دعوات القوى الشيعية المتصارعة لإصلاح الدستور العراقي بين الجدية والتلاعب السياسي

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: ضمن تداعيات الصراع السياسي الدائر بين جناحي القوى الشيعية العراقية، التيار الصدري والإطار التنسيقي، تجددت الدعوات بضرورة إصلاح العملية السياسية الفاشلة، وخاصة ما يتعلق بتعديل بنود الدستور والعملية الانتخابية والمحكمة الاتحادية وغيرها.

وجاء اجتياح أتباع التيار الصدري مبنى البرلمان لعرقلة تشكيل حكومة يقودها الإطار الذي يمثل الأحزاب والفصائل الموالية لإيران، ومع مخاوف جدية من تحول الصراع إلى نزاع مسلح، ليجدد إقرار القوى السياسية والشعبية والدينية جميعها، ورغم اختلاف النوايا والأهداف، بضرورة إجراء تعديلات على بنود الدستور الذي عجز عن منع تكرار الأزمات السياسية والقانونية التي تعصف بالبلاد منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003.
وفي هذا السياق، أصدر مراجع دين وعلماء بارزون وشخصيات إسلامية ووطنية بياناً حول الأحداث الأخيرة التي يمر بها البلد، يؤكدون فيه فشل العملية السياسية القائمة ويدعون إلى تغيير الدستور.
وقال البيان «يا أبناء شعبنا، في هذه اللحظات الحرجة، ترون ما يحل في البلاد من تضييع وتردٍ وتراجع، وانحطاط وكوارث ونكسات، بسبب أقطاب المنظومة الحاكمة التي سلطها الاحتلال الأمريكي، والتي أوصلتنا إلى هذا الدمار والبوار».
وأضاف «ها هي انتخابات بعد أخرى، توضح هزالة العملية السياسية التي رعوها، وعقم المواد الدستورية التي وضعوها، وتثبت أن لا حل إلا بتغيير دستور الفتنة الحالي، وإعادة صياغة العملية السياسية برضا الشعب، لا بخداعه كما حصل ويحصل منذ عام 2005 وإلى اليوم».
ودعا البيان «السياسيين إلى شيء من العقل، فإن أولئك الذين لا يزالون يتحدثون عن الانتخابات والاستحقاقات وتشكيل الحكومات، رغم إن كامل عمليتهم السياسية ماتت عملياً ومنذ سنوات، هؤلاء لا يتأملون فيما أوصلوا إليه شعبهم، ولا يدركون خطورة الوضع الذي تمر به أمتهم».
وطالب «سائر القوى السياسية، إلى وقف مهزلة الصراع على تسمية رئيس الوزراء، وعدم الدفع باتجاه فوضى أكبر مما نحن فيه، والاحتكام إلى الشعب الواعي لمُثله العليا، والذي لن يرضى بأقل من اختيارِ رئيس للوزراء بنفسه، وبالانتخاب المباشر».
كما دعا الجميع «لتحمل المسؤولية للمطالبة بهذا التغيير للخروج من الأزمة الحالية وانقاذ البلاد وحقن الدماء» محذرا السياسيين من الاستمرار بالتلاعب بدماء الناس.
ولأن التحديات أمام مستقبل البلد خطيرة، فقد أصدر ثوار انتفاضة تشرين، الثلاثاء الماضي، بيانا ذكروا فيه، إنه «بعد اجتماع موسع لمتضاهري العراق والوجهاء والمثقفين وشخصيات عامة بظل توالي المتغيرات المتسارعة التي يخوض غمارها العراق وشعبه، هذه المتغيرات التي تأتي متزامنةً مع التراكم المرعب لمعاناة الشعب، كنتيجة طبيعية لتعاقب حكومات الفساد والفشل والميليشيات، وبعد أن شهدنا هنا وهناك مطالبات بتغيير شكل النظام السياسي وإعادة كتابة الدستور ومحاسبة الفاسدين» ودعا البيان «كل أبناء العراق للمشاركة والنزول بقوة تحت وسم جمعة قلب المعادلة، للدخول للمنطقة الخضراء، مؤيدين مطالب تغيير شكل النظام وإعادة كتابة الدستور ومحاسبة الفاسدين، ومؤكدين على مطالب الشعب الملحة».
ومجاراة لدعوات الإصلاح، فانه حتى القوى الشيعية المتصارعة نفسها، رفعت شعار تغيير الدستور لكسب الشارع. وفيما رأى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، بأن تظاهرات أنصاره فرصة لإجراء تغيير جذري في النظام السياسي والدستور والانتخابات، فإن الإطار التنسيقي، أعلن وقوفه إلى جانب تعديل الدستور واتاحه ذلك أمام من لديه رؤية للذهاب بهذا الاتجاه وفق الأطر الدستورية، محذرا من ان «أي عمل خلاف ذلك فإنه تجاوز لكل الخطوط الحمراء وتهديد للسلم الأهلي وسلطة القانون».
علما بان أحزاب الكتلة الشيعية نفسها، كانت المعرقل الرئيسي أمام تنفيذ مقترحات «لجنة التعديلات الدستورية النيابية» التي شكلها البرلمان، ولجنة تعديل الدستور المشكلة في رئاسة الجمهورية، وحالت دون اقرار تعديلاتها على مواد الدستور في البرلمان.
والحقيقة ان القوى الشيعية لم تكن وحدها المعارض لتعديل بنود الدستور، بل ساندتها مواقف أحزاب كردية مستفيدة من الدستور الحالي، حيث رأى القيادي البارز في الحزب الديمقراطي الكردستاني، هوشيار زيباري، «أن النظام السياسي الحالي والدستور لا يمكن تغييرهما إلا بآليات دستورية متفق عليها وهي ليست خاضعة لأمزجة شخصية» مدعيا ان «لا مجال لتعديل العقد الاجتماعي إلا بعد مشاورات مكثفة ونقاشات» في اشارة إلى دعوات تغيير الدستور.

فشل دستور الاحتلال والأحزاب

ومع كل أزمة سياسية جديدة في المشهد العراقي يتأكد العراقيون من فشل الدستور في معالجة أزمات العراق، وتتعزز قناعتهم بضرورة تعديل الكثير من مواده الغامضة.
ويتفق القانونيون والكثير من السياسيين، على ان الدستور، الذي تم اعداده عام 2005 باشراف سلطة الاحتلال الأمريكي وبالتعاون مع القوى السياسية المتنفذة، كان يهدف إلى زرع الانقسامات في المجتمع العراقي وإبقاء البلد غارقا في الأزمات ومتناحرا ضعيفا تسهل السيطرة عليه من القوى الإقليمية والدولية. ويصف رجال القانون الدستور بانه مليء بالثغرات الدستورية والقانونية، حيث تم تضمينه العديد من الفقرات والمواد الغامضة والقابلة لتفسيرات متغايرة، وهو ما أقر به رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق فائق زيدان، عندما طالب مجلس النواب بتعديل الدستور العراقي، مبينا إن «الواقع السياسي وصل إلى مرحلة خرق الدستور في أكثر من مناسبة بسبب النصوص الدستورية التي لم تعد مناسبة للمرحلة الحالية وخاصة المادة 76 المتعلقة بآلية تشكيل الحكومة بعد الانتخابات» وهي المادة التي تسببت في الأزمة السياسية الحالية.
وانسجاما مع هذا الرأي جاءت تصريحات اياد علاوي زعيم القائمة الوطنية، عندما شدد في لقاء متلفز، على «ان تغيير الدستور أو فقرات منه أصبح ضرورة ملحة» متهما القوى السياسية بانها انتهكت الدستور ولم تلتزم بالتوقيتات الدستورية حول تشكيل الحكومة بعد الانتخابات الأخيرة ومؤكدا «ان البرلمان ورئيسي الجمهورية والوزراء فقدوا شرعيتهم».
وسبق ان أعلن عضو لجنة التعديلات الدستورية النائب يونادم كنا، إن «تقرير اللجنة حول تعديل الدستور لم ينجز، وأن التوصيات سترحل للدورة البرلمانية المقبلة، بسبب عدم اتفاق الكتل السياسية عليها» مبينا إن «لجنة التعديلات الدستورية ناقشت 115 مادة دستورية، والمتبقي لديها 28 مادة خلافية». ولعل اأرز مواد الدستور المختلف عليها بين القوى السياسية، هي المادة 140 حول المناطق المتنازع عليها، وصلاحيات المركز والأقاليم، وقانون النفط والغاز، وتشكيل المجلس الاتحادي، فيما تعد قضية الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية وتشكيل الكتلة الأكبر، نموذجا واضحا، للتخبط في تفسير بنود الدستور.
ويتفق المراقبون على ان أي محاولة لإصلاح الأوضاع المتدهورة في العراق، مثل دعوات الانتخابات المبكرة أو حل البرلمان أو تعديل قانوني الانتخابات والمحكمة الاتحادية، لن تنجح من دون إرادة سياسية وطنية، لإجراء تعديلات جدية على مواد الدستور، لضمان نتيجة إيجابية لأي انتخابات جديدة ولإصلاح العملية السياسية برمتها، إلا ان الواقع السياسي يؤكد ان الأحزاب التي تتحكم بالسلطة، لن تسمح بتعديلات جوهرية على الدستور، لأنها زرعت عمدا الألغام، في بنود ذلك الدستور، وتتمسك في ابقاءها، بهدف استمرار توجيه العملية السياسية وفق أهدافها وأجنداتها البعيدة عن مصلحة الشعب، حتى وان أدى ذلك إلى الفوضى والانهيار الشامل للبلد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية