يخاطب مواطن من مدينة نابلس بالضفة الغربية في فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي المسؤولين الفلسطينيين الذين أموا بيت عزاء الشهيد ابراهيم النابلسي ورفاقه الذين سقطوا برصاص الجيش الإسرائيلي مؤخرا ويقول «لا نريد منكم الحضور لبيوت العزاء، نريد منكم وقفها».
يحاكي هذا الخطاب البسيط المباشر، واقعا ثقيلا مريرا متواصلا. وليس الهجوم الإسرائيلي الأخير المكثف على غزة والضفة الغربية، سوى جولة جديدة في هذا الواقع: ضحايا فلسطينيون أكثر والمزيد من المعاناة، مقابل إنجازات أقل.
بل إن الجولة التي شهدت قصفا جويا قويا على قطاع غزة أوقع ضحايا ودمارا في الممتلكات، شهدت خروجا غير مسبوق، من حركة حماس الإسلامية عن المشاركة في القتال الذي زعمت إسرائيل أنه يستهدف حركة الجهاد الإسلامي وحسب.
وحدث أن شمل الهجوم الإسرائيلي كذلك، مدينة نابلس في الضفة الغربية والتي تصنف منطقة سيادة فلسطينية، حيث داهمت قوة كبيرة مدججة من الجيش الإسرائيلي البلدة القديمة فيها وحاصرت إحدى منازلها وقصفته في هجوم أدى إلى مقتل النابلسي ورفاقه.
ولم يكن بوسع السلطة الفلسطينية التي تقودها حركة فتح، أن تفعل أكثر مما تقوم به غداة كل هجوم إسرائيلي جديد، أن تندد به وأن تدعو المجتمع الدولي للتحرك ووقف اعتداءات إسرائيل. اللافت هذه المرة، هو صمت حماس التي تعتبر رأس حربة المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، وإنكفاء موقفها فقط في التنديد بالعدوان ومطالبة العالم بمساعدة غزة، والعمل على إعادة إعمارها. وليس غريبا في ضوء ذلك، أن يخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي، يائير لابيد، ليقول إن إسرائيل «لن تعتذر» عن عدوانها الذي أدى إلى مقتل أطفال ونساء ومدنيين في الهجوم الذي استهدف أيضا اغتيال قائدين من قادة حركة الجهاد الإسلامي في غزة. إسرائيل كانت استعدت «لتبرير» عدوانها من خلال حملة منظمة لاستدعاء هجوم من حركة الجهاد الإسلامي في الشهرين الماضيين. وقد بدأت ذلك بالترويج لوجود كتيبة للجهاد في مخيم جنين بمدينة جنين بالضفة الغربية، حيث درج مقاتلون شبان هناك على تنفيذ هجمات ضد أهداف عسكرية إسرائيلية ومستوطنين.
ونفذ الجيش الإسرائيلي في غضون ذلك سلسلة عمليات اغتيال بحق المقاتلين الفلسطينيين في كل من جنين ومدينة نابلس وزعم أن مجموعة من المقاتلين من مختلف الفصائل الفلسطينية، وبتحريض أكبر من الجهاد يخططون ويشنون هجمات.
وقبل أيام من العدوان الأخير، اعتقلت القوات الإسرائيلية الشيخ بسام السعدي، أبرز قادة الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية في عملية ترافقت مع بث فيديو يظهر اعتداء الجنود الإسرائيليين على السعدي. ولم تمر ساعات قليلة حتى راح زعيم حركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة ونائبه في إطلاق تصريحات غاضبة تندد باعتقال السعدي ومطالبة بإطلاق سراحه، وإلا الانتقام.
وقد تحول ذلك كله في وقت قصير إلى حملة تحريض إعلامية إسرائيلية على نطاق واسع ضد الجهاد الإسلامي، مستغلة العلاقة بين الجهاد وإيران، ولم تلبث الحملة وتحولت إلى هجوم جوي على غزة استهدف قياديا بارزا في الجهاد، ثم تحول إلى هجوم واسع على القطاع.
وكتب المراسل العسكري في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية يقول «منذ لحظة اعتقال القيادي في الجهاد بسام السعدي، وما تعرض له خلال العملية ونشر مقاطع فيديو لذلك، كان الإفتراض القائم أن أمين عام الجهاد الإسلامي زياد النخالة المتواجد في طهران حينها، هو من اتخذ قرار الانتقام، وكان قرارا عاطفيا أمام ما نشر من مشاهد لاعتقال السعدي».
وحرصت إسرائيل منذ اللحظة الأولى للهجوم على التأكيد أنها تستهدف حركة الجهاد الإسلامي فقط، وأنها توحي بذلك أن لا مشكلة لها مع فصائل المقاومة الأخرى لاسيما حركة حماس، وبالتالي عدم استدراجها للقتال.
قد لا يبدو الخطاب الإسرائيلي هذا غريبا، وهي التي طالما روجت لمواصلة احتلالها لفلسطين وللتنكيل بالفلسطينيين بحجة الدفاع عن النفس وحماية مواطنيها وأمنها في وجه المقاومة الفلسطينية، لكن المشهد الأخير يستدعي التدقيق أكثر.
وهو مشهد يضج بقدرة إسرائيل المتزايدة في إلحاق أقصى درجات الأذى والدمار بوحدة الفلسطينيين الرخوة، وفي قدرتهم على وضع حد للاحتلال الإسرائيلي، الأطول في التاريخ الحديث، في المدى المنظور.
وحول ذلك يقول الكاتب الفلسطيني أكرم عطا الله «هنا القصة التي تستدعي التوقف أمام العقل السياسي الفلسطيني لفتح تاريخ أطول من كمائن الاستدراج التي تمكنت إسرائيل من تهيئتها للفلسطينيين».
وفي هذا السياق نشر موقع «ديفنس» الإسرائيلي يقول «أن هناك خوفا من أن النجاح سيشجع الحكومة على أن تقول لنفسها: لقد نجحنا. صفر إصابات، عملية قصيرة، أضرار جسيمة للجهاد، القضاء على قادتها، أضرار اقتصادية طفيفة لسكان إسرائيل. وهذا النجاح قد يخلق شعوراً بالرضا».
وليس هذا وحده ما شجع الحكومة الحالية في إسرائيل، والحكومات السابقة أيضا على مواصلة استهداف الفلسطينيين والتنكيل بهم على مرأى ومسمع من العالم، ومن قياداتهم أيضا، بل إن استمرار تردي الوضع، بفعل حصار وإجراءات الاحتلال في كل من غزة والضفة، والصمت الدولي، كل ذلك يسهم أيضا في الضغط على أولويات المقاومة.
وكتب عبد المجيد سويلم في «صحيفة الأيام»: يقول «باختصار، فإن مشروع المقاومة القائم على استراتيجية الصواريخ بات مرهوناً بالظروف المزرية في القطاع، وبأولويات حماس للحفاظ على سلطتها في القطاع مهما كلف الثمن، وبات مرهوناً بحرية إسرائيل المطلقة بضرب القطاع بالشكل والقدر الذي تحدده وتخطط له».
وأضاف «وستصبح هذه الاستراتيجية في وضعٍ أكثر صعوبة، وستدخل في مأزق كبير إذا ما تم تحسين أوضاع القطاع. بل وإن تحويل قدرات المقاومة الصاروخية إلى قدراتٍ دفاعية بات يخضع لمعادلة السلطة».
الضفة الغربية ليست استثناء، وقد أظهرت عمليات الاغتيال المتكررة التي استهدفت مقاتلين فلسطينيين في وضح النهار وفي وسط المدن الفلسطينية التي يفترض أن تتمتع بسيادة كاملة، إمعانا إسرائيليا في الهجوم.
ولا يكاد يمر يوم دون قيام الجيش الإسرائيلي بحملات اعتقال في مختلف مناطق الضفة الغربية بحق ناشطين فلسطينيين.
وقال سويلم «وفي الضفة كذلك، فإن مشروع المقاومة المسلحة تحديداً محظور وملاحق، والمسموح به هو المقاومة الشعبية فقط وضمن حدود معينة، مع فارق أن جزءاً كبيراً من الأعمال المسلحة يقع خارج نطاق السلطة الوطنية في الضفة، وليس للسلطة عليها السيطرة الكاملة، ولا حتى الجزئية أحياناً».