بيروت- “القدس العربي”: أثارت السفينة السورية الراسية في مرفأ طرابلس شمال لبنان، جدلا واسعا وتراشقا إعلاميا وقضائيا بين السفارتين الروسية والأوكرانية في بيروت.
وكانت السفينة السورية وصلت إلى مرفأ طرابلس يوم الأربعاء الماضي، محملة بالشعير والطحين الأوكراني، وأصدرت السفارة الأوكرانية في بيروت، بيانا، أكدت فيه أن الطحين والشعير على متن السفينة هي مواد تمت سرقتها وتهريبها من أوكرانيا.
وأبلغ السفير الأوكراني لدى لبنان، إيهور أوستاش، رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون في اجتماع، بأن “واردات الحبوب الأوكرانية التي سرقتها روسيا قد تضر بالعلاقات الثنائية” لافتا إلى أنه “تبين أن هناك حبوبا مسروقة من أوكرانيا، والمحكمة الأوكرانية قررت توقيف السفينة مع الحمولة”.
وأعلنت السفارة الأوكرانية، أنها استحصلت على قرار من قضاء العجلة في لبنان بالحجز الاحتياطي على الباخرة لمدة 72 ساعة (ثلاثة أيام)، لكن قرار النيابة العامة التمييزية يقضي باستمرار الحجز إلى حين استكمال التحقيقات والإجراءات الخاصة بها.
وأفادت السفارة الأوكرانية في بيان نشرته على صفحتها الرسمية بأن “سفينة سورية مشمولة بالعقوبات، راسية في مرفأ طرابلس، تحمل شعيرا وطحينا أوكرانياً مسروقين”، وأشارت إلى أنه ”وصلتنا وثائق وإثباتات حاسمة من أاوكرانيا تفيد بأن الطحين والشعير الموجود على متن الباخرة لوديسيا هو مسروق من أوكرانيا. وسنتقدم بطلب لدى قاضي العجلة في طرابلس لتمديد مدة الحجز”.
وقال بيان السفارة الأوكرانية” “أثناء الاحتلال الروسي، تمت سرقة أكثر من 500 ألف طن من الحبوب من مناطق خيرسون وزابورجيا وميكولايف المحتلة، وكانت هناك محاولات لنقل معظم هذه الحبوب إلى دول الشرق الأوسط، ومنها مصر وتركيا وسوريا، وسجلت محاولات لنقلها إلى لبنان”.
كما أعلنت السفارة الأوكرانية في لبنان، أن الحكومة السورية تحجّجت بأن الباخرة ملك لوزارة النقل لطلب فكّ الحجز، إلا أنها تناست القانون اللبناني في المادة “860 أ.م.م” التي نصّت على أنه يجوز الحجز على أملاك دولة أجنبية في حال كانت تخضع للقوانين الخاصة.
وأضافت السفارة: “في حالتنا الراهنة السفينة تتعاطى نقل المواد وهي خاضعة لقواعد القانون الخاص (البحري) ما يعطينا كامل الحق بالحجز”.
وختم بيان السفارة: “الهدف الأخير للدولة الأوكرانية هو إبقاء الطحين والحبوب في لبنان لكن بالطرق الشرعية”.
من جانبها، ردت السفارة الروسية في بيروت، وأعلنت أن “السفينة السورية التي قيل إنها تحمل حبوبا مسروقة من أوكرانيا، وترسو في ميناء طرابلس، تحمل شحنة تجارية خاصة، وليس لدينا أي علم أو علاقة بها”. وأكدت أن “اتهامات السفير الأوكراني لروسيا حول سرقة القمح والطحين من المخازن الأوكرانية، باطلة ولا أساس لها”.
وذكرت تقارير إعلامية في بيروت، أن السفارة الروسية في لبنان ستقدّم اليوم، بواسطة المحامية منال أحمد عيتاني، الوثائق والمستندات التي تؤكد أن البضائع الموجودة على متن الباخرة لوديسيا روسية.
تراشق البيانات والاتهامات بين السفارتين الروسية والأوكرانية، أثار قلقا في أوساط الحكومة اللبنانية الغارقة أصلا بأزماتها الاقتصادية والسياسية والأمنية بالتزامن مع زيارة الوسيط الأمريكي آموس هوكشتاين إلى بيروت، حيث كشف وزير الخارجية في الحكومة اللبنانية لتصريف الأعمال عبد الله بو حبيب، أن “لبنان تلقى احتجاجات وإنذارات من عدد من الدول الغربية”، عقب وصول سفينة محملة بطحين وشعير، ترفع العلم السوري، إلى مرفأ طرابلس يوم الأربعاء.
وأوضح أن الجهات المعنية في لبنان تفحص السفينة حاليا، من دون أن تتمكن حتى الآن من تحديد مصدر المواد التي تحملها، مشددا على أن الحكومة اللبنانية ستتخذ القرار المناسب لاحقا.
النائب العام التمييزي في لبنان، القاضي غسان عويدات، وضع يده على ملف الباخرة “لوديسيا”، وكلّف شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي والمديرية العامة للجمارك، إجراء التحقيقات الأولية بإشرافه المباشر، والتثبّت مما إذا كانت حمولتها مسروقة، كما تدّعي السلطات الأوكرانية أم لا، لاتخاذ المقتضى القانوني بشأنها.
ونقلت وسائل إعلام لبنانية عن مصادر مطلعة، أن “المدعي العام التمييزي حجز الباخرة “لوديسيا” الراسية في مرفأ طرابلس وحوّل التحقيق لشعبة المعلومات” وأشار النائب العام التمييزي إلى أنه “طلب من شعبة المعلومات التواصل المباشر مع السفارتين الروسية والأوكرانية في لبنان، للتثبّت مما إذا كانت البضاعة مسروقة، على أن تجري السفارتان الاتصالات اللازمة بسلطات بلادهما والاستحصال على المستندات والوثائق اللازمة”.
وكشف القاضي عويدات أن “صاحب الباخرة تركي الجنسية ولديه مكتب لشحن البضائع في مدينة طرابلس، وأن نصف حمولة الباخرة مخصصة لسوريا والنصف الآخر للبنان، إلا أن صاحب البضاعة، وهو سوري الجنسية، صرف النظر عن تفريغ الكمية المخصصة للبنان في طرابلس، وسيعيدها إلى مرفأ طرطوس عند استكمال التحقيقات والإفراج عن الباخرة”.
وزير الأشغال العامة والنقل في حكومة تصريف الأعمال علي حميه، رفض الاتهام بأن حمولة الباخرة مسروقة، واستغرب في حديث صحافي كيف أنه “مسموح لكل السفن بأن تجول في كل العالم، وعندما تصل إلى لبنان يختلف الوضع”، مؤكداً أن “السفينة مرّت في أكثر من مرفأ منها روسيا وسوريا”.
وأوضح الوزير اللبناني أنه “حتى هذه اللحظة يظهر أن البضائع رسمية ولم تُسرَق”، طالباً “من كل السفراء التعامل مع لبنان عبر الأطر الدبلوماسية وليس الإعلام”.
حتى إعداد هذا التقرير لا يبدو أن الأمور وصلت إلى خواتيمها بقضية الباخرة السورية المحملة بالقمح والشعير والراسية في مرفأ طرابلس، بانتظار الوثائق والتقارير القضائية والجمركية التي سيستند لها القضاء اللبناني، ولأن الأزمة بين روسيا وأوكرانيا تمر بمرحلة توتر واشتباك شديد، ولأن أزمة الباخرة هي في مرفأ بلد يعاني من أزمات سياسية وقضائية واقتصادية حادة، وحركة انهيار في الادارة العامة، يبدو أن أزمة السفينة ستبقى بين أخذ ورد، ولن تجد لها طريقا للحل في الأيام القليلة القادمة، إلا في حال هرب جميع الأطراف من عواقبها ونقلت السفينة إلى مرفأ طرطوس في سوريا، بذلك يتخلص الجميع من تداعيات الأزمة عدا أوكرانيا التي ستكون الخاسر الأكبر في حال ثبت أن القمح والشعير على متنها سرقت من أوكرانيا.