الشيخة مي آل خليفة.. نراك قريبّا!

سارعت «ويكيبيديا، الموسوعة الحرة» إلى تثبيت الإشارة: «وزيرة سابقة والرئيس السابق لهيئة البحرين للثقافة والآثار (2015-2022)» وكأن إعفاء الشيخة مي آل خليفة من منصبها الحكومي، بات تاريخاً ناجزاً، ومنعطفا حاضرا في مسيرة حياتها.
الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين، أصدر مرسوما يوم الخميس 21 يوليو/تموز الماضي، يقضي بتعيين الشيخ خليفة بن أحمد بن عبد الله آل خليفة، رئيسا لهيئة البحرين للثقافة والآثار، خلفا للوزيرة مي آل خليفة. ولم تتضح الأسباب التي أدت إلى إقالة الشيخة مي من منصبها، إلا أن ناشطين ومصادر إعلامية أرجعت سبب إقالتها من منصبها إلى رفضها مصافحة السفير الإسرائيلي في البحرين إيتان نائيه. علما أنه ليس ما يؤكد أو ينفي الخبر!
عبدالخالق عبدالله، وضع على صفحته في «تويتر- Abdulkhaleq Abdulla» مساء الأربعاء 27 يوليو الماضي، تغريدة بعنوان «ما قصة الشيخة مي آل خليفة مع إسرائيل؟» ويذكر: «إن خروج الشيخة مي من المنصب لم يكن أبداً بسبب رفضها مصافحة السفير الإسرائيلي في المنامة، بل هو إجراء اعتيادي يتم من وقت لآخر». ويشير عبدالخالق إلى أن حكومة البحرين: «لم تجبر مسؤولا أو مواطناً على التعامل المباشر مع الإسرائيليين، بل احترمت قناعاتهم جميعا». مذكِّرا باهتمام الشيخة مي آل خليفة بتاريخ يهود البحرين ومعابدهم وإرثهم الديني منذ فترة طويلة.
وبعيداً عن السبب الحقيقي وراء إقالة الصديقة العزيزة الشيخة مي آل خليفة، فإن وقوفاً مستحقّاً أمام مسيرتها يُجبر كل منصف على القول إنها كانت إضافة كبيرة، وكبيرة جدا للمنصب، وإنها خلال فترة وجودها وزيرة على رأس هيئة البحرين للثقافة والآثار، قدّمت مبادرات وفعاليات وأنشطة تراثية وثقافية وفنية كبيرة، شكّلت منارات مضيئة على الساحة البحرينية والخليجية والعربية، مع زملائها وزراء الثقافة العرب، خاصة أن الشيخة مي صُنّفت عام 2005، من قِبل مجلة «فوربس» ضمن النساء الخمسين الأكثر تأثيراً في الوطن العربي.
إن خبرتي المتواضعة في مجال العمل الثقافي العربي الرسمي، بعملي في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب لما يزيد على العقدين، أقول بشكل واضح: إن إسناد العمل الثقافي في البلدان الخليجية لشيخة أو شيخ، يُسهّل الكثير من الصعوبات أمام المؤسسة الثقافية التي يرأسها، ويُذلل الكثير من العقبات في وجهها، وإن ذلك يأتي دائما لصالح العمل الثقافي والفني. إن وجود شيخة في منصب ثقافي خليجي عربي، يتيح لها، لكونها شيخة أولاً ووزيرة ثانية، وامرأة ثالثاً، أن تحقق أكثر مما يحققه الرجل، وأظن أن هذا واضح في مسيرة الشيخة مي!

 أهم ما يجب الوقوف عنده، إثر إعفاء الشيخة مي من منصبها، هو أن وجود أي وزير ثقافة خليجي، أو منْ في مستواه، ما عاد شأنّا خليجيا داخليّا بقدر ما هو حدث ثقافيّ عربيّ مهمّ.

مؤكد أن الشيخة مي لن تعدم وسيلة لمواصلة العمل الثقافي، فهي بطبعها عاشقة للثقافة والفنون، ولها قاعدة كبيرة من المحبين والأصدقاء، سواء في البحرين أو دول الخليج، أو الوطن العربي، وأكاد أكون متيقناً من أن الشيخة مي ما تلبث أن تقود مؤسسة أهلية لمواصلة عملها وشغفها الشخصي بالثقافة والفنون.
أعتقد أن أهم ما يجب الوقوف عنده، إثر إعفاء الشيخة مي من منصبها، هو أن وجود أي وزير ثقافة خليجي، أو منْ في مستواه، ما عاد شأنّا خليجيا داخليّا بقدر ما هو حدث ثقافيّ عربيّ مهمّ. وذلك راجع إلى أن أقطار الوطن العربي عاشت عقودا طويلة تردد مقولة «المراكز والأطراف» باعتبار أن: بيروت والقاهرة وبغداد ودمشق، هي المراكز، وغيرها أطرافّ! مراكز في الفكر والفن والثقافة، وإصدار الكتب والمناسبات الثقافية. اليوم، دارت الحياة دورتها، وهذا لا يعني سحب البساط من تحت أقدام تلك العواصم، على الرغم من وضعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي الصعب والمأزوم، لكن، الواقع يحتّم على كلِّ مفكر ومبدع ومثقف عربي، ضرورة التوقف مليّا عند مقولة الأطراف، فمنذ صدور مجلة «العربي» من الكويت عام 1958، وتاليّا سلسلة «من المسرح العالمي» عام 1961، وسلسلة إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عام 1979، وعلى رأسها سلسلة «عالم المعرفة» ما عادت تلك الأطراف أطرافا، ولا بقيت تلك المراكز مراكز!
المفكر والمبدع والفنان والمثقف العربي، كلٌ بات يعلم تماما الدور الكبير والملحوظ والمؤثّر الذي باتت تقدّمه الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وقطر، والكويت، وعُمان، بما يجعل منها صانعاً أساسيّاً لأهم الإصدارات العربية، ولأهم الجوائز الثقافية العربية، ولمعارض الكتب العربية، وللكثير من المؤتمرات والأنشطة والفعاليات الفكرية والإبداعية والثقافية. ومن هنا فإن إقالة وزير ثقافة خليجي، شأن عربي بامتياز، وهو ما يجعلنا نتمنى للأخ الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة، وزير الثقافة البحريني الجديد كل الأمنيات الطيبة، آملين منه تعلية المزيد من بناءات الثقافة والفنون والتراث في البحرين والوطن العربي، كما لا نقول للصديقة العزيزة الشيخة مي آل خليفة وداعاً، بل إلى لقاء قريب وقريب جدّاً.

روائي وقاص كويتي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية