حلمي سالم: تجربة إنسانية تجاوزت الاختلاف وانتصرت للشعر

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تمر هذه الأيام الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر المصري حلمي سالم (1951 ــ 28 يوليو/تموز 2012) الذي يعد أهم الأصوات الشعرية لجيل السبعينيات، وأكثرهم انشغالاً بالقضايا الفكرية والثقافية في مصر والعالم العربي، حيث لا تقتصر تجربته على الشعر وحده، بل من خلال مؤلفات تناولت هذه القضايا، وإن كانت تجربته في مُجملها تعد أحد أشكال النضال والثورة ضد الموروث والسلطة في أشكالها كافة. وقد أقيمت بهذه المناسبة في بيت الشعر المصري في القاهرة، ندوة أدارها الشاعر عماد الغزالي، وشارك فيها كل من الشاعر والناقد عيد عبد الحليم، والأكاديمي محمد عليم. وفي مقدمة مختصرة أشار الغزالي إلى تأثير حلمي سالم في الثقافة المصرية والعربية، سواء من خلال دواوينه الشعرية، أو كتاباته النثرية التي ناقشت العديد من القضايا الثقافية والسياسية، إضافة إلى وعيه الإنساني ومدى الاحتفاء الذي كان يقابل به المبدعين الصاعدين، فتجربة الرجل كانت قادرة على استيعاب العديد من التجارب الأخرى، بل والتفاعل معها، حتى لو كانت هناك اختلافات في الرؤى الفكرية والجمالية.

«أنا فتّاحُ سِكَك»

بهذه العبارة بدأ عيد عبد الحليم شهادته عن حلمي سالم، وهو الملازم له منذ فترة طويلة وحتى رحيله، وقد قالها عند سؤاله عن الشعر ودوره في المشهد الشعري. ويرى عبد الحليم أنه لا توجد تجربة شعرية في الثمانينيات والتسعينيات، إلا وفيها بعض من أثر لحلمي سالم. ثم تطرق إلى تجربة حلمي سالم الشعرية، وهو أحد أهم شعراء جيل السبعينيات، فهو أول مَن نظّر لهذا الجيل، خاصة في مقدماته التي كان يكتبها لمجلة «إضاءة 77» لسان حال شعراء السبعينيات وقتها، وقبل تفرّقهم، ومنهم.. حلمي سالم، حسن طلب، عبد المنعم رمضان، رفعت سلام وأمجد ريان.

جانب من الندوة

ويُشير عبد الحليم إلى تجربة حلمي سالم الشعرية، ويرى أنها ضمّت جميع الأشكال الشعرية كالتفعيلة وحتى الشعر العمودي، بخلاف قصيدة النثر. من ناحية أخرى كانت لكل ديوان حالة خاصة أشبه بالرواية، وقد تأثرت الأجيال اللاحقة بهذه الفكرة. من جهة أخرى دائماً ما كان يراجع سالم أفكاره من خلال تجاربه الشعرية، فكان أكثر رفاقه توظيفاً للتراث والشعر العربي القديم، رغم مقدمات التغيير لجيل السبعينيات، والمناداة بالقطعية من التراث. وكذلك موقفه من شعر أمل دنقل، الذي كان يُعد الصوت الشعري الستيني الذي يجب تجاوزه تماماً من وجهة نظرهم.
وللرجل مؤلفات مهمة بعيداً عن الشعر، منها مثالاً «سيرة بيروت» «الثقافة تحت الحصار» و»ثقافة كاتم الصوت» التي تعد أهم ما كُتب في المقاومة. ووفق رؤية سالم الفكرية والثقافية، فقد كان يرفض أي شكل من أشكال الرقابة أو التكفير ـ هو نفسه تم تكفيره ومقاضاته بعد نشر قصيدته.. «في شرفة ليلى مراد» ـ حتى لو كان يختلف فكرياً مع صاحب الرأي، وقد دافع عن عبد الصبور شاهين، عند مصادرة كتابه «أبي آدم» بل الدعوة إلى محاكمته.

التجربة وملامحها

وأشار محمد عليم إلى جماليات وخصائص تجربة حلمي سالم الشعرية، من خلال سياق ثقافي وسياسي وقت نشأة ذلك الجيل.. فقد كان هناك شبه إجماع على هدم ما هو كائن، والتساؤل المستمر عن مفهوم الشعر، خاصة أن لديهم القدرة على التنظير والزخم الإنجازي، وبالتالي البحث عن الوقائع اليومية في الشعر، دون الانسياق إلى الأنماط الجاهزة الموجودة مسبقاً، والكتابة من خلال عدم وجود مرجعيّة ـ فكرة الوقائع اليومية اقترب منها شعراء التفعيلة، أما فكرة نفي المرجعية فهي من أهم سمات شعراء السبعينيات، وربما أهم ملمح كان في اللغة من حيث التطوير والتشكيل والنحت اللغوي الرصين ـ ويضيف محمد عليم أن حلمي سالم كان صاحب تراكيب لغوية غير معتادة، فكان يعتمد الترميز والتكثيف في النصوص القصيرة، أو خلق حالة من التعايش والتفاعل في حالة النص الطويل، إضافة إلى سمات أساسية في شعره.. كطبيعة عناوين القصائد، مستوى التخييل، المشهدية في النص الشعري، الإشارة الثقافية، أو الأيقونات ودلالالتها عند المتلقي، واستشهد عليم بقصيدة (الأشعة) لحلمي سالم..
«مربوطاً إلى السّرير الحديدي
دفعَه النوبتجي إلى قفصٍ مظلمٍ،
النوبتجي الذي صوّبَ العدساتِ
على مؤخرةِ يسارِ الجمجمة،
وضغطَ على الزِّر:
جاءت حدوتة مصرية، والراهب، ويوسف شاهين، وتجار الموالح، وكل هذا الجاز، ومدرسة عبد المنعم رياض، وسجن العبدلي، وصنع الطائرات الورقية، ونشأ وترعرع، والقنابلُ المضيئة، وسُرّةُ سيدة النبع، ونزيفُ زاهية، وعبس وتوّلي، ومسلسلُ الأيام، وقوارب الزناتي للصيّد في السحر، ونسوة يرتجلن عدودة حول ناعورةٍ، وجثة سامي المليجي في الرَّياح المنوفي، ومعتقلُ القلعة، وساهمُ الطرف كأحلام المساء، وإضاءة، وبقراتٌ طائراتٌ على أطراف الكازوارينا، ورعبُ المترجمات من المسحراتي، وكتاب النبي، ودفنُ عبد الغني سالم.
وحينما خرجَ من القفص،
لم يستطع أن يسأل:
هل هذا الفصُّ هو المسؤولُ عن الشِّعر،
أم عن العواطف؟
لو أنه المسؤولُ عن الشعر
فنداؤه للشعراء الجُدد:
الاعتناءُ بضمير الغائب،
ولو أنه المسؤولُ عن العواطف
فنداؤه للجميلات:
أن يستجبنَ إذا تمَّنى العاشقونَ
تمريرَ الأصابع بين الصّفا والمروة.
أيها الحكيمُ النوبتجي:
خذْ شريحةً من السيرة الذاتية،
وشريحةً من الذاكرة،
وشريحةً من آلة الفهم،
وأعطِ الشرائحَ كلَّها
للسّيدةِ التي تبكي في البهو
وبلِّغْها السلامْ».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية