من ضمن المعطيات البارزة لزيارة بيلوسي إلى تايوان موقف المؤسسة العسكرية الأمريكية التي أعلنت عن وقوفها ضدها. وأعلن البيت الأبيض عن قلق وغضب الجيش من الزيارة.
لندن ـ «القدس العربي»: وضعت الصين خططا لاستعادة تايوان إلى حظيرة الوطن نهاية العقد المقبل، غير أن زيارة رئيسة الكونغرس الأمريكي نانسي بيلوسي إلى الجزيرة خلال هذا الأسبوع جاءت لتعمل على تسريع هذا الإيقاع، ومن المحتمل أن تفرض بكين سيناريو جديدا بالضغط القوي على الجزيرة لاستعادتها نهاية العقد الجاري.
وجاءت زيارة نانسي بيلوسي تايوان يومي 2- 3 آب/اغسطس الجاري تحت شعار دعم ديمقراطية الجزيرة الصغيرة في مواجهة النظام الشيوعي في بكين، وتعد أول زيارة لمسؤول أمريكي من هذا المستوى بعد زيارة رئيس الكونغرس الأمريكي للجزيرة سنة 1997. وكانت الظروف مختلفة سنة 1997 فقد حصلت الصين في عهد الرئيس بيل كلينتون على امتياز «الأفضلية التجارية» وعملت على تطوير العلاقات التجارية، ولم تكن تبدي اعتراضا كبيرا على زيارات مسؤولين أمريكيين لتايوان بعدما التزمت واشنطن بـ «صين موحدة». في الوقت ذاته، كانت بكين تخصص مجهوداتها لاستعادة هونغ كونغ.
زيارة بيلوسي تخلف ردود فعل عنيفة من طرف الصين ضد الولايات المتحدة، وتعد منعطفا حقيقيا في علاقة الجزيرة بالصين. ولخصت جريدة «غلوبال تايمز» الصينية في عدد الجمعة نتائج هذه الزيارة حاليا ومستقبلا بما يلي «زيارة بيلوسي إلى تايوان هي انتهاك صارخ لمبدأ صين واحدة وتعتبر تعديًا على سيادة الصين. لقد دفعت الصين إلى اتخاذ تدابير مضادة ضرورية ذات طبيعة دفاعية».
ومن ضمن المعطيات البارزة لزيارة رئيسة الكونغرس بيلوسي إلى تايوان موقف المؤسسة العسكرية الأمريكية التي أعلنت عن موقف مضاد. وتولى البيت الأبيض بداية الأسبوع الماضي الإعلان عن قلق وغضب الجيش من الزيارة. ويعود هذا إلى ثلاثة عوامل رئيسية وهي:
في المقام الأول، لا تستطيع الولايات المتحدة الدفاع العسكري عن تايوان في الوقت الراهن بسبب تركيز الجيش الأمريكي على الدفاع عن أوروبا خوفا من امتداد الحرب الروسية ضد أوكرانيا إلى باقي القارة الأوروبية. إذ رغم القوة العسكرية التي تتوفر عليها الولايات المتحدة، فالأمر هنا يتعلق بالصين، وهي قوة نووية وعسكرية عظمى. في الوقت ذاته، يصب الدعم اللوجيستي العسكري لصالح الصين بحكم القرب الجغرافي بين هذا البلد وتايوان، بينما الولايات المتحدة بعيدة بآلاف الكيلومترات من مكان المواجهة. ولا يوجد أي سيناريو حربي يبرز قدرة البنتاغون على حماية الجزيرة إذا قررت الصين الهجوم عليها باستثناء حرب نووية، وهو أمر مستبعد.
في المقام الثاني، تعرقل الزيارة استراتيجية الانتشار الأمريكي في منطقة الهادي جنوب شرق آسيا، لأن بكين ستمارس ضغوطا أكبر على دول المنطقة لكي تعمل على تقليص تعاونها العسكري مع البنتاغون. وتعد المنطقة استراتيجية لمستقبل واشنطن بعدما تخلت عن الشرق الأوسط، وها هي الآن تواجه معطى جديدا سيدفعها إلى تغيير أجندة العمل.
في المقام الثالث، كانت واشنطن تراهن على بكين لإقناع روسيا بوقف الحرب ضد أوكرانيا، واعتقدت في هذه الإمكانية بعدما تأكدت بعدم تقديم الصين لروسيا أسلحة حتى الآن. غير أن زيارة بيلوسي إلى تايوان ستدفع بكين إلى عرض المساعدة العسكرية على روسيا ضدا للولايات المتحدة. ويكفي أن الصين علقت الحوار العسكري الثنائي مع واشنطن بعد الزيارة.
وتقاسم البيت الأبيض قلق الجيش، بل ذهبت معظم وسائل الإعلام الغربية إلى انتقاد هذه الزيارة، وتعتبرها غير مناسبة وتضعف الغرب برمته لأنها تبرز القوة الصينية. ومن ضمن الأمثلة، اعتبرت جريدة «لوموند» الفرنسية في افتتاحيتها يوم الجمعة من الأسبوع الجاري بأنها زيارة غير مناسبة نهائيا وتأتي بنتائج عكسية.
وتعتبر الصين الزيارة محاولة إهانتها والتقليل من وضعها الاعتباري في الساحة الجيوسياسية العالمية. وعليه، وجدت نفسها مطالبة بالتحرك على المستوى القريب والمتوسط والبعيد للدفاع عن «شرفها» أمام الرأي العام الصيني، ثم أمام المنتظم الدولي. وتحاول واشنطن التقليل من الزيارة بتأكيدها على وحدة الصين الموحدة شريطة أن لا تتم الوحدة على حساب الديمقراطية وبالسلاح.
وأصبحت زيارة بيلوسي إلى تايوان الفرصة الذهبية للصين لتنفيذ أجندتها السياسية والعسكرية تجاه تايوان بإيقاع أسرع وبأشكال مختلفة. قد خططت الصين لاستعادة تايوان نهاية عقد الثلاثينات، لتصبح الصين الموحدة الكبرى سنة 2047 وهو التاريخ الذي يصادف بدء الصين الجديدة الكبرى. وتعمل بكين على هذه الاستراتيجية السلمية التي تقوم على دولة واحدة ونظامين، أي تمتيع تايوان بنوع من الحكم الذاتي وسط الوطن الصيني.
غير أن هذه الاستراتيجية لم تعد صالحة بعد الزيارة، وتهدف بكين إلى تقليص المدة الزمنية بعشر سنوات كاملة، حيث قد تقدم على ضم الجزيرة مع سنة 2030 أي في ظرف ثماني سنوات. وقال المحلل الصيني وو يونبينغ الذي يدير معهد الدراسات الاستراتيجية حول تايوان «ربما، وبدون وعي منها، تكون بيلوسي بزيارتها قد سرعت بمسلسل الوحدة الصينية» في إشارة إلى قرار الصين استعادة تايوان.
وبدأت هذه الاستراتيجية بأكبر مناورات عسكرية صينية تجاه تايوان، تتجلى في سيناريو محاكاة فرض حصار كبير على الجزيرة بهدف استعادتها. ولعل المنعطف هو استعمال صواريخ مرت من أجواء تايوان ثم خرق عشرات الطائرات المقاتلة لأجواء الجزيرة، والأمر نفسه مع سفن عسكرية دخلت المياه الإقليمية لتايوان.