هذه «منتخبات شعرية»، كما يقول الغلاف، ضمّت أكثر من 200 قصيدة انتُخبت من مجموعات الشاعر المغربي حسن النجمي المختلفة التي صدرت تباعاً منذ 2006 وحتى 2022. والنجمي، كما هو معروف، رئيس أسبق لاتحاد كتّاب المغرب، ومؤسس بيت الشعر في المغرب، ورئيس المركز المغربي لنادي القلم الدولي، والأمين العام لجائزة الأركانة العالمية للشعر. وبين مجموعاته الشعرية «فكرة النهر»، ضريح أنا أخماتوفا»، «أذى كالحبّ»، «على انفراد»، «مفتاح غرناطة»، «المستحمات»، «أبدية صغيرة»، و«سقط سهواً». كما أصدر عدداً من الأعمال السردية والنقدية، بينها «الشاعر والتجربة»، «شعرية الفضاء السردي»، «الناس والسلطة»، و«جرترود».
على ثنية الغلاف الأول كتب الشاعر الإيطالي جوسيبي كونتي: «حسن النجمي شاعر يتمتع برؤيا قوية وطاقة روحية وقدرة على لمح حبكة من الرموز والاستعارات في كل حيز من فضاءات اللغة وفي كل لحظة من لحظات الحياة وفي كل جانب من جوانب العالم. غنائيته مغرية وأخاذة حتى عندما ينبثق البيت الشعري في استمرارية تأخذ شكلاً يشبه النثر. تبهرني شبكة هذه القوة التعبيرية كما يدهشني ثراء المواضيع، وأعترف بأني عجزت عن إغلاق كتاب كهذا حتى أنهيت قراءته كاملاً».
هنا قصيدة «أُراجعُ عمري»:
«من مساء لمساء أراجع وقتي.
أرى كم الأيام تهذّب عمري كشجر يُراكم التجاعيد
لم أعد أثق كما كنت في القناديل المترنحة في الظلام.
ولأني أعرف الطرق التي تقطعها النهارات كي تنصرف في المساء
لا أعرف من أي طريق يأتي الليل.
صرتُ أستعيد خطواتي البكر على أرضي الأولى.
تعاودني رائحة أول ليمونة قشّرتها.
وفي نظرتي الآن يلوح أثر أول نظرة.
لا أريد أن ألتفت أكثر.
لا أريد أن أتخلص من حقل الذرة البعيد.
لا أريد أن يجتاحني وجه الصبية الأولى.
كنت جرّبتُ أن أحبّ فارتجفتُ.
لم أعرف كيف أندهش ولم أعثر على كلماتي.
لم نقتسم سريراً لتبقى ذكرى الجسد.
فقط، رائحة ضفيرتها التي كانت تعبر
كما تعبرني الآن رائحة خبز.
وجهه حمرةُ خجلها التي كانت توقدها الملائكة.
ذلك الخوف من الحبّ الذي تبادلناه من بعيد.
تلك الكلمات التي فكرنا أن نقولها ولم نقلها.
إحساس بندم صغير.
منذئذ انعطفت ــ صرتُ أعثر على معنى لصمتي.
من مساء لمساء أراجع عمري.
النافذة مفتوحة ــ لا أريد أن أطلّ».
مؤسسة بتانة الثقافية، القاهرة 2021