مقدماتٍ لقرنٍ شِعْرِيٍّ جديد

حجم الخط
0

صلاح بوسريفتجري التباساتٌ كثيرة في المشهد الشعري المعاصر في المغرب. لم يعد النص هو مرجع القارئ في معرفة ما يجري شعرياً، أمور أخرى غير النص، هي ما أصبحت مرجعاً في الحُكْم على الأشياء. اخْتَفَت النصوص والتجارب خلف الأشخاص، لعبت الصحافة والإعلام، دوراً كبيراً في هذه الالتباسات، وفي تعتيم مفهوم ‘ القيمة ‘ كمعيار للقراءة والحُكم. وهو الدور نفسه الذي لعبته المؤسسات الثقافية المعنية بالشأن الثقافي، بانحيازها لأسماء دون غيرها، و في الدعاية لهذه الأسماء في ما تعقده من لقاءات، في المغرب كما في الخارج.

من يقرأ ما يصدر من دواوين لشعراء، من مختلف الأجيال، وأنا هنا أعني القراءة الهادئة، الفاحصةَ, المُرافِقَة للنص، التي تَتَرَفَّعُ عن الشَّخص، لتستمع للنص وتُنْصِتَ لاختياراته الشعرية والجمالية، سيضع يده على حقيقة ما يجري في المشهد الشعري المعاصر من خَلْطٍ في الرؤية، وفي القراءة والحُكم.

ساهَم ‘ النقد ‘ في هذا التشويش الحادث في المشهد الشعري، كون نقد الشِّعر ما زال مُتَعَثِّراً عندنا، وليس في المغرب نُقَّاد للشِّعر، يَدْخُلُ نَقْدُ الشِّعر ضمن اختصاصهم، أو هو ما يشغلُهم، قياساً بغيره مما يكتبون فيه، من أنواع كتابية أخرى.

الذين جاؤوا من الجامعة، لم يتَعَلَّمُوا مُفاوَضَةَ النصوص، بل إنهم كانوا حريصين على المنهج، والنصُّ عند أغلبهم، هو جسدٌ يقبل التشريح وفق ما يفرضه المنهج. هؤلاء، بالأسف، دخلوا الشِّعر، وفي يدهم مناهج مُطَبَّقَة، وليس مناهج قابلة للتطبيق. أي مناهج تَسْتَمِعُ للنص، وتعمل على مُفاوضته، ما دام النص هو مبتدأ القراءة، وهو منتهاها.

الرسائل ولأطارح الجامعية؛ ما نُشِرَ منها وما بقي موضوعاً في سراديب هذه الجامعات، مما يمكن العودة لقراءته، وأعني ما اهتمَّ منها بالشِّعر المغربي المعاصر، دون غيره، لم تُضِف لهذا الشِّعر أي قيمة، ولم تعمل على وضع النصوص والتجارب في سياقها الشِّعري الذي تبقى ‘ القيمة ‘، بالمعنى الذي يعطيه ميشونيك لهذا المفهوم في الشعرية المعاصرة، هي إحدى أهم مفاتيح المعرفة بهذا الشِّعر، وبمقترحاته الجمالية، أو بما حَمَلَتْهُ بعض التجارب الصَّامِتَة، البعيدة عن متناول القراءة و ‘ النقد ‘، من إضافات، أو من قَلْبٍ شعري، في بنياتها، وفي مفهومها للشِّعر، الذي تجاوزت به المفاهيم السلفية التي ما زالت تعتبر ‘ القصيدة ‘، في وعيها الشفاهي، وفي نظامها الشعري والجمالي الذي لم يخرج عن تعريف قُدامة الشَّهير؛ ‘ الشِّعر كلام موزون مقفى.. ‘، هي كل الشِّعر، دون مراجعة لـ ‘ لأصول ‘، وللمعرفة الشِّعرية القديمة، التي ما زالت حاضرةً في وعي هؤلاء، وفي كتاباتهم.

طرفان يتجاذبان حَبْلَ الشِّعر في المغرب اليوم؛ السلفيون الذين لم يخرجوا من ماضي ‘ القصيدة ‘، ومن بنيتها الشَّفاهِيَة، رغم ما يعمل هؤلاء على تَبَنِّيه، ظاهرياً، من مقترحات مُعاصِرة. وهؤلاء ما زالوا يعتقدون أنَّ الوزن وحده يكفي لمعرفة الشِّعر، أو هو ‘ معراض ‘ الشِّعر، بتعبير القدماء، ومعياره، لذلك فهم لا يُوَسِّعُون ‘ النص ‘ الذي يكتبونه، بتوسيع دَوَالِّه، مثلما تفعل ‘ حداثة الكتابة ‘، التي أتاحت للدَّال الكِتابي أن يكون العُنْصُر المهيمن، قياساً بالوعي الشَّفَاهِي كوعي مهيمن في ‘ القصيدة ‘، أو في الوعي السلفي للشعر. شعراء ‘ النثر ‘. وأنا هنا أستعمل هذا التعبير تجاوزاً، كونه سائداً في تسمية هذا المُقْتَرَح الشعري؛ هؤلاء يرفضون الوزن، أو هُم وَجَدُوا في ‘ النثر ‘ بالأحرى، سبيلاً للشِّعر، دون عَنَاءِ المعرفةِ بِتَبِعاتِه القديمة، أو بماضي ‘ القصيدة ‘، وحتى بما جاء في تجارب بعض الشعراء ‘ الرواد ‘ المعاصرين. لجأ شعراء ‘ النثر ‘ في المغرب إلى الكتابة بحرية، ليس في يدهم سوى خيالاتهم التي كانت، تتغذى من مرجعياتٍ، تعود في غالبها إلى تجارب شعراء ‘ قصيدة النثر ‘ العربية، قبل أن يُدْرِك، البعض منهم أنَّ هناك شعريات أخرى، لها أهميتُها وتأثيرها في المعرفة الشِّعرية العربية، خصوصاً ما تَعَلَّق منها بشعرية ‘ النثر ‘. إذا كان السلفيون، ممن لم يُوَسِّعُوا أفق تجاربهم، عاجزين عن فَهْمِ وإدراك ما جرى في الشِّعر المعاصر من انشراحات، واكْتَفَوْا بمساومة ‘ القصيدة ‘، كما فعل الشُّعراء ‘ الرواد ‘ قبلهم، فشعراء ‘ النثر ‘، اكتفوْا بـ ‘ السَّرد ‘، وبتكرار نفس الصور والمجازات، ما جعل من نصوصهم تكون صَدًى لبعضها، أو تستعيد نفس التعبيرات، بنوع من التعديلات الطَّفِيفَة في بعض العبارات، أو تحريف عناصر الصورة أو المجاز.

هؤلاء بدورهم سقطوا في سلفية معاصرةٍ، تقوم على الاستعادة والتكـرار. قليلون منهم مَنْ غَيَّـروا مجرى الريـح في تجربتهم، وأعني بشكل خاص، بعض الشُّعراء ممن وَسَّعُوا أفق معرفتهم الشِّعرية، وتَخَلَّصُوا من ‘ النثرية ‘ كاختيار يتيم في كتابة الشِّعر، وأعني تحديداً، هذا الفصل الاعتباطي في اللغة، بين لُغَةٍ لـ ‘ النثر ‘ ولغةٍ لـ ‘ الشِّعر ‘، وهو ما أحْدَث تَوَسُّعاً في تجاربهم، ونقلها إلى ‘ الكتابة ‘، أي إلى المعنى الواسع للشِّعر، الذي هو تَجاوُز للِنَّظْمِ، وللكتابة بالوزن، كدَالٍّ يتيمٍ.

لا يعنيني هنا، أمر السلفيين المعاصرين، الذين انقطعت تجاربهم عن مواصلة الشِّعر، أو توقَّفَت عن الانتقال، أو إعادة صياغة المفاهيم والتصورات، وفق ما تقتضيه طبيعة الصيرورة، بقدر ما تعنيني تجارب بعض الشُّعراء المغاربة، ممن كان الشِّعر، في يَدِهِم، يتحرَّك باستمرار، مثلما يتغيَّر ماء النهر. هؤلاء قِلَّةٌ صامِتَةٌ، لم يذهب إليها ‘ النقد ‘، أو ذهب إلى بعضها، لكن بمعرفةٍ لم تتمكَّن من السَّيْر بنفس وتيرة النص الذي كان يُغَيِّرُ مجراه باستمرار، في ما ‘ النقد ‘، بقي هو نفسه، يعمل بنفس آليات القراءة التي كان يعمل بها في تجارب ‘ الرواد ‘، وغيرهم ممن ظلَّ يستعيد تجاربهم.

فبقدر تَخَلُّف النقد عن استدراك الشِّعر، وأعني ‘ حداثة الكتابة ‘ تحديداً، بقـدر ما كان الشِّعر يُوَسِّـع خَطَواتِه في اتِّجـاه مجاهــلمعرفته، ويَكْبُر دون رعاية أحَدٍ، كما كان في أوَّل أمره، حين خرج من ظلام الوجود، نافِراً، لا يعبأ بغير ما تمليه عليه خيالاتُه، وما قد تُفْضِي إليه اللغة من ‘ خُروقاتٍ ‘، لم يكن اللسان اعتاد على ضراوتها.

خارج ‘ النقد ‘، نشأت ‘ الكتابة ‘ ونَمَت، في غفلة من المعايير، ومما سَمَّتْه السلفيات الشعرية بـ ‘ الأصول ‘، أو بما عملت على تأصيله من ‘ أصول ‘، دون معرفة الفرق بين ‘ الأصل ‘، و ‘ البداية ‘. حين اخترتُ، في ‘ أنطولوجيا الشعر المغربي المعاصر ‘، بأجزائها الثلاثة، أن أكتفي باختيار النصوص المنشورة في بداية القرن الحالـي، دون الالتفات إلى ما نُشِر فـي القـرن العشريـن، وقد انصرم أكثر من عقد من هذا القرن، فأنا كنتُ أسائل هذه النصوص، وهذا كان أحد معايير اختياراتي الشخصية التي لا علاقة لها بأي جهة، كما حدث من قبل، عن وعيها بهذا الانتقال، وعن امتصـاص النص المكتوب إبان هـذه المرحلة، لِما حـدث من متغيِّراتٍ، أو انقلابات، بالأحـرى، فـي القيـم وفي المعارف، بما في ذلك اللغة التي لم تعد هي نفسها لغة ‘ الأدب ‘، أو لغة ‘ الشعر ‘ بالمعنى الحَصْرِيّ. هل ثمة في هذه النصوص ما يُشْعِرُ القاري بمسايرة الشاعر للعصر، لنثرية العالم، بتعبير ميرلو بونتي، ولما حدث فيه من تشظِّياتٍ في كل شيء؟ هل الشِّعر، وفق هذه الرؤية، وَعَى نهاية قرنٍ وبداية آخر، بما حدث في هذا الانتقال من انقلابات في الاتصال، وفي مجال القيم والمعارف، أم أن النص بقي هو نفسه، لم يَتَجَشَّم تَعَب الإنصات والبحث، أو التأمُّل، وأعني الشاعر بشكل خاص، باعتباره اليد التي تتعقَّب نبضَ العالم، وتملك القدرة على تسمية الوجود؟ هل أعاد هؤلاء، أو بعض هؤلاء، تسمية الأشياء، ما دامت الأشياء دخلت في سياقات جديدة، وأصبح التَّغَيُّر والانقلاب والتَّبَدُّل، هو طبيعتُها ونظامُها الجديدين؟

تَجُرُّ هذه الأسئلة، أو هذه ‘ الاختيارات ‘ خلفَها مفهوم ‘ القيمة الشعرية ‘ الذي يبقى، في فهمنا للشِّعر، وفي قراءتنا له، هو الإطار، أو المرجع الذي نعود إليه، في اختبار ما يجري في النص من تحوُّلاتٍ، ويعنيني بشكل خاص، ما يجري فيه من توسيع لِدَوَالِّه، ومن قدرةٍ على تفتيق ‘ المعاني ‘، وتوليدها، بما يعنيه ذلك من تفتيقٍ للمجازات والصُّوَر.

فأنا عَمِلْتُ على مُقَدِّمَاتٍ لقرن شعري جديد، لا يمكن أن نَدْخُلَه، في غفلة مِنَّا، أو بنوع من السَّهْو الشعري أو المعرفي، الذي لا تغفره المعرفة، خصوصاً حين يكون الأمر متعلقاً بالشِّعر، الذي كان، دائماً، هو البادئ بالانقلاب وبتغيير القيم والمفاهيم، وبَلْبَلَة اللِّسان.

إنَّ العمل على الشِّعر المغربي المعاصر، يحتاج منا التَّفَرُّغ، والخبرة والتجرُّد، لوضع اليد على النص، دون النظر في الأشخاص، لأن الشخص يوجد بالنص وليس بذاته، أي بما يتركه من أثر، وليس بما يَسْتَحْدِثُه من علاقات، أو من أمور لا صلةَ لها بالنص. وهذا، في اعتقادي، هو ما سيجعل من الأشجار القليلة التي تَحْجُبُ رؤية الشِّعر المعاصر في المغرب، بما يكفي من وضوح، تأخذ مكانها في الغابة، لا أن تصير هي الغابة.

لا يحدث هذا في الشِّعر وحده، فقد طال التَّحْرِيف كل حقول المعرفة والإبداع، وأصبح ‘ النقد ‘، بهذا المعنى المُلتَبِس والغامض، وأيضاً الصحافة والإعلام، بما في ذلك وسائل الاتصال الحديثة، وحتى الجامعة، في وضعها الراهن، بما تعرفه من تراجع في كل شيء، تعمل كلها على تعتيم القيمة، وعلى الدِّعاية للأشخاص، دون النظر في النصوص. الروائي لا الرواية، القاص لا القصة، الشاعر لا الشِّعر، المفكر لا الفكر، والناقد لا النقد، هذا ما يُعَتِّم الرؤية اليوم، ويجعلها مُزَوَّرَةً، لا تسمح بمعرفة حقيقة الأشياء، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بـ ‘ نظام المعرفة ‘، أو بالقيم الثقافية التي هي في حاجة دائمة للمراجعة.

حالةٌ من الفوضى، ومن التشويش، لا تعني، أبداً، هذه القِلَّة من الشُّعراء الذين تَفَرَّغُوا لتجربتهم، فهم مُنْهَمِكون بما كَرَّسُوا له حياتُهم، بِمَنْأًى عن كل حالات التَّضْلِيل، والتَّمْويه، لأنَّ المعرفة والإبداع، كما جرت بذلك كثير من الأمثلة في التاريخ الثقافي العام، يمكن تأجيلُهُما، لكن لا يمكن طمْسُهُما، خصوصاً حين يكونان نداءً آتياً من المستقبل، أو قَدَراً لا يمكن تفاديه.

فهذا الماضي الذي يَتَلَبَّسُ الشِّعر، بكل هذا التشويش والتعتيم، في صورته السلفية، بشكل خاص، هو ما يفضح تَعَبَ الشِّعر، ويُضَاعِف من التباس علاقته بالقارئ، ويجعل من التجارب العميقة تنزوي داخل نَصِّيَتِها، أو تنأى بنفسها عن لَغَط النقد، وادِّعاءاته.

الذين يكتبون؛ يخوضون الشِّعر، بصبر، وبأناةٍ، ودون عَجَلٍ، يعرفون أنَّ الشِّعر كان دائماً حضوراً في الغياب، أو هو الصوت الذي يَصْعَدُ من حنايا الروح، حين لا يبقى من النشيد سوى حَشْرجاتِه المريضة.

الشِّعر في المغرب، ما زال لم يجد طريقه بعد إلى حقيقة الشِّعر، وإلى المعنى الجمالي والشعري لمفهوم ‘ القيمة ‘، هذا المفهوم المؤجَّل. الذين عملوا على قراءة بعض التجارب في هذا الشِّعر، كانوا مشغولين بأنفسهم، وليس بما في هذا الشِّعر من إضافات، أو من حالات عطب وانحسار. تراكمت طبقات كثيفة من السُّحُب على هذا الشِّعر، وهي طبقات ضاعفت من التباسه، ومن اختلاط الحابل فيه بالنابل. فوضع النصوص في يد القارئ، وإتاحتها له، دون وساطة، في الوقت الراهن على الأقل، هو الحل الذي يمكنه أن يساعد على فضح هذا التعتيم الذي زاوله ‘ النقد ‘، كما زاولته وسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية، والمدرسة، وكذلك الجامعة. النص لا الشخص هو المقدمات التي ستعمل على فضح ما تَخَفَّى خلف هذا الظلام الكثيف الذي طال الشِّعر، عندنا، كما طال المعرفة بكل تَنَوُّعاتِها.

الذين يُشَكِّكُون في جدوى الشِّعر اليوم، إنما يُشَكِّكُون في هذه الرؤية السلفية التي طغت في الشعر المغربي المعاصر، وفي هذه النثرية الباردة التي استباحت الشِّعر، وحوَّلته إلى كلام، لا فرق بينه وبين كل الكلام. لم يأتِ الخلل من جهة النص، فاليدُ التي تقترف جُرْمَ الكتابة، وتُسَمِّي، هي التي اقترفت هذه ‘ الأزمة ‘، وهي في حقيقة الأمر، أزمة تطال بعض الشِّعر، وليس كل الشِّعر.

لعلَّ في السلفية الشِّعرية الجديدة، التي تساوم الحداثة بالتقليد، والحاضر بالماضي، ما يشي بخلل الرؤية، وخلل في الفهم، وما يشي بالحاجة لتنقية الشِّعر مما علق به من شوائب، وما أصابه من وَهَنٍ، في قيمته، وفي اختياراته الشعرية و الجمالية.

ليس الشِّعر هو ما ينقُصُنا، بل الرؤية الشعرية البعيدة والعميقة، والجرأة في قلب المفاهيم والتصوُّرات، لا في تزويرها أو تحويرها، وسيبقى النص بمثابة المحك الذي لا يمكن لنقدٍ، مثل هذا النقد الذي نقرأه اليوم، أن يكشف لَيْلَه، أو يعي ما فيه من قيمة، خصوصاً حين يكون نقداً جاهلاً بالنص، أو لا يملك خبرةَ التفاوض مع النص، أو الإنصات لنزواته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية