العراق بين بندقية المالكي و«ثورة» الصدر نزاع مستمر على مقدرات البلد ورفض تغيير نظام يشجع الفساد

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

أدى دخول أنصار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر إلى البرلمان العراقي واقتحامهم المنطقة الخضراء في 30 تموز/يوليو لتحويله إلى ساحة اعتصام، حيث جلس أنصاره على مقاعد النواب وجاسوا خلال أروقته وناموا على أرضيته، وأحضر المتطوعون لهم الطعام والشاي لهم وحمل الباعة المتجولون المرطبات وتمتعوا بالجو المكيف فيه مقارنة مع حر بيوتهم بسبب غياب الخدمات، حيث كشفوا عن التناقض بين مستويين من الحياة في العراق.
ولأول مرة يكتمل النصاب في البرلمان، ولكن ليس من النواب بل من أنصار الصدر، فقد وجد النواب الذين عرقلوا جهود الصدر في تشكيل الحكومة، ذريعة للبقاء في بيوتهم وعدم الحضور إلى البرلمان الذي أصبح يمثل الإنسداد السياسي في البلاد وكشف عن صراع الأجنحة في الإطار الشيعي بشكل ينذر بشر لا تحمد عواقبه.
وبدأ الصدر تمرده على العملية السياسية بعدما طلب في شهر حزيران/يونيو من نوابه الاستقالة من البرلمان، وذلك بعدما فشل في اختيار رئيس الوزراء الذي يريده، وعرقلت المعارضة الشيعية التي تطلق على نفسها الإطار التنسيقي جهود الصدريين الذين خرجوا فائزين من انتخابات تشرين الأول/أكتوبر العام الماضي بواقع 74 مقعدا من 329 مقعدا. وحاول الصدر التعاون مع الأكراد والأحزاب السنية، وخاصة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، في تشكيل حكومة لكنه لم يستطع. واتخذ قراره الذي وصفه بعض منافسيه بالجنوني، ولكنه كان يريد التعطيل على التيار الآخر حالة ترشيح رئيس للوزراء موال لهم ولا يعجبه. وهو ما حدث عندما رشح الإطار التنسيقي في 25 تموز/يوليو محمد شياع السوداني كرئيس للوزراء وهو ما أغضب الصدر وأطلق العنان لأتباعه وأمرهم بدخول البرلمان، مع أنه أمرهم لاحقا بالخروج والاعتصام في محيط المنطقة الخضراء، ولم يفعلوا.

طاعون العراق

ووصفت مجلة «إيكونوميست» (1/8/2022) الأحداث الأخيرة بأنها «طاعون البرلمان العراقي» حيث قالت إن الصدر بعد أمره نواب كتلته بالاستقالة طلب منهم السيطرة على المبنى. مشيرة إلى أن البرلمان العراقي في الأيام العادية يكون مهجورا ونادرا ما يكتمل نصاب أعضائه إلا أن تحرك الصدر فاقم من الأزمة السياسية القائمة منذ عشرة أشهر، حيث لم يتفق النواب على تشكيل حكومة منذ انتخابات تشرين الأول/أكتوبر، وهي أطول فترة شلل سياسي منذ عام 2005 في وقت يواصل فيه مصطفى الكاظمي إدارة حكومة تصريف الأعمال. صحيح أن المقايضات بين النواب تطول، لكن أحداث الأسابيع الماضية تحمل معها مخاطر صراع شيعي- شيعي كل طرف فيها مسلح. ويمكن أن تتحول الأزمة السياسية في العراق الذي يعد سادس منتج للنفط في العالم إلى عنف.

بندقية المالكي

وتنبع الأزمة الحالية من محاولة الصدر استبعاد منافسه نوري المالكي الذي تولى رئاسة الوزراء ما بين 2006- 2014 وفازت كتلته بالمرتبة الثالثة في انتخابات العام الماضي، ولا يزال يحن للعودة إلى الحكومة. وبعد هجوم الصدريين على البرلمان شوهد المالكي يتجول في المنطقة الخضراء حاملا بندقيته برفقة حرسه.
وفي أجواء التوتر بين الأطراف الشيعية كانت إيران التي تعد اللاعب الرئيسي في شؤون العراق ترسل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني ليرطب الأجواء بينها، إلا أن الولايات المتحدة قتلت سليماني في كانون الثاني/يناير 2020 وخف التأثير الإيراني على الساحة العراقية، لكن طهران ستقف بالتاكيد مع الطرف المعادي للصدر، وهذا لا يوجد دعم خارجي له. والمشكلة في التوتر الحالي هي التسريبات التي ألقت الضوء على التوتر بين المالكي والصدر، ففيها وصف المالكي مقتدى الصدر بالخائن وزعم أن بريطانيا تريد تسليمه السلطة في العراق. ونفى المالكي التسريبات وقال إنها مزيفة، لكن حديثه عن الدور البريطاني الداعم للصدر غريب، لأن بريطانيا منشغلة بالبحث عن رئيس وزراء لها بعدما استقال بوريس جونسون الذي لاحقته الفضائح، فكيف يكون لديها الوقت لكي تنصب سلطة جديدة في العراق. إلا أن التسريبات المنسوبة للمالكي احتوت على اتهامات للحشد الشعبي الذي يدعمه حلفاؤه، بالجبن، وهذا يعني نهاية حلم المالكي بالسلطة. ومن هنا نظر لتعيين السوداني، الوزير السابق الذي لم تفز كتلته إلا بمقعد واحد على أنه واجهة للمعارضين الشيعة للصدر.
ويتهم أنصار الصدر السوداني بالفساد ويدافعون عن حصار البرلمان بأنه تعبير عن موقف مبدئي بهدف تخفيف التأثير الإيراني في العراق. فهو وإن لم يعبر عن عدوانية ضد إيران إلا أن الصدر ليس مرتبطا بقوة أجنبية وشعاره هو «لا شرقية ولا غربية» أما المنافسون له فهم بالتأكيد تحت مظلة إيران. ويضيف أنصاره دفاعا آخر، فهم يتحدثون عن إصلاح النظام السياسي المنهار من خلال تغيير الدستور والقانون الانتخابي وربما تحويل النظام في البلاد من برلماني إلى رئاسي. وقال مسؤول «الطريقة الوحيدة لفهم انسحابه من البرلمان هو أنه يريد إسقاط النظام السياسي» وخطاب شعبوي كهذا قد يجد تقبلا لدى العراقيين المحبطين من الفساد والخدمات البائسة، لكن حرق النظام لإنقاذه لن يؤدي إلا لشرارات حارقة. وترى مجلة «إيكونوميست» أن احتجاج الصدريين لا يعطيهم اليد الأخلاقية العليا، فأزمة العراق السياسية ليست نابعة من نقاش مدروس حول الطريقة الأمثل للحكم، بل من سياسيين يتعاملون مع السيطرة على الدولة عبر لعبة صفرية ويحاولون التحكم بالثروة.

شبكة الرعاية

ويحصل الصدر على الدعم من المجتمعات الشيعية في الجنوب ومدن الصفيح حول بغداد. وسيطر رجاله على الوظائف الهامة في وزارات الداخلية والدفاع والنفط وشركات الكهرباء والبنك المركزي، فالسيطرة على الميزانية العراقية، 89 مليار دولار تسمح للصدريين توجيه الإنفاق للموالين لهم. ولم يصادق البرلمان على ميزانية 2022 بعد، مما يعني ان الحكومة لا يمكنها انفاق المليارات التي تراكمت بسبب ارتفاع أسعار النفط، لكن النواب صادقوا في حزيران/يونيو على قانون نفقات طارئة، وقد دفع الصدريون بالقانون قبل استقالتهم، وخصصت 25 تريليون دينار عراقي (17.14 مليار دولار) لتمويل الدولة للاحتياجات العاجلة مثل الغذاء والوقود والرواتب. لكنه أضاف أيضا 150 ألف وظيفة مدى الحياة في القطاع العام، لصالح ناخبيه إلى حد كبير. ويقدر الأشخاص الذين لديهم معرفة مباشرة بخزائن الدولة أن حركة الصدر، التي تقدم برامج الرعاية الاجتماعية وتضم ميليشيا، تتطلب عشرات الملايين من الدولارات كل شهر لدعم نفسها. والحديث عن مصالح الصدريين هي صورة عن نظام مليء بالكسب غير المشروع والمحسوبية. عمليا، يتم تحميل جميع الأطراف مسؤولية نهب الدولة لإثراء أنفسهم وشبكاتهم. وبدأت الأزمة السياسية في الظهور مع تصاعد الضغوط الاجتماعية، حيث يقوم العراق بتوظيف مئات الآلاف من الخريجين كل عام، معتمدين على الوظائف من الدولة، جهة التوظيف الرئيسية، غير القادرة بشكل متزايد على مواكبة الطلب. ووفرت أسعار النفط المرتفعة بعض الراحة للدولة التي كافحت لدفع رواتب القطاع العام قبل عامين. لكن الكثيرين متشائمون بشأن الآفاق طويلة الأجل للبلاد. ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز» (29/7/2022) عن مسؤول حكومي كبير وخبير سياسي مخضرم: «لم تعد هناك دولة» وهو شعور ردده آخرون. «هذا بلد يسير فقط على الجشع والفساد حيث لا أحد يفكر في المستقبل».

إيران ستحصل على ما تريد

ويرى محللون أن تحركات الصدر هي من أجل الضغط وفتح المجال أمام التفاوض، وربما حاول وسطاء أو نواب البحث عن مخرج للأزمة، إلا أن الحكومة المقبلة لن تعيش طويلا، وسيعزز الصدر بطرقه من الأزمة بدلا من حلها. كما أن هناك أطرافا في المعادلة السياسية بدأت تبحث عن مصالحها بعيدا عن الصدر، وخاصة الأكراد، بشكل يفتح الباب أمام إيران العودة وفرض مرشحيها. وفي تقرير لصحيفة «الغارديان» (28/7/2022) جاء فيه ان الأزمة الحالية بين الأطراف الشيعية-الشيعية معقدة وتستعصي على الحل. وأضافت أن هناك عدة إشارات من أن إيران ستحصل على ما تريد من حرب الاستنزاف المنهكة الحالية. ما سيعطيها القوة للسيطرة على المؤسسات الرئيسية في هذه الدولة الضعيفة وفرض شروطها بطريقة غير مسبوقة. وأضافت ان القيادة الكردية في أربيل التي تطلق عليها الجماعات الوكيلة لإيران المقذوفات الصاروخية، أبدت تحولا وتنتظر الخطوة المقبلة. ففي البداية دعم الإقليم الذي يتمتع بالحكم الذاتي كتلة مقتدى الصدر الذي يريد الحد من التأثير الإيراني في البلاد. ومع فشل محاولات تسمية رئيس، وهي الخطوة الأولى في العملية، بدأ مسرور بارزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان بمناقشة نموذج كونفدرالي لا مركزي يعمل على سحب السلطات من بغداد ويمنح الأكراد والمناطق الأخرى سلطة على شؤونهم الداخلية. ففي كلمة ألقاها بارزاني في «تشاتام هاوس» بلندن في نيسان/إبريل اقترح فيها الكونفدرالية كحل للعراقيين. وكانت تعليقاته خروجا واضحا عن النموذج المركزي الذي روجت إليه واشنطن حتى وقت قريب ومنذ الإطاحة بصدام حسين قبل عشرين عاما تقريبا. ومع خفوت اهتمام أمريكا بالدفاع عن الديمقراطية في العراق وخلال العام الأول من إدارة بايدن، مال المسؤولون الأكراد نحو دعم إيران من أجل تشكيل حكومة في بغداد. وقال مسؤول كردي بارز إن لديها تأثير في العراق أكبر مما تتمتع به واشنطن «هناك ثابت مستمر سيظل وسيتفوق على الولايات المتحدة. وكانت نتيجة متوقعة ويمكن منعها. ولم يفهمه الصدر إلا بعد 10 أشهر. وقرر التراجع لأنه اكتشف ما رفض قبوله: إيران هنا لتبقى». ورغم خسارة الكتل الموالية لإيران دعما كبيرا في انتخابات العام الماضي، لكنها قامت في الفترة الماضية باستعادة جزء مما خسرته، وضغطت على معارضيها، وتحديدا الأكراد الذين يريدون بناء صناعة تصدير نفط وغاز منفصلة عن بغداد. واستهدفت الهجمات الصاروخية التي أطلقتها الجماعات الوكيلة عن إيران البنى التحتية للغاز، في تحرك فهم على أنه تحذير بعدم الإفراط في التركيز على مصالح الإقليم والعودة إلى التفاوض على المستوى الوطني.

صانع الملوك

وتظل محاولات الصدر الذي خرج من اللعبة البرلمانية بعد سحب نوابه، تأكيدا على قدرته فرض رئيس الوزراء الذي يريده. وحسب صحيفة «فايننشال تايمز» فالأزمة الحالية هي جزء من النظام السياسي المصصم من أجل تقاسم السلطة الطائفي ويؤدي إلى مقايضة مستمرة بين الفصائل المتنافسة على المناصب الحكومية العليا ومصادر المحسوبية. ويسلط الخلاف بين الصدر وخصومه الضوء على الانقسامات المتزايدة داخل الجماعات المختلفة. وتصاعدت مشاعر الإحباط لدى الصدر مع مقاومة خصومه لجهوده لتهميشهم، وتسليح القضاء لإصدار أحكام أعاقت حلفاءه وعرقلت تقدمه. وبدا الصدر في خطابه أمام أنصاره أنه غير راغب بالحوار، على الأقل في الوقت الحالي، فقد أمضى سنوات في بناء رأس المال السياسي ليصبح صانع الملوك في عملية تشكيل الحكومة التي طال أمدها في كثير من الأحيان، ولكن لا يزال هناك غموض بشأن هدفه النهائي. وقال مسؤول حكومي ومخضرم في المشهد السياسي العراقي: «نحن لا نعرف حقا ما إذا كانت لديه استراتيجية. هل ينسحب حقا من العملية أم ينتظر فقط أن ترتكب (الفصائل المدعومة من إيران) خطأ، حتى يتمكن من إطلاق جماعته عليهم؟». ولطالما صور الصدر نفسه على أنه خارج المؤسسة الحاكمة، على الرغم من أن لحركته دور في النظام السياسي. وكان قد أثار في السابق اضطرابات مدنية، لا سيما في عام 2016 عندما اقتحم أتباعه البرلمان والمنطقة الخضراء. ويقول بعض المحللين العراقيين إن قاعدة الدعم للصدر تراجعت مع ارتباطه بالفساد المستشري في الدولة، والذي يلقي كثير من الناس باللوم عليه في الحالة المتردية للخدمات العامة. لكن آخرين يشيرون إلى أن أتباعه منتشرون في معظم أذرع الدولة، بما في ذلك مجلس الوزراء، وشركة النفط المملوكة للدولة، والوزارات القوية والسلطات المحلية.
في يوم الأربعاء دعا الصدر لانتخابات جديدة للخروج من المأزق السياسي، إلا أن الانتخابات لن تحل المشاكل، فالمشكلة هي في الدستور والمحاصصة الطائفية التي لا تسمح لتيار بالسيادة على النظام السياسي. وربما تطلعت الأطراف السياسية العراقية إلى سيطرة حزب الله على لبنان المتعددة طوائفه، لكن لبنان فيه تياران شيعيان وفي العراق عدة أطراف وميليشيات متعددة الهوى. صحيح ان أنصار الصدر الذين خرجوا إلى المنطقة الخضراء لبوا نداء قائدهم لكن ليس كل العراقيين هم من الصدريين، فالظروف التي خرجوا فيها وإن شابهت في شعاراتها عام 2019 إلا أن العراقيين ملوا من تصارع الأحزاب. وفي تقرير بمجلة «فورين بوليسي» (4/8/2022) أن دعوة الصدر لإصلاح النظام السياسي العاجز مفهومة ولكن كيف يمكنه حل نظام هو جزء منه. وقد اعتادت الأطراف التي نشأت من نظام ما بعد الغزو في 2003 على التمتع بمقدرات البلاد وهي ليست معنية بإصلاح نظام يؤكد سيطرتهم على ثروات البلاد. استطاع الصدر وأنصاره تظليل التناقض بين حياة الناس الذين يتلظون بلهيب الصيف بدون كهرباء أو ماء صالح للشرب وحياة النخبة في المنطقة الخضراء التي أقامت نظاما مسورا يحجبها عن معاناة الناس العاديين، لكن الصدر هو نتاج لنظام ما بعد الغزو وإن ظل يلعب دور الولد الشقي، الوطني، المدافع عن سيادة العراق ضد إيران، وهو يغير مواقفه بشكل مستمر، أتباعه يصدقونه لكن هو هل ترياق العراق، قادم الأيام كفيلة بتوفير الجواب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية