بيروت ـ «القدس العربي»: «ألاقي زيّك فين يا علي»، عنوان لعرض مسرحي بدأ يلعب في بيروت ـ مسرح بابل. عرض يدفع لجملة أسئلة عن البطل: هل هو علي طه؟ رائدة، فتحية، أبو عمّار أم العمة سهيلة؟ احتشدوا جميعهم داخل شرايين رائدة طه، وظلوا يضغطون، حتى تحقق الانفجار. بَحَثت، استمعت، سألت، واستجمعت ذكريات الطفولة، وكتبت نصاً شفافاً غسل روحها. إنها رائدة طه ترفع الغطاء عن جراح طفولتها وبداية شبابها. عن يتمها الذي لم يعوضه «أبو عمّار» ياسر عرفات بوهبه لقب أبوته لليتيمات الأربع. الأب شهيد. الابنة تكره رحيله. هو الشهيد البطل، والشهداء الأبطال، يفقدون بعضاً من هالتهم، ويؤنسنون على خشبة بابل.
في سيرة بطولة علي طه واستشهاده، أنه خطف سنة 1972 طائرة سويسرية إلى مطار اللد «بن غوريون» حالياً، مطالباً بتحرير 100 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال. استشهد بعد اقتحام الطائرة ومعه رفيقه عبد العزيز الأطرش من قبل كومندوس قاده نتنياهو، وسجنت تريز هلسا، وريما عيسى، اللتان حررتا في عملية تبادل سنة 1982. كان علي بعمر الـ33، من مواليد القدس، ترك زوجة بعمر الـ27، وأربع فتيات أكبرهن رائدة بعمر سبع سنوات، وشقيقتها الصغرى بعمر ثمانية أشهر. وبدأ مسار الحياة الملبدة لبنات الشهيد وزوجته.
مع تلك الفرجة المستحضرة لنوستالجيا السياسة والثورة، في بدايات السبعينيات من القرن الماضي، ومن بيروت تحديداً، أتى الإنصات بطعم مر.
انصات لا يتلاعب بين صعود ونزول، بل يحافظ على وتيرة الشغف نفسه منذ لحظة ولوج الممثلة المسرح، لتستقر على الكنبة، وتبدأ مونولوجاتها. هذه الكنبة شكلت الديكور الوحيد، مع شاشة تتبدل مشاهدها، دعماً للحظة المسرح. تأسر رائدة طه المتلقي باختيارها مع المخرجة لينا أبيض بدء الفرجة بمحاولة اغتصابها وهي في الـ22 من عمرها. المجرم من فريق أبو عمّار ـ رائدة كانت سكرتيرة صحافية له ـ وهذا لم يمنحها الحماية. منذ النفس الأول صوبت على صورة الأب، غيابه، وحاجتها إليه كسند. وثابرت على ولوج أعماق ومفاعيل الشهادة واليتم، مباشرة من دون «بارافنات» ولا أقنعة. «فيّ إشي انكسر فيي.. كرهتو لعلي.. وكل ليلة كنت أحلم علي عم يضرب هيدا الحقير.. لأول مرة أشعر أني بدون سند.. هدا هو اليتم بعينو».
لملمت رائدة ككاتبة للنص حكايات عرضها المشوق بالبحث في أرشيف العائلة. رسالة علي طه قبل تنفيذ العملية، رسائله السابقة لفتحية ـ زوجته ـ الصور، الذكريات، من الأم التي سكنت بيروت ومن ثم عمّان. من العمة سهيلة في القدس، التي نذرت ألا يطأ جسدها غطاء لا صيفا ولا شتاء، حتى تُخرج علي من صقيع البراد. حكايات بطلاتها نساء. من فتحية إلى سهيلة. هذه «السهيلة» أخت الرجال، طرقت الأبواب في فلسطين المحتلة من غولدا مائير، إلى زوار فلسطين كورت فالدهايم ـ الأمين العام للأمم المتحدة حينها ـ وأخيراً كيسنجر. أطاحت بالنساء والرجال من حاشيته، وسلمته رسالتها. لم تمض ساعات حتى جاءها الطلب: تستلمين الجثمان صباح الغد. دفن علي في الخليل ـ في القدس لا يدفن المخربون ـ وبعدها عادت سهيلة إلى منزلها، والبرد يسحق عظامها، وصرخت في عز الحر «دخيلكو غطوني».
منذ لحظة حلولها على المسرح تمكنت رائدة علي طه من الإمساك بحركة النفس لدى الحضور. وبالتدريج راحت قدراتها على الجذب تتضاعف. لم تستجد في ولوجها إلى الناس أيا من عوامل السياسة، أو أيا من مفاتيح القضية الفلسطينية. فقط استحضرت العائلة، الزوجة الصبية، البنات الصغيرات، والعمة المسكونة بصقيع أخيها، وأتت بهن إلى المسرح. هذا الإشراك الفني الإنساني للآخرين بحياة رائدة طه، وبما خلّفه اليتم من ندوب في روحها، ربما صوب لتكون وبعمرها الحالي، ممسكة بحياتها.
حكاية صاغتها رائدة ممزوجة باللحم الحي. اصطادت من والدتها وعمتها وذكرياتها، الموجع والمضحك. المؤلم والساخر، وانسابت في سرد مونولوجاتها بكل ما تضمنته من أسى وحزن، من وجع وطرافة.. من دون أي تكلف أو استجداء، خلقت رائدة طه من سيرتها ما يشبه الهم الجماعي، ليس فقط لفئة عمرية عاصرت مرحلة الكفاح المسلح من أجل تحرير فلسطين، بل شاركهم في هذا الهم، الشباب من الذين ولدوا بعد الاجتياح الصهيوني سنة 1982. أدت الممثلة دورها الذي هو جزء من ماضيها وحاضرها، وهذا ما يفترض أن يكون ذروة في الاحساس والشفافية والصدق. وصلت الحدود القصوى في الألم لحظة تجسيدها لحسد صديقتها من يتمها. عُلّق على صدرها «إيتيكيت ابنة شهيد». صار السفر كثيرا لتمثيل ابناء الشهداء. رقصت الدبكة على إيقاع «طل سلاحي من جراحي»، بانفعال تراجيدي، حاكم الشهادة، وحاكم القضية، ولعن اليتم. والقاضي، روحها المعذبة بحثاً عن الأب. بكل هذا الحب ظهّرت لينا أبيض على المسرح حكاية بطلتها. تركتها تنساب من دون أن تشوش عليها، بما يطلقون عليه سلطة المخرج. تدخلت بدعم النص عبر صورة الشاشة. وجعلت من صوت عبد
الحليم حافظ ـ علي طه يشبهه ـ خلفية يستند إليها العرض قبل انطلاقه، وهذا ما ساهم ضمن حدود، بوضع الجمهور الحاشد في المسرح، في حالة حنين مسبقة.
خففت رائدة أعباء السنين الرابضة على قلبها، ومسرحتها بحضور آسر، ومرن، صوتاً وجسداً. تقمصت الأصوات والشخصيات بجدارة. كانت حيناً أبو عمّار، وآخر فتحية أو سهيلة، أو سائر الـ»عمو» الذين حاولوا العطف على يتمهنّ. وجدت من جرح الشهادة واليتم ما يلون الحياة، بنكهة كوميدية سوداء حتى البكاء المر. قد يتجرأ ظن على التخيل بأن رائدة طه، حطّمت هالة الشهيد، أو هي تبرأت من فلسطين التي كانت تشعر يومياً «أني مع جزء من فلسطين»، لكونها من فريق الراحل ياسر عرفات. فمن القدس ظهرت العمة سهيلة عبر الشاشة تغني بفخر «ألاقي زيّك فين يا علي». ورائدة تختم حكايتها «رجعت عالقدس لأنو علي مش راح يموت إلا لما أنا موت».
سبق لرائدة طه أن لعبت في مسرحية «عائد إلى حيفا» و«80 درجة».
زهرة مرعي