إنعام كجه جي… الهوية المسيحية وسردية الوقائع العراقية

حجم الخط
0

الوقائع العراقية مثيرة للجدل، وباعثة على مقاربات يختلط فيها التاريخي مع السرد، واليومي مع العمومي، والسياسي مع الاجتماعي، وبما يضع هذه الوقائع عند عتبة المحنة دائما، حيث عطالة الدولة ورعب الجماعات، وتشظي الهويات، وحيث انكسار سحرية الجسد الوطني.
إنعام كجه جي صانعة الريبوتاج الصحافي تصنع أفقا سرديا للمضمر من سرديات تلك الوقائع، إذ يتحول هذا السرد إلى شهادة وإلى تتبع لسيرة الهويات المجهضة في الديموغرافيا العراقية، وإلى مراقبة قاسية لحمولاتها الرمزية والتاريخية، وحتى الدينية بوصفها جزءا من سسيولوجيا الرعب العراقي. مثلما تحولت مغامرتها في استعادة السرد خطابا تطهيريا لمواجهة التاريخ، وإلى وعي شقي لأرخنة سيرة الوقائع والهويات عبر تقصي تاريخ تشكل تموضعاتها في النظام الاجتماعي للدولة العراقية المعاصرة، وعبر تتبع تاريخ صراعاتها وأوهامها العالقة بذاكرة المدن العراقية.
تكتب إنعام كجه جي تاريخا يخصها، تاريخا لهويتها المقصية، وإذ وجدت في هذا التاريخ مساحات للإشهار، فإنها وضعت السرد بوصفه الحكائي أو حتى (الريبورتاجي) أمام مدونات إشهارية لامرأة عراقية أرادت أن تموضع الزمن العراقي وسردياته الموحشة في سردية اللغة وفي سردية الكاميرا.. في روايتها «الحفيدة الأمريكية» تقف عند لحظة تاريخية فارقة، لتتقصى محنة الإنسان، تقارب وعيه إزاء الفجيعة، وتلامس أسئلته بوصفها مكاشفة للرعب والموت والبحث عن الوجود، تفترض لخطابها السردي نوعا من التمثيل الذي يكشف عن نسقية المضمر للهوية المسيحية في العراق، تلك الهوية التي عاشت مفارقات المكان واللغة والدين والعلاقة مع الآخر، مثلما عاشت رهاب ذهنية التحريم.. اللعبة السردية في هذه المعايشة انخرطت في تمثيل التاريخ، وتمثيل ما تعانيه الشخصية المسيحية من استلاب، إذ هي تعيش فوبيا الخلاص، وفوبيا البحث عن الهوية، وإلى مقاربة عميقة لأسرار ما يحمله الكائن من شفرات، وما يثيره التاريخ من استغوار لسيرة مسكونة بهواجس الخراب والموت..
الحفيدة تروي هذه السيرة بوصفها تمثيلا لانشطارها العميق، وتتوه بحثا عن المعنى من خلال التاريخ والذاكرة والأثر، وإذ تكون البطلة حاضرة بهذا الوعي الشقي، فإنها أكثر انشدادا للتعبير عن محمولاتها الرمزية والعلاماتية، تلك التي تظل أشبه بجرح نرجسي غائر في الجسد والوجود..
الرواية تهجس بالصراع بين ذاكرتين، ذاكرة الحفيدة (زينة جرجس الساعور) التي تأتي مع قوات الاحتلال بصفة مترجمة ومجندة، وذاكرة الجدة (رحمة) التي تختزن وقائع عراقية لها ذكرياتها ولغتها وتفاصيلها، ولها مقدسها العالق في بيت العائلة القديم، إذ يتحول هذا الهاجس إلى لعبة مرعبة في الاستعادة والمواجهة مع مفاهيم ملتبسة وغامضة مثل الوطن والهوية والذاكرة والدين، إذ تختزن المسيحية صورة شاحبة عنها، وعن سيرتها وحكاياتها السريانية والعربية والكلدانية، وهي شفرات لبحث البطلة عن النسق المضمر لما هو غائب في التاريخ والذاكرة وفي الأمكنة/ المدن/ الكنائس..
ولعل رفض الجدة رحمة لمهنة حفيدتها وتمسكها بذاكرتها يكشف عن علاقة الشخصية العراقية الأصيلة بصورة إنثربولوجية للوطن/ القرابي، والوطني الحسي، وهو ما يجعلها تواجه الحفيدة بقوة، لأن الاحتلال لا يعني إلاّ عنفا قصديا لتخريب سيرة الإنثربولوجيا العراقية، وأن سجونه وعنفه تشبه الرعب الذي يمكن أن يصنعه الاستبداد ذاته، استبداد أي قوة مهيمنة- دينية، عصابية، عسكرية، احتلالية – وهو ما ينعكس على طبيعة حياة الحفيدة زينة، وهي تعود إلى مدينتها الأمريكية ديترويت، وأحسب أن موت الجدة هو شفرة القطيعة التي تصطنعها الروائية كموجّه سردي لقطيعة وجودية تتمثلها عبر ايحاءات نفسية وانفعالية تعيش سيرتها الحفيدة، وتثير من خلالها الكثير من استعادات الأمكنة والذاكرة في اليوميات البغدادية الغائمة تحت وحشة الاحتلال…
وفي روايتها الساحرة «طشاري» تترسم إنعام كجه جي اغترابات المسيحي العراقي في الداخل والخارج، وتلامس محنة هويته القلقة، الهوية المصابة بـ(الطشار) باللهجة البغدادية الشعبية، التي يتشظى مريدوها في المهاجر بحثا عن لحظة أمان مشوهة وغائمة، لكنهم يظلون الأكثر انشدادا للوجود الغامر في الذاكرة والتفاصيل واليوميات العالقة بالمكان…
حكاية الطبيبة وردية في المكان العراقية تمثل شهادة انحياز للذاكرة العراقية، إذ تعيش وهي المسيحية المنحدرة من عائلة موصلّية إلى مدينة جنوبية – الديوانية- بما يعيدنا إلى سيرة البطل/ البطلة التي كتب عن سيرته المتحولة في الأمكنة، روائيون مثل توفيق الحكيم ويحيى حقي، إذ يرصد هذا البطل عوالم المدينة ببساطة حيواتها، وعدم حساسيتهم من الغريب والمفارق عنهم دينيا، وكأن سردية هذه الاستعادة هو الفعل المضاد لما حدث بعد عام 2003 والذي تشظت من خلاله الوقائع العراقية، وتفككت حيواتها وأمكنتها إلى حيوات صغيرة مرعبة ومرعوبة، وهو ما يجعلها أمام حصار نفسي يساكنها بهاجس الرحيل إلى فرنسا، ولكنه يضعها بالمقابل أمام هاجس ضدي للتشظي الداخلي بين الذاكرة والحاضر، أو بين المكان المحتمل/فرنسا، والمكان الذاكرة برمزيته وحمولاته وإيقوناته وشواهده، وهو ما تصطنع له الروائية معالجة (واقع سحرية) من خلال ابتكار حفيد الطبيبة وردة للمقبرة الافتراضية، تلك التي تضم الموتى من العائلة بمن فيهم زوجها الراحل..
شهادات كجه جي الروائية تستدعي القراءة ليس بوصفها مغامرة في السرديات العراقية، بل لأنها تحوز لحظة وعي ظاهراتي متعال، يستعيد الواقع والظواهر والصراعات الهوياتية إلى السرد، ويشحنه بقوة ساحرة، تلك التي تقوم على فاعلية الكشف والتعرية الصادمة، وتبيح للقراءة مجالا لاستكشاف المضمر والعميق في الصراعات، وفي اللحظات الحميمة وفي التماس التعبير عن شفرة رفض لما جرى من وقائع سياسية، فهي رحلة كشف وتعرية لسيرة التاريخ القريب، ولسيرة صراعاته الغامرة بأثقال نفسية، تلك التي كشفت عن حجم ما كان يحكم اللحظة العراقية من رعب وخوف وصراعات تفجرت يومياتها الصراعية بعد الدخول الأمريكي إلى العراق.. ورغم هذه السيرة السردية، لكن الروائية حرصت على تقديم نظرتها لهذه الأحداث والصراعات عبر نوع من الحيادية دونما حساسية سياسية أو تاريخية أو حتى دينية، وكأنها أرادت أن تستعير عين الكاميرا لتبئير فعل استعادتها للأحداث ولما جرى من تحولات سياسية وانقلابية عصفت بالحياة العراقية منذ عام 1958 ولغاية احتلال بغداد عام 2003…
ولعل ترشيح إنعام كجه جي ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر في الدورة السابقة تأكيد واضح ولافت للقيمة المميزة لروايتها «طشاري»، فضلا عن قيمتها التعبيرية بوصفها أثرا فنيا مميزا يستحق الالتفات إلى جدته وحيويته، وإلى خصوصية حمولته الرمزية، إذ تزاوج فيها بين الواقع والتخيل، وبين سردية الرواية وسردية الريبورتاج، تلك التي تخضعها لموجهات القراءة، ولكشوفات الذات العراقية وهي تبحث وسط لحظة عدم تاريخي عن وجود استعادي، تلك التي يجسدها الحفيد في مقبرته الإلكترونية…
تضعنا إنعام كجه جي أمام فضاء التعريف بالرواية العراقية الجديدة، ليس بمعنى تقانتها الفنية حسب، وانفتاحها على نسقيات المضمر العراقي، بل بجرأتها على تناول الأبعاد الإشكالية لموضوعات مهمة، وغائرة، لاسيما تلك التي تتعلق بأزمات التعاطي مع مفاهيم الهوية والذات والحرية والمهجر والآخر والحرب والاحتلال والحياة والموت، وهذه المفاهيم الإشكالية تتحول داخل السياق الروائي إلى عناصر مولدة وباعثة عن استكناه معان مغايرة للحياة، مثلما تعبّر عن وعي قرائي دال على عمق الرؤية، والاندفاع باتجاه تحويل الوعي الظاهراتي إلى قوة احتجاجية رافضة لهيمنة الموت ولقهريته الطاردة…

ناقد عراقي

علي حسن الفواز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية