رام الله ـ «القدس العربي»: تقصف الطائرات الاحتلالية قطاع غزة ضمن عملية حملت اسم «طلوع الفجر» لكن عين الاحتلال تبقى مفتوحة على الضفة الغربية على وسعها، فمن الضفة وتحديدا مخيم جنين شمال الضفة الغربية بدأ الاحتلال فعله العسكري التصعيدي والمخطط في الأول من اب/أغسطس الجاري عندما اعتقل القيادي البارز في حركة الجهاد الإسلامي بسام السعدي.
وحسب مراقبين فإن لا شيء جديدا في اعتقال القيادي السعدي، لكونه غير مطلوب لدى قوات الاحتلال ولا يتحرك متخفيا أيضا، غير أن المختلف هذه المرة هو طريقة اعتقاله التي وصفت بـ«الاستعراضية» حيث تخللها اعتداء على القيادي السعدي عبر السحل والضرب واستخدام كلب بوليسي في مهاجمته، وهو ما جعل من هذا الفعل الاحتلالي اليومي مؤشرا ودليلا على افتعال أزمة مع المقاومة في غزة قادت إلى «الهجمة الاستباقية» التي نفذ فيها الاحتلال الإسرائيلي اغتيال تيسير الجعبري، القائد الميداني في منطقة شمال غزة في سرايا القدس.
لقد بدأ الحدث في الضفة كمفجر، فأصبحت غزة العنوان للقصف الإسرائيلي العنيف والوحشي، لكن الضفة الغربية أيضا يمكن أن تجعله يرتد ويعود إليها، لتكون المكان الذي يمكن له أن يحقق معادلة المواجهة الجديدة مع الاحتلال، وهو ما لا يريده الاحتلال الذي يحترف ويتفنن بالتقسيم والتفتيت والتجزئة عبر القتل والمزيد منه.
مظاهرات ومسيرات غاضبة
وكالعادة خرجت المظاهرات في كل من مدينة رام الله ومدينة ومخيم جنين التي طالبت برص الصفوف والالتفاف الشعبي حول المقاومة في مواجهة جرائم الاحتلال.
وحسب نشطاء فإن الأمر مرشح إلى مزيد من الغضب الشعبي والتصعيد في عموم مناطق الضفة الغربية.
وكان الحدث الأبرز في ظهور الأجنحة العسكرية في مخيم جنين وهي التي عقدت بعد مشاركتها في مسيرة حاشدة في شوارع مخيم ومدينة جنين، مؤتمرا صحافيا داخل المخيم أعلنت فيه النفير العام، وتوحيد صفوفها وبنادقها لمقاومة الاحتلال والرد على عدوانه وجرائمه بعد اغتيال القائد الجعبري.
وكان ملثم وحوله رفاق مسلحون من أربع فصائل ألقى كلمة حذر فيها الاحتلال من مغبة ارتكاب المزيد من الجرائم والتي سيدفع ثمنها بالدماء.
أما التهديد الأبرز فهو إعلان التئام أذرع المقاومة: كتائب شهداء الأقصى وسرايا القدس وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى وكتائب القسام في مخيم جنين، للتأكيد على استمرارية المقاومة والدفاع عن الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده. وتحذير المستوطنين من السير على طرقات الضفة الغربية واعتبارها ممنوعة على مركباتهم.
وحسب أحد النشطاء الذين تحدثت معهم «القدس العربي» ورفض الكشف عن اسمه فإن هذا التحذير بحد ذاته، ومن مجموعة من الأجنحة المسلحة يعد مرعبا للاحتلال، فالمستوطنون في الضفة بالآلاف وهو ما يكرس معادلة غزة الضفة من جديد.
وتشهد مناطق متفرقة في الضفة الغربية ظهور جيل جديد من المقاومين الذين ينتمون إلى كتائب تحمل اسم المدن الفلسطينية وأغلبهم ينتمون لسرايا القدس الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي أو من مقربين منها.
وخاضت هذه الكتائب مواجهة صعبة مع قوات الاحتلال في جنين وطوباس، وكان آخرها قبل أيام مواجهة في مدينة نابلس حيث قتل الاحتلال ناشطين من المدينة.
أما الرد الإسرائيلي المتوقع فهو المزيد من الاعتقالات في الضفة الغربية وتحديدا في صفوف حركة الجهاد الإسلامي. حيث أعلن جيش الاحتلال اعتقال 20 شخصًا من الضفة الغربية، ليلة السبت، منهم 19 شخصًا زعم أنهم على صلة بالحركة التي يستهدفها الاحتلال حسب ما يدعي.
ثلاث دسائس إسرائيلية
وحسب السياسي مصطفى البرغوثي فإن العملية العسكرية على القطاع مخطط لها، وهي تهدف إلى ضرب المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، وهي «تأتي بعد أن كثرت المؤشرات التي تدلل على أن الاحتلال فقد القدرة على السيطرة عليها».
ويرى البرغوثي، وهو الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، أن المواجهة الحالية من وجهة نظر الاحتلال تقوم على ثلاث دسائس، الأولى: التفريق بين فصائل المقاومة وتحديدا حركتي حماس والجهاد الإسلامي، أما الثانية: ربط المقاومة الفلسطينية بمشروع جمهورية إيران، والدسيسة الثالثة: سعي إسرائيل للمحافظة على الهدوء وبكونها لا تريد التصعيد.
وحسب البرغوثي فإن حركة حماس تعتبر حركة مقاومة بالدرجة الأولى، وهي تعي أهداف الاحتلال، ومع ذلك عليها أن تكون حذرة من الوقوع في فخ أوسلو الذي يحيدها عبر السعي للحفاظ على السلطة في غزة.
واعتبر أن هذا المخطط الإسرائيلي لن ينجح في ظل أن ردود فعل المقاومة متسقة وهناك غرفة عمليات مشتركة.
وشدد على أن الاحتلال يتعامل مع كل الفلسطينيين على انهم إرهابيون، وهو ما يجعل من محاولة التفريق بين الفصائل الأمنية لن يكتب لها النجاح في ظل أن حماس ليست حركة ساذجة، كما أنها لن تضحي بتاريخها النضالي والمقاوم وجماهيرها.
أما بخصوص الدسيسة الثانية والتي تتعلق بربط المقاومة الفلسطينية بإيران ومشروعها، فأكد البرغوثي أن إيران تدعم المقاومة الفلسطينية، وهذا ليس بالأمر الجديد، والعالم يعلم تاريخ العلاقة العسكرية والسياسية بين إيران والاحتلال قبل الثورة الإيرانية التي غيرت التوجهات.
وأضاف أن هذا الربط أيضا لن ينجح إسرائيليا في ظل فشل أمريكا وإسرائيل في إقامة حلف عسكري يعمل على مواجهة إيران في المنطقة بمشاركة مجموعة من الدول العربية.
وفيما يتعلق بالدسيسة الثالثة التي تسعى إسرائيل إلى تمريرها فهو إدعاء عملها وسعيها للمحافظة على الهدوء وتحسين الوضع الاقتصادي، وهي مقولة حسب البرغوثي، من أكبر الادعاءات الكاذبة الإسرائيلية، فـ«الميدان يظهر ان الاحتلال طوال الفترة الماضية قتل 62 فلسطينيا من ضمنهم الصحافية شيرين أبو عاقلة وهو ما يجعلنا نقول: أي هدوء يتحدث عنه الاحتلال؟».
ويشير البرغوثي إلى أن من أكثر الأمور التي تزعج الاحتلال هو وحدة الساحات والجبهات الفلسطينية. ويتابع قائلا: «جوهر السياسة الإسرائيلية العمل على تجزئة المناطق الفلسطينية، لكن ما تقوله المقاومة وخطابها السياسي والميداني يؤكد أن ما يجري في القدس يؤثر في غزة، وما يجري في الضفة يشهد له رد فعل في غزة والعكس صحيح».
وشدد على ان هذه الفكرة تخيف الاحتلال وهو ما يجعله يعمل على تفكيك هذه الوحدة بدليل ما جرى في عام 2021 حيث استنفار الكل الفلسطيني بما في ذلك الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948.
وختم البرغوثي حديثه مؤكدا ان الملف الإسرائيلي الداخلي يعتبر عاملا مهما في فهم العدوان على غزة، فالسياسة الإسرائيلية وحملات التنافس بين الفصائل السياسية في الحملات الانتخابية تتغذى على الدم الفلسطيني. «لابيد، رئيس الوزراء، يريد ان يظهر قوته وشراسته، كما أن غانتس، وزير الجيش، يريد ان ينتقم من الفصائل الفلسطينية للرد على فشله العسكري قبل سنوات».
عودة الاغتيالات
وحسب المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي عصمت منصور فإن الرد الفلسطيني لا يجب أن ينطلق من مفهوم الثأر العشائري حتى يتم حصره في فصيل، بل في تثبيت ثمن ومعادلة ردع إزاء عودة سياسة الاغتيالات.
ويرى أن مسألة تجنيد 25 ألف جندي احتياط (تحت الطلب) يؤشر إلى أي مدى يمكن أن تمتد المواجهة من حيث الزمان والمدى. إضافة إلى نشر 10 كتائب من جيش الدفاع والشرطة في الداخل المحتل. ويرى منصور أن الاحتلال الذي نفذ 6 عمليات قصف خلال 170 ثانية كان يهدف إلى العمل على استعادة زمام المبادرة. «فعندما أدرك الاحتلال ان التصعيد حتمي، قرر أن تكون نقطة البداية بمبادرته، وأن تكون قوية وصادمة وتتضمن صيدا ثمينا لتحسم جزءا من نتائج المعركة وأهدافها مع بدايتها، والعمل على إحداث صدمة لدى حركة الجهاد الإسلامي». وختم منصور حديثه بإن ضمانات بعدم العودة لسياسة الاغتيالات هي أهم ما يمكن أن يحمله الوسطاء للمقاومة في لحظة المواجهة الحالية التي لا أحد يعرف المدى الذي ستصله حتى اللحظة.