سباق التسلح في العالم العربي لماذا؟

حجم الخط
2

«عدم الاستقرار الإقليمي أمر جيد عموما لمبيعات السلاح. فهذا المزيج من التهديدات العسكرية والثروة المحلية وعدم وجود بدائل مصنوعة محليا يجعل المنطقة الأفضل في العالم لمصدري السلاح». هذا ما قاله ريتشارد أبو لافيا نائب رئيس وحدة التحليلات بمجموعة تيل الفرنسية التي حضرت معرض ابوظبي للسلاح في الشرق الاوسط الذي افتتح يوم الاحد الماضي.
فالاضطراب الامني والسياسي في المنطقة يدفع الحكومات للتركيز على امتلاك المزيد من وسائل الامن للسيطرة على الاوضاع الداخلية والاسلحة المتطورة للايحاء بوجود تهديدات خارجية لامنها. الامر المؤكد ان أغلب هذه الحكومات لا يخطط لردع «اسرائيل» او مواجهتها، بل يسعى لامتلاك المزيد من السلاح لاسباب اخرى: اولها اضفاء قوة عسكرية وهمية للنظام السياسي الحاكم في هذا البلد او ذاك، ثانيها:  ردع المواطنين عن تحدي النظام السياسي، ثالثها: التسابق مع القوى الاقليمية الاخرى سواء المتوافقة معها في الموقف السياسي او المختلفة معها، وذلك في ظل مقولة «البقاء للاقوى». رابعها: شراء مواقف الدول الصناعية الكبرى لدعم سياساتها المحلية او الاقليمية.
لقد كان أبولافيا واضحا في رؤيته وتحليله، مؤكدا ان الاضطراب الامني في الشرق الاوسط يشجع مبيعات السلاح الغربية للدول العربية. ومع ان ذلك قد يبدو امرا بديهيا ولكن ثمة تساؤلات عميقة حول الدور الاجنبي في اثارة ذلك الاضطراب، وما اذا كان هذا الاضطراب مفتعلا ام حقيقيا.
ثمة نظرية تقول بان الاوضاع الحالية في العالم العربي ليست تطورا بريئا، بل ان اصابع تقف خلفه وتحركه. صحيح ان هناك من يرد على ذلك بالقول بانه يقع ضمن نظرية المؤامرة التي يوصم العرب والمسلمون بها، ولكن الصحيح ايضا ان ما يجري لا يمكن اعتباره تطورا طبيعيا للمسارات العربية، وهنا تطرح امور عديدة: اولها ان الاحتراب الداخلي الذي يشبه الحرب الاهلية جاء بعد انطلاق الثورات العربية والمساعي الشعبية للتغيير السياسي، ثانيها: ان هذه «الحرب الاهلية» ليست محصورة ببلد واحد، كما هو مألوف، بل انه شمل العديد من البلدان العربية والاسلامية. كانت هناك الحرب الاهلية اللبنانية، والجزائرية، وحدثت كذلك في العراق بعد اسقاط نظام صدام حسين في العام 2003، ولكنها هذه المرة تجاوزت الحدود الاقليمية وعمت الكثير من البلدان، خصوصا التي نشبت فيها الثورات. ثالثها: ان هذا الاضطراب اصاب اغلب الدول العربية الا «اسرائيل»، فهل ان ذلك صدفة محضة؟ رابعها: ان الاضطراب اضفيت عليه ابعاد دينية، الامر الذي يجعله أخطر وأكثر تدميرا. خامسها: ان ما يجري يتم تكريسه باساليب تبدو غير ذلك، بمعنى ان هناك تدخلا غربيا مباشرا بدعوى احتواء عناصر الاضطراب المرتبطة بداعش والقاعدة، ولكن الحقيقة تكشف استمرار توسع الاضطراب من حيث دائرته الجغرافية واساليبه المدمرة. فقد انتقل من التفجيرات التي تهدف للقتل الجماعي كما حدث في العراق حتى العام الماضي، إلى الذبح الجماعي، كما حدث ويحدث الآن في العديد من البلدان، ووصل الآن إلى الحرق الفردي والجماعي، الامر الذي لا يمكن تفسيره الا بانه امعان في تعميق ظاهرة العنف والاضطراب والغاء القدرة على احتوائه بالاساليب المعتادة كالوساطات والمفاوضات او العمل العسكري و الامني.
ما علاقة عدم الاستقرار الذي ذكره ابولافيا مع تصاعد مبيعات السلاح؟ وما سر الاقبال الكبير على مؤتمر ابوظبي لعقد المزيد من الصفقات العسكرية؟ وما طبيعة هذه الصفقات؟ ما ايديولوجيتها وعقيدتها وفلسفتها العسكرية؟ أهي دفاعية ضد عدوان خارجي محتمل؟ أهي هجومية لتحرير الارض الفلسطينية المحتلة؟ ام انها مصممة لمواجهة الداخل لمنع الحراكات الشعبية المتوقع حدوثها بعد افشال الثورات العربية؟  ثمة ملاحظات عديدة في هذا المجال: اولاها ان النظام السياسي العربي يتشبث بالحكم مهما كلف الامر، وان التحول الديمقراطي ممنوع جملة وتفصيلا. بل تبنى الاعلام العربي الرسمي ربط المطالبة بذلك التحول بالارهاب. فالاخوان المسلمون في مصر «ارهابيون» لانهم ضد الانقلاب العسكري ويطالبون بالعودة إلى الشعب لاختيار حكامه، وبالتالي يصبح اقتناء السلاح من قبل الانظمة الحاكمة، وبيعه من جانب الدول الغربية، امرا مشروعا بدعوى مكافحة الارهاب. ولتوضيح مدى اعتماد انظمة الحكم على الترسانة العسكرية الضخمة تجدر الاشارة إلى حجم معرض ابوظبي للسلاح الذي اقيم هذا الاسبوع، والاهتمام الغربي الكبير بحضوره وتشجيع توقيع الصفقات العملاقة خلاله.
تقول بيانات معهد ستوكهولم الدولي لابحاث السلام إن الانفاق الدفاعي السنوي في الشرق الأوسط ارتفع بنسبة أربعة في المائة بالأسعار الحقيقية عام 2013 وبنسبة 56 في المائة في ما بين 2004 و2013 ليصل إلى ما يقدر بمبلغ 150 مليار دولار قبل عامين. هذه المبالغ الخيالية تكشف امرين اساسيين: الاول مدى تبديد ثروات الامة  على السلاح الذي يصدأ قبل ان يستخدم، والثاني ان انظمة الاستبداد استطاعت شراء مواقف الغرب واسكاتها عن المطالبة بالتحول الديمقراطي في مقابل هذا الانفاق العسكري الهائل. ويؤكد السيد ابولافيا أن دول الخليج الغنية تدعم مشتريات الأسلحة التي تبرمها جيوش في دول أخرى ذات امكانيات أقل، ويعطي مثالا على ذلك الاتفاقية التي وقعتها مصر هذا الشهر لشراء 24 طائرة مقاتلة رافايل من شركة داسو الفرنسية في ما يمثل أول طلب من الخارج لشراء الطائرة. وتجري الإمارات محادثات لشراء 60 طائرة رافايل وتدرس في الوقت نفسه خيارات لشراء المقاتلة الأوروبية تايفون من شركة بي.ايه.إي سيستمز. كذلك فإن فرنسا وصلت إلى «المراحل النهائية» من مفاوضات لبيع 36 طائرة رافايل لقطر حسب ما ذكره مصدر فرنسي رفيع الاسبوع الماضي. و تتنافس المقاتلة الأوروبية والطائرة الامريكية  اف-  18 على صفقة من المحتمل أن تطلب فيها الكويت 28 طائرة. كما تجري سلطنة عمان مفاوضات لشراء طائرات.  واللافت للنظر أن دولا في المنطقة تتطلع لشراء طائرات هليكوبتر ودبابات وطائرات بدون طيار وذخائر لتعزيز أمنها. وخلال معرض ابوظبي (آيدكس( تم توقيع اكثر من 20 صفقة تجازت قيمتها خمسة مليارات دولارات.
يضاف إلى ذلك ان السعودية تسعى لتعزيز قدراتها الصاروخية وفق برامج تسلح عملاقة جدا تركز على الصواريخ البالستية.. وكانت الرياض قد انفقت اكثر من 80 مليار دولار لاكمال صفقة «اليمامة» الشهيرة مع بريطانيا التي اشترت بموجبها طائرات تورنادو، ودخلت في تعاقد لخدمة الصفقة على مدى 20 عاما انتهت في العام 2005. ويقدر عدد الطائرات بسلاحها الجوي اكثر من 300 بضمنها طائرات تايفون وتورنادو و اف 15 الامريكية. ولكن الامريكيين اشترطوا على الرياض عدم وضع تلك الطائرات بقاعدة الملك فيصل في تبوك، القريبة من الكيان الاسرائيلي. وعشية الحرب على العراق في العام 2003 نقلت السعودية 50 منها من القواعد الاخرى إلى تبوك. وقد اشترت السعودية صواريخ بالستية ارض ارض، وكذلك صواريخ كروز بريطانية استعدادا لمواجهة إيران التي يتوقع ان تتوصل مع الغرب لاتفاق تاريخي حول مشروعها النووي. ووفقا للمعلومات المتوفرة فقد دأبت السعودية خلال العقود الثلاثة الاخيرة على بناء منظومتها الصاروخية بشكل سري، ولكنها بدأت مؤخرا في الاعلان عنها. ففي 1987 اشترت اول مجموعة من الصواريخ البالستية من الصين من نوع دونجفنج التي تعني «الريح الشرقية»، وتستطيع هذه الصواريخ حمل رؤوس نووية. وتمت الصفقة بموافقة الـ سي آيه أيه التي اشترطت حصر حمولة الصواريخ بالذخيرة التقليدية وليس النووية. ولكن الرياض ضمنت الحصول على رؤوس نووية من باكستان دفعت ثمن تصنيعها سلفا. اما إيران فقد طورت مشروعها الصاروخي منذ منتصف الثمانينات، واصبحت قادرة على تصنيع انواع من تلك الصواريخ التي تقوم بتجريبها بين الحين والآخر. واعلن هذا الاسبوع عن صفقة جديدة تحصل إيران بموجبها صواريخ «أنتيه 2500» المطورة عن صواريخ اس 300 التي الغت روسيا صفقتها مع إيران في 2010. وتسعى الدول الغربية لادراج الصواريخ الإيرانية على طاولة مفاوضات 5 + 1 ولكن طهران ترفض ذلك بشدة وتعتبره تجاوزا للتفاوض حول المشروع النووي. ولدى إيران حوالي 300 طائرة مقاتلة، اغلبها قديمة حصلت عليها قبل الثورة وقامت بتطويرها بجهودها الخاصة. كما يضم سلاحها الجوي طائرات إيرانية الصنع مثل القاهر والصاعقة 1 و 2. ولا ترى إيران تهديدات لها سوى من الكيان الاسرائيلي والدول الغربية، ولذلك فاغلب سلاحها مصمم لمواجهة اي عدوان خارجي من تلك الاطراف.
سباق التسلح في الشرق الاوسط خطير ومكلف ومصدر استنزاف كبير للموازنات العامة. كما انه موجه ضد دول عربية او اسلامية شقيقة نتيجة غياب الثقة وتداعي العلاقات والتوتر الامني والسياسي السائد في المنطقة. كما ان المشتريات الجديدة سواء خلال معرض ابوظبي او غيره، مصممة لمواجهة الاضطرابات الداخلية التي تحتاج للطائرات العمودية والاسلحة الخفيفة، الامر الذي يطرح تساؤلات اخلاقية حول الايديولوجية العسكرية لدى الانظمة العربية. وما لم تتحسن اوضاع المنطقة وعلاقات شعوبها بانظمتها السياسية فسيستمر هذا النزيف الخطير للخزائن المالية، ومعه تداعي الاوضاع الامنية والسياسية داخل البلدان نفسها ومع الدول الشقيقة الاخرى. انها ظاهرة مرعبة ومرفوضة تحتاج لاعادة بلورة باتجاه آخر يخلو من التصدي للاخوة بدعوى انهم اعداء، ويستهدف العدوان والاحتلال والارهاب وليس طلاب الحق وعشاق الحرية.

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

د. سعيد الشهابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية