بيروت- “القدس العربي”:
وصل بيروت اليوم، الوسيط الأمريكي بشأن ترسيم الحدود البحرية الجنوبية آموس هوكشتاين آتيا من طريق أثينا، للقاء المسؤولين اللبنانيين ومتابعة المفاوضات معهم بشأن هذا الملف حيث ستكون له سلسلة لقاءات يجريها في لبنان اليوم ويوم غد الإثنين.
وكان في استقبال هوكشتاين في مطار بيروت السفيرة الأمريكية دوروثي شيا وعدد من أركان السفارة، ثم توجه الوسيط الأمريكي من مطار بيروت إلى المديرية العامة للأمن العام، حيث بحث مع اللواء عباس إبراهيم تطورات ملف الترسيم، وسيلتقي بعد اجتماعه باللواء إبراهيم مع وزير الطاقة في حكومة لبنان لتصريف الأعمال وليد فياض.
وقد استقبل لبنان الوسيط الأمريكي بعد طول انتظار، للاستماع إلى الموقف الإسرائيلي من قضية ترسيم الحدود البحرية في المنطقة المتنازع عليها بين الخطين 23 و29.
وقد ساد خلال الأيام القليلة الماضية، جو من التفاؤل بالأوساط الرسمية اللبنانية عن إمكانية تذليل كل العقبات والوصول إلى اتفاق مع تل أبيب بوساطة أمريكية ورعاية دولية، وأكد ذلك نائب رئيس مجلس النواب اللبناني إلياس بوصعب، الذي تحدث عن تقدم مفاوضات ترسيم الحدود البحرية الجنوبية.
ولفت بو صعب، في تصريح له، إلى أنّ “لبنان يفاوض من موقع القوي وهذا ما يدفعني بأن أكون إيجابيا”، مؤكدًا أنّه “لا يمكن القول إن الأمور في خواتيمها، ولننتظر ما سوف يقدمه الوسيط الأمريكي في عملية الترسيم آموس هوكشتاين، في زيارته إلى لبنان”.
جو التفاؤل أكده أيضا رئيس الجمهورية وأوساط الحكومة اللبنانية، رغم الرسائل الأمنية (الطائرات المسيرة) والتهديدات المتبادلة، التي سادت الأجواء بين حزب الله اللبناني والقوات الإسرائيلية، وكان آخرها خلال الساعات الماضية عندما بث حزب الله فيديو قامت بتصويره طائرة مسيرة تابعة للحزب يظهر عمليات الحفر والتنقيب عن الغاز الإسرائيلية في حقل “كاريش”.
مصادر لبنانية ترى أن زيارة الوسيط الأمريكي آموس هوكشتاين ستكون الحد الفاصل، بين الانفراج أو الانفجار والترسيم أو اللاترسيم للحدود البحرية الجنوبية.
وفي المعلومات المتداولة نقلا عن هذه المصادر أن الإضاءة على إيجابيات الوضع لا تعكس الحقيقة الكاملة، خصوصا اذا ما كانت عودة الوسيط الأمريكي بشروط إسرائيلية جديدة رفضها لبنان، في الوقت الذي يبلغ الضغط الدولي والنهم الإسرائيلي لاستخراج الغاز ذروته، كما تساءلت المصادر عما إذا كان الجواب الذي سيأتي به هوكشتاين من إسرائيل، سيقدم للدولة أم لحزب الله.
الجو العام في بيروت قبيل وبعد وصول هوكشتاين إلى بيروت، لا يوحي بتصلب في الموقف اللبناني الرسمي اتجاه ما يحمله الوسيط من تل أبيب، فالخطوط العريضة لما يمكن الاتفاق عليه قد تتبلور إلا في حال وجود عقبات لبنانية من خارج “الفلك” الرسمي.
فالحكومة الإسرائيلية التي أكدت على أن المفاوضات لن تكون من الخط أو حول الخط 29، أي أن حقل كاريش غير قابل للنقاش والتفاوض، وأبدت تل أبيب استعدادها للمفاوضة مع بيروت ابتداء من الخط 23 والذي يمكن تعديله بما يضمن للبنان استخراج الغاز من حقل قانا.
لبنان الرسمي لا يمانع ما تطرحه تل أبيب، ولا يمانع بالوصول لاتفاق مع تل أبيب يضمن له استخرج الغاز من حقل “قانا”، كخطوة تراها بيروت ضرورة لإنقاذ البلد من حالة الإفلاس المالي والاقتصادي الذي تتعرض له وأدى إلى حالة من الانهيار الشامل في كل القطاعات الإنتاجية.
من هذه الإيجابيات الرسمية بين بيروت وتل أبيب، برزت ملامح التفاؤل في تصريحات المسؤولين اللبنانيين والسفيرة الأمريكية في بيروت دوروثي شيا، عن اقتراب الوصول إلى الاتفاق برعاية الوسيط الأمريكي.
إلا أن حزب الله الحريص على أن يكون لاعبا ومحركا أساسيا في موضوع ترسيم الحدود واستخراج الغاز من المياه الإقليمية الجنوبية، ولا يسمح بتجاوز عوامل قوته ووجوده، يؤكد بأن المفاوضات غير المباشرة مع تل أبيب لن تكون خارج خياراته ومصالحه الآنية والاستراتيجية.
وحزب الله، ما زال يوجه الرسائل ويرفع من خطابه وتهديداته، إلا أن تل أبيب ترى في ذلك زوبعة فنجان وتستمر في التنقيب عن الغاز في حقل “كاريش” دون اهتمام كبير لـ”المسيرات” والتهديدات، وتؤكد حسب ما تردده القيادات العسكرية والسياسية الإسرائيلية أن “مسيرات” وتهديدات حزب الله هي زوبعة فنجان، ولن تؤدي إلى حرب ولن يتمكن الحزب من توجيه ضربة مؤلمة لمواقع التنقيب في “كاريش”.
مصادر لبنانية حزبية أكدت لـ”القدس العربي” أن لبنان (الرسمي والشعبي) الذي يعيش حالة إذلال في طوابير الخبز أمام الأفران وطوابير البنزين أمام محطات الوقود، وأمام الصيدليات بحثا عن دواء، وبلد يعيش حالة إفلاس وتفكك وانهيار وانقسام سياسي حاد ولم يتمكن من تشكيل حكومة، والاستحقاق الرئاسي مهدد أيضا بالتأجيل، لا يمكن له أن يخوض حربا مع الاحتلال الإسرائيلي.
لذلك، فالوسيط “الإمبريالي” الأمريكي مرحب به في لبنان، والسلطات الرسمية في بيروت التي لم يعد في مقدورها الدخول بصراعات جديدة مع المجتمع الدولي ودول العالم، تبدي استعدادها للتعاون والمفاوضة بـ”إيجابية” من أجل الإسراع في الوصول إلى اتفاق يقفل هذا الملف ويسمح للبنان الذي يتعرض لحالة إفلاس باستخراج الغاز والنفط في المنطقة البحرية المتنازع عليها مقابل بلدة الناقورة مع تل أبيب.