مافيات الفساد توقع أكبر مصرف عراقي في فضيحة مالية

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: فضيحة مالية جديدة تشغل الرأي العام العراقي هذه الأيام، بعد إصدار القضاء قرارا بتغريم مصرف الرافدين الحكومي، مبلغ مالي ضخم لصالح شركة تقنيات خاصة مثيرة للجدل، وسط اتهامات بوجود شبهة فساد مالي، ما أثار عاصفة من الانتقادات لوزارة المالية ومصرف الرافدين، كون القضية شكل من أشكال الفساد المالي وهدر المال العام.

فقد اصدر القضاء العراقي قبل أيام، قرارا نص على تغريم مصرف الرافدين الحكومي، مبلغ 600 مليون دولار، لصالح شركة «بوابة عشتار» للنظم والدفع الإلكتروني الخاصة، وذلك بعد قيام المصرف بفسخ عقد مع الشركة، على الرغم من وجود شرط جزائي بدفع المبلغ من قبل أي طرف يخل بشروط العقد، ما أثار شكوكاً وتساؤلات عن مبررات إقدام المصرف على هذه الخطوة، وتحميل نفسه التبعات القانونية والمالية.
ووصف اقتصاديون وسياسيون، الحكم الصادر عن القضاء العراقي، بانه «فضيحة العام» المالية التي تكشفت عن حجم التلاعب في العقود المبرمة بين القطاع العام (الحكومي) والخاص في دولة تتصدر منذ سنوات لوائح الفساد العالمية، فيما كشفت القضية جانبا من نشاطات (المكاتب الاقتصادية) لبعض أحزاب السلطة والفصائل المسلحة في الهيمنة على ثروات البلاد.
وقالت عضو لجنة النزاهة النيابية سروة عبد الواحد، في تعليق على قرار التغريم، إن «تعويض شركة حديثة يشوبها الفساد بـ600 مليون دولار من أموال الشعب هو ليس المرة الأولى لتحايل الشركات على القانون، لذا نقوم في لجنة النزاهة بفتح جميع ملفات التعويضات السابقة أيضا».
ومن جانبها أعلنت هيئة النزاهة، اتخاذ إجراءاتها بشأن قضية العقد المبرم بين مصرف الرافدين وإحدى شركات الدفع الإلكتروني. وذكرت الهيئة، في بيان، أنه تم ربط القضية الواردة إليها من أحد أعضاء مجلس النواب (لجنة النزاهة النيابية) مع إحدى القضايا التي سبق أن حققت فيها، لاشتراكهما في الموضوع الخاص بالمخالفات في العقد المبرم بين المصرف والشركة. وأوضحت أنها طلبت أخذ إفادة الممثل القانوني لمصرف الرافدين وتوصيات التحقيق الإداري المؤلف في وزارة المالية . ولفت البيان إلى أن «الهيئة خاطبت مصرف الرافدين لتزويدها بالتحقيق الإداري وحضور ممثلهم القانوني، ولم ترد الإجابة».
وأشار البيان إلى أن تقرير ديوان الرقابة المالية الاتحادي «أشَّر بدوره وجود مخالفة تمثلت بمنح البنك المركزي إجازة للشركة أفضت إلى التسبب في تمرير العقد، على الرغم من صدور قرارات البنك المركزي بإيقاف ترويج طلبات شركات الدفع الإلكتروني».

الموقف الحكومي

وازاء موجة الغضب الشعبي والانتقادات الموجهة للحكومة، حيال هذه القضية، بادرت السلطات المالية والرقابية والمصرفية إلى التحرك لامتصاص النقمة الجماهيرية، حيث عقد وزير المالية علي عبد الأمير علاوي ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، اجتماعا لبحث «الإشكاليات القانونية الخاصة بالعقود الموقعة مع شركات القطاع الخاص، ودور القضاء في تصحيح الأخطاء المثارة بخصوص تلك العقود والتعاون من أجل الحفاظ على المال العام» طبقاً لبيان صدر عقب الاجتماع.
وبدوره قام القضاء باستدعاء مدير مصرف الرافدين ومدراء عدة بنوك حكومية تتعامل مع الشركات الخاصة لبحث التجاوزات والثغرات في التعليمات المالية، التي تستغلها تلك الشركات للحصول على أموال الدولة.
أما مواقف طرفي القضية، فإن مصرف الرافدين الحكومي، أصدر بيانا أعلن فيه إنه «كانت لديه الحاجة إلى التعاقد مع أكثر من شركة دفع إلكتروني آنذاك لتوسيع قاعدة التنافس على تقديم أفضل الخدمات للمواطنين وبأسعار مقبولة، حيث تم على أثر ذلك توجيه دعوات إلى شركات دفع إلكتروني مجازة من قبل البنك المركزي العراقي لتقديم عروضها». واقر المصرف أن «العقد الذي تم إبرامه مع شركة بوابة عشتار كان في عام 2021 من قبل المدير العام الأسبق للمصرف قبل استحصال موافقة الوزارة وفق الأصول على صيغة العقد، قد خالف الكثير من الشروط الفنية السابقة التي كانت الوزارة قد حددتها لمقدمي العطاءات». وتابع المصرف انه قام بإبلاغ وزارة المالية بإبرام العقد، «ووجّه الوزير بإعادة تدقيق العقد لمصلحة الوزارة أو بإلغائه إذا تطلب الأمر». وخلص بيان المصرف إلى أنه قام بـ«إحالة الموضوع للتحقيق مع سحب يد المدير العام الأسبق للمصرف حينها مع إحالة الملف إلى هيئة النزاهة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المقصر».
شركة «بوابة عشتار» ردت بدورها على الانتقادات، مؤكدة أنها انتهجت السبل القانونية في رفع الدعوى ضد المصرف، بسبب إخلاله ببنود العقد. وقالت الشركة، في بيانها، إنها «شركة عراقية مرخصة من البنك المركزي» وأن «العقد موقع مع المصرف في عام 2021 لتقديم خدمات الدفع الإلكتروني، لعدم وجود قاعدة بيانات صحيحة يمتلكها المصرف» حسب ادعاء الشركة.
وأوضحت أن «الشركة حاولت مقابلة أصحاب القرار بوزارة المالية ومصرف الرافدين لتنفيذ العقد، لكن دون جدوى، وتم توجيه إنذار نهائي إلى مصرف الرافدين، بعزمنا على التوجه إلى القضاء في حالة إصرار المصرف على عدم تنفيذ بنود العقد، وكان الذهاب إلى القضاء ملاذنا الأخير» كما ادعت الشركة انها تتعرض إلى ابتزاز من مواقع مدعومة من جهات سياسية لصالح شركات منافسة.
وازاء ردود الأفعال الشعبية والضغوط السياسية وخوفا من فتح ملفات عن نشاطات شركة بوابة عشتار، ومن أجل استمرار عقدها مع المصرف، فإن إدارة الشركة، قررت إسقاط الدعوى المقامة ضد مصرف الرافدين بتغريمه 600 مليون دولار، بحجة «الحرص على سمعة الشركة ومصرف الرافدين!».

شبهة الفساد والتلاعب

ويؤكد مختصون أن الحكم القضائي الصادر لا شبهة فيه، لكن الشبهة تتمثل في توقيع المصرف على الشرط الجزائي ومن ثم إخلاله بالشرط، رغم أن الشرط الجزائي واضح، والمستغرب ان تقدم إدارة المصرف (الأقدم في العراق) على فسخ العقد مع علمها بالشرط الجزائي، وكأنها تتعمد منح الشركة المبلغ المحدد.
وكانت النائبة عالية نصيف، أكثر وضوحا ازاء القضية، عندما طالبت الادعاء العام وهيئة النزاهة بالتصدي لطرق الفساد المبتكرة والمتضمنة إبرام عقود تحتوي على خلل متعمد ووضع شرط جزائي لجعل الشركات قادرة على تغريم الدولة.
وقالت نصيف «إن فضيحة عقد شركة بوابة عشتار الوهمية مع مصرف الرافدين تعد ابتكاراً جديداً لنوع من أنواع الفساد يتمثل في إبرام عقد يتضمن خللاً وجعل الشركة تستفيد من الشرط الجزائي الذي يسمح بإقامة دعوى قضائية وتغرم الدولة مبالغ ضخمة» مبينة «ان هذا العقد تقف وراءه جهة متنفذة ستحصل على الـ 600 مليون دولار» وداعية القضاء إلى إلقاء القبض على المشتركين في (فضيحة بوابة عشتار) ومحاكمتهم و«أن لا يتم نسيان القضية بعد فترة قصيرة».
فيما قدم عضو لجنة النزاهة النيابية هادي السلامي، شكوى إلى الادعاء العام ضد وزير المالية ومدير مصرف الرافدين بسبب الفساد في عقد شركة بوابة عشتار. واتهم السلامي مصرف الرافدين بتعمد الإخلال ببنود العقد من أجل دفع هذا المبلغ إلى الشركة في إطار عملية الفساد والكسب غير المشروع للمال، محملا وزير المالية مسؤولية هذه القضية.

المكاتب الاقتصادية للأحزاب

ومن جانب اخر، كشفت التسريبات في مواقع التواصل الاجتماعي، معلومات عن شركة بوابة عشتار التي يديرها شخص كان يعمل عاملا بسيطا ولكنه أصبح اليوم مليارديرا يدير عدة مصارف أهلية تتحكم في نافذة بيع الدولار في البنك المركزي، كما أكدت وجود صلات قوية لهذه البنوك بأحزاب في السلطة وفصائل ولائية، متهمة بالقيام بتهريب مليارات الدولارات سنويا إلى خارج العراق ضمن نشاطات المكاتب الاقتصادية التي شكلتها تلك الأحزاب لهذا الغرض.
ويذكر ان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وضمن حملته الأخيرة، قد حذر من النشاطات المشبوهة لبعض البنوك الخاصة، داعيا إلى التحقيق في قيامها بتهريب الأموال الطائلة إلى خارج البلد.
وفيما استغلت جهات سياسية منافسة للحكومة هذه القضية لشن هجوم حاد على رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، متهمة حكومته بالتساهل في مكافحة الفساد المستشري في دوائر الدولة وتعيين أشخاص غير اكفاء موالين للأحزاب في مواقع حساسة، فإن هذه القضية نالت اهتماما كبيرا من العراقيين، ليس باعتبارها شكلا جديدا للفساد ونهب المال العام فحسب، بل لأنها كشفت أيضا جانبا من نشاطات المكاتب الاقتصادية التي أنشأتها بعض أحزاب السلطة وفصائلها المسلحة، كوسيلة لنهب الثروات وارسالها إلى الخارج، من خلال عدة آليات منها عقد الصفقات المالية المشبوهة، أو مزاد العملة في البنك المركزي، أو هيمنة بعض أحزاب السلطة على عائدات المنافذ الحدودية الحكومية، أو سيطرتها على أرصفة الموانئ، وغيرها من ملفات نهب المال العام، التي تعجز الحكومة عن الحد منها لكون مافيات الفساد مدعومة من قوى سياسية متنفذة وفصائل مسلحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية