضها ببعض مثل ارتطام التنهدات بعضها ببعض. من الضروري لفهم تلك الجمل أن تملئي ما يفصل بينها من الفراغات. سوف تفعلين ذلك، أليس كذلك؟ هل تحلمين في كل حرف، وعند كل علامة من علامات الكتابة؟ هل أنت في ذلك مثلي؟ وأنا أنظر إلى نعليك الصغيرين السمراوين، أفكر في حركات قدميك عندما كانتا تشغلانهما حين كانت في النعلين حرارة الحياة».

حين يكتب العاشق لا يكتب هو يحلم بين الحرف والحرف؛ وحين تفك عشيقته شيفرات الرسالة سينشأ لديها حلم بين العلامة والعلامة. حين توقّف العاشقون الفنانون عن الكتابة مات كلّ هذا الكون، وما بقي للحبّ لا جمله ولا خيالاته ولا سحره.

ما يشد في هذه الرسالة في ما يتعلق بالكتابة في هذا النمط من الآداب الحميمية أمران كبيران أوّلهما المراوحة بين وصف اللغة لكون الحبيبة موضوع الشوق والجمال والذاكرة، ووصف اللغة لنفسها وهي تصف هذا الموضوع.
لا ينتظر من اللغة الواصفة للكون أن تكون إبداعية، فذلك شرط مطلوب في هذا الضرب من الرسائل، لكنّ الإبداعية في هذه الرسائل ينبغي أن تكون من جنس المرأة موضوع الخطاب. فالسيدة لويز كولاي كانت شاعرة وأديبة، تزوجت وهي في سن الخامسة والعشرين رجلا من أهل الموسيقى واستقرت معه في باريس. على فلوبير إذن أن يكتب بأسلوب رفيع لامرأة ستنظر إلى ما يكتب بعين ثاقبة وبفكر ناقد. هل كتب الرجل الرسالة الأولى مثلما ينبغي أن يكتب رجلٌ مثلُه لامرأة مثلِها؟ لقد استطاع فلوبير أن يركز على التفاصيل التي لا تراها امرأة. صحيح أن رؤية التفاصيل شيء يميز بصر المرأة وبصيرتها. غير أن فلوبير كان يحسن الكتابة في الرسالة عن التفاصيل. التفاصيل في الرسالة فيها لعب على العدد.. نصف الواحد وضعفه. نصفه في منتصف الليل زمن الكتابة وفي نصف النهار الذي مرّ على أول لقاء، وفيها نصف القلب إذ يذكر نصف القلب الثاني. نصف الأُكَر المقسومة، أو ما سمّاه ابن حزم «أجزاء النفوس المقسومة»: تضيع أجزاء النفوس في عوالم أخرى، ثمّ ويا لسعادة المسعى تلتقي. ضعف العدد تلقاه في زوج النعل الذي لا تعلم، إن كان يراقب الكاتب العاشق، أم أنه هو من يراقبه؟ ولا تعلم أنزعت منه ساقاها العاجيتان، أم عادتا زوجا من الهيكل الذي يملأ ويفرغ ليملأ من جديد، كقلبين فيهما روحان إن غاب الود صارا هيكلين خاويين وإن عمرا صارا روحين متحدتين. الرحلة في العربة كانت رحلتين جيئة وذهابا الرحلة الثانية كانت أكثر بهجة، لأنّ الروح آنست الروح. عينان تضيئان وجها صبوحا في الظلمة، وعينان تراقبان في صمت ذلك الجمال. هذه تفاصيل مشهدية في ليلة صيف يتوزع فيها النور والظلام، حسب الشهوة والرغبة والستر والكشف.
اللغة الواصفة لنفسها فيها خشية وحلها. الخشية من أن يكتب الكاتب العاشق بجمل باردة في ليلة صيف. الجمل الباردة في رسائل الغرام هي جمل تغلي عند الكتابة وتبرد عند القراءة، إذا قرأتها سيدة القلب لم تجد فيها ما حمّلها صاحبها من دفء العبارة، وحرارة الوجدان. الجملة الباردة هي جملة لم تحافظ على أريجها ونورها ونارها في لحظة كتابتها، ولم تستطع أن تحافظ على تلك الحرارة وتطير بها إلى صاحبتها. البرود في الكتابة أيضا أن يتوهم رجل أديب مثل فلوبير أنّه « يكتب بشكل سيئ».. أن يريد شيئا وتخونه الحروف ليكتب شيئا آخر أقل حرارة مما أراد.. الإنشاء في هذه الحالة لن يكون ترصيفا للجمل جيدا، سيكون ارتطاما بينها مثلما ترتطم التأوهات في صدر من تكاد تقتله الآهات.. الحل الذي يراه فلوبير يكون في لحظة القراءة بأن تملأ الفنانة ما بين الفراغات بالرباطات الروحية.
حين يكتب العاشق لا يكتب هو يحلم بين الحرف والحرف؛ وحين تفك عشيقته شيفرات الرسالة سينشأ لديها حلم بين العلامة والعلامة. حين توقّف العاشقون الفنانون عن الكتابة مات كلّ هذا الكون، وما بقي للحبّ لا جمله ولا خيالاته ولا سحره.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية