الناصرة ـ «القدس العربي»: منذ أن انتهت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على الجهاد الإسلامي وعلى قطاع غزة وعلى كل الشعب الفلسطيني في نهاية المطاف، تتواصل النقاشات في الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني وهناك صوت متصاعد يدعو فيه مراقبون من الجهتين لاستخلاص الدروس ولا يكتفون بالإشارة للنتائج الإيجابية فقط بل يشيرون للمثالب والمخاطر. بعد عملية «الحزام الأسود» واغتيال القيادي الجهادي الشهيد بهاء أبو العطا عام 2019 وللمرة الثانية في السنوات القليلة الأخيرة وجد «الجهاد الإسلامي» نفسه أمام مواجهة مباشرة مع قوات الاحتلال بدون أن تشاركه حركة «حماس» بعكس عملية «سيف القدس» التي جاءت في 2021 ردا على الانتهاكات في القدس والتي تشاركت بها منظمتا المقاومة فباغتتا إسرائيل وأربكتاها منذ اللحظة الأولى ونجحتا في بناء ميزان رعب وميزان قوى جديد أمامها خاصة أن الرياح جرت بما لا تشتهيه السفن الإسرائيلية، فتجلت وحدة الفلسطينيين بشكل غير مسبوق بينما كان الاحتلال يرغب بتكريس وتعميق الانفصال والانقسام وإنشاء جماعات فلسطينية متباعدة. للمرة الأولى ضمن جولات الحروب مع غزة منذ محاصرتها عام 2007 لم تتعرض إسرائيل لخسائر بشرية رغم نجاح «الجهاد الإسلامي» بإطلاق أكثر من 1000 صاروخ طالت مدنا إسرائيلية كثيرة مقابل قتل عشرات الفلسطينيين وإصابة عدد كبير منهم في القطاع وفي نابلس وبقية الضفة الغربية في اليوم التالي ما يترك علامات سؤال حول الجدوى من انزلاق تنظيم لحرب مع دولة معززة بترسانة أسلحة وتتصرف بوحشية خاصة وأن حكومتها تخشى خسارة نقاط في انتخابات عامة ستجري قبيّل نهاية العام.
دعوة لتحديد المكاسب والخسائر وتقييم الصورة العامة الأوسع للمواجهة
هذه التساؤلات والدعوات للتقييم والمراجعة وترجيح العقل في مواجهة العدو وعدم الاكتفاء بصفة المحق أو صاحب الحق علما أن هذا لا يعني أن إسرائيل لم تتضرر من عدوانها الأخير من ناحية صورتها وهيبتها كما تؤكد تقييمات إسرائيلية كثيرة تواصل التحذير من مخاطر كثيرة مقابل غزة والمقاومة وكل الشعب الفلسطيني بل تقرّ بخسارات تعرضت لها في أربعة أيام المواجهة مع تنظيم واحد ووحيد، الجهاد الإسلامي.
ارحموا غزة
فلسطينيا ومقابل تأكيد الجهاد على نيلها من هيبة ومكانة إسرائيل طيلة أربعة أيام ولياليها هناك دعوات كثيرة في الرأي العام تدعو لمنح غزة فرصة لالتقاط نفسها وعدم تحميل أهلها حملا ينبغي أن يشارك فيه كل الشعب الفلسطيني لا سيما أنها ما زالت تنزف منذ الحرب الأخيرة عام 2021 وما زالت عشرات آلاف شققها السكنية مدمّرة منذ عدوان «الجرف الصامد» على القطاع في 2014.
ويعبّر عن هذه الرؤية النقدية الكاتب السياسي الفلسطيني ماجد الكيالي المشرف على منتدى «ملتقى فلسطين»(منتدى مثقفين فلسطينيين من الوطن والعالم) في مقال بعنوان «نقاش صريح يحتاجه الفلسطينيون بعد الحرب على غزة» يقول فيه في هذا المضمار: «لا بد من استراتيجية سياسية وكفاحية واضحة لشعب فلسطين، حتى لا يبقى كأنه حقل تجارب، أو حقل رماية، وحتى يستطيع ان يستثمر في كفاحه وتضحياته ومعاناته وبطولاته، وعلى أساس أن المقاومة، بكل أشكالها، هي فعل سياسي وكفاحي طويل الأمد يتأسس على استنزاف العدو لا استنزاف شعبنا أو تقويض استقراره وقدرته على الصمود في أرضه».
كيالي الذي يدعو منذ سنوات لتجديد استراتيجية الفلسطينيين وترشيد الخطاب السياسي الفلسطيني التقليدي المتقادم، يؤكد أن الفلسطينيين يحتاجون إلى نقاش صريح، ومعمق، ومسؤول، في كل شيء يتعلق بهم، بواقع مجتمعاتهم، كياناتهم، خطاباتهم، علاقاتهم، طرق كفاحهم، إدراكهم لماهية إسرائيل، وطريقة صراعهم معها، رؤيتهم لمكانتهم في الإطارين العربي والدولي، بعد كل هذا التدهور في أحوالهم. ويضيف «بمناسبة الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، ثمة ملاحظات أساسية من أهمها: أتت تلك الحرب بعد تجربة قاسية ومريرة وباهظة للفلسطينيين في أربعة حروب وحشية ومدمرة، شنتها إسرائيل عليهم (2008، و2012، و2014، و2021) وكلها ذهب ضحيتها حوالي 5000 من فلسطينيي القطاع، معظمهم من الشباب، مع إصابة عشرات الألوف بجروح مختلفة ضمنهم ضحايا الرصاص الإسرائيلي في تجربة مسيرات العودة (عامي 2018 ـ 2019)، هذا إضافة إلى تدمير معظم البنى التحتية وعشرات ألوف المنازل». ويتابع «معلوم أن قطاع غزة، الذي يقطنه مليونان من الفلسطينيين (من المناطق الأعلى كثافة في العالم) يفتقد إلى الموارد (الماء والكهرباء والمحروقات والمواد الطبية ومواد الإعمار) ونسبة البطالة والفقر فيه عالية جدا، ويبلغ دخل الفرد فيه 1200 دولار سنوياً، وهذا ثلث دخل الفرد في الضفة الغربية (متوسط دخل الفرد في إسرائيل 51 ألف دولار) وطبعا إسرائيل هي التي تتحمل المسؤولية الأساسية عن ذلك، باعتداءاتها على القطاع وحصارها له منذ 15 عاما، مع مسؤولية فلسطينية، ضمنها السلطة التي تدير القطاع.
وقفة مع الذات
وعلى هذه الحرب التي بادرت لها إسرائيل (مستغلة التوتر مع الجهاد الإسلامي بعدما هدد بالثأر لاعتقال مهين للشيخ بسام السعدي في جنين) يعلق أيضا زميله الكاتب المحلل أكرم عطا الله فيشير في مقال منشور في موقع «ملتقى فلسطين» لوجود استعراض ونشوة في إسرائيل بعد هجومها على غزة وتمكنها أخيراً من الوصول إلى قائد كتائب شهداء الأقصى في نابلس إبراهيم النابلسي. ويقول إنه على الجانب الآخر هناك حالة من الإحباط تسود في المجتمع الفلسطيني، غزة تبكي بصمت حتى لا يسمع الأعداء صوت دموعها. متسائلا هل كنا بحاجة إلى أحداث كهذه كي نقف أمام الراهن ونعود للعقل قليلاً فاتحين ما يكفي من الأسئلة المؤلمة التي أوجدتها مسيرة الهدم الذاتي للفصائل والقوى الفلسطينية وأفضت إلى هذا القدر من تشاؤم المستقبل؟
في إطار هذه الانتقادات التي توجه أحيانا للمقاومة الإسلامية بدافع فصائلي ضيق وأحيانا أخرى مساهمة نزيهة في تصويب المسيرة الفلسطينية، يقول عطا الله إن الدول والشعوب المنظمة التي تعرف ماذا تريد وتقرأ كل شيء بعقلها ليست بحاجة إلى مناخات ومقارنات وواقع يثقب عينها بوقائعه، لكن الشعوب البسيطة والعاطفية التي تعيش خيال الشعار بحاجة دوماً إلى رجّات عنيفة كي تستعيد توازنها الذهني لتقف أمام نفسها في لحظة الاختناق لتفكر في واقعها ومستقبلها الذي عادة ما تتركه للمصادفات والقدر. ويمضي عطا الله في مراجعته ودعوته الإصلاحية «بعد الأحداث المؤلمة تراجعت بل لم يعد هناك متسع للشعارات، إذ لم تعد تكفي رحابة اللغة العربية للتعمية على واقع ينزلق أكثر نحو المجهول، وينجر من دون أن يدري أو يدري إلى مساحات لم تكن تستحق كل الثمن المدفوع سابقاً بمغامرات غير محسوبة أو مساحات أصبحت من الوضوح أنها في تناقض مع المشروع الوطني برمته، لقد قيل هنا سابقاً مرات عديدة ولكن ربما كنا بحاجة إلى لحظة ما كي ندرك هشاشتنا العملية التي لم نكن ندركها نظرياً».
معاريف: الجولة المقبلة
إسرائيليا هللت وكبرت المؤسسة الأمنية والمستوى السياسي طبعا لنتائج الحرب واعتبرتها ناجحة تحققت فيها الأهداف المحددّة لها، وفي المقابل تتصاعد في إسرائيل أيضا الأصوات المحذّرة الداعية لرؤية الصورة على حقيقتها بدون تزوير واجتزاء. من جهته يؤكد الجنرال في الاحتياط تسفيكا حايموفيتس في مقال نشرته صحيفة «معاريف» أن «منظومة الدفاع الجوي بقادتها ورجالها، وعلى رأسهم بطاريات القبة الحديدية، جديرون بكل تقدير، فهم الذين حققوا ويحققون الفرق في النتائج الممتازة، وهم الذين يرفعون إلى الحد الأقصى قدرات المنظومة». لافتا إلى أن التكنولوجيا، مهما كانت متقدمة، ليس بوسعها أن تحقق هذه النتائج بدون العنصر البشري النوعي ويضيف «لكن وبعد أقوال المديح، يجدر بنا أن نضع أيام القتال لحملة بزوغ الفجر في السياق الصحيح، بحجومها، بنجاحاتها وأساساً أمام العدو الذي تصدينا له. في حالة النشوة التي سادت في الأيام الأخيرة يكمن خطر كبير ومضاعف: من جهة عدم الاكتراث والثقة الزائدة لدى الجمهور الإسرائيلي الذي في الحدث التالي لن يبدي المسؤولية إياها التي أبداها في أيام الحملة؛ ومن الجهة الأخرى قادة الدولة وقيادات الجيش الذين سيعتقدون ان هكذا ستبدو المعركة التالية – قصيرة، أحادية الجانب، عديمة المفاجآت، محدودة في نطاقها وبلا خسائر وإصابات ذات مغزى وليتها تكون كذلك».
ويقول إنه في تنسيق التوقعات بين الجيش والقيادة السياسية وبين كليهما والجمهور تغير حملة «بزوغ الفجر» نقطة العمل، وأساساً تخلق انحرافاً فظاً للواقع. وبرأيه يدور الحديث عن حملة مركزة، محدودة في نطاقها حيال «الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، وهو تنظيم من عدة آلاف من المسلحين فقط، ذو قدرات صاروخية محدودة. ويتابع «نحو 20 في المئة من الصواريخ التي أطلقت سقطت في أراضي قطاع غزة. هذه الحقيقة هي خليط من عدو مطارد ومضغوط ويطلق بشكل سريع وغير مهني، إلى جانب قوة سلاح غير نوعي بما يكفي. كمية الصواريخ بعيدة المدى صغيرة جداً بالقياس إلى منظمات أخرى كـ «حماس» و«حزب الله». وان كنا نتحدث عن أكثر التنظيمات «تطرفاً» فليس لدى «الجهاد الإسلامي» ما يكفي من قوة ووسائل للتحدي المهم لمنظومة الدفاع الجوي، مع التشديد على «القبة الحديدية» والجبهة المدنية الداخلية.
وعليه، يقول الجنرال المتقاعد الإسرائيلي إنه جدير من اليوم ان نبدأ سباق تعلم وتكييف للسيناريوهات والتهديدات ذات الصلة، وعلى رأسها مواجهة متعددة الجبهات مع «حماس» من قطاع غزة و«حزب الله» من الجبهة الشمالية، وكل هذا حتى قبل أن نضيف إيران إلى المعادلة. ويضيف «سيناريو على مثل هذا المستوى يستوجب تنسيق التوقعات بين الجيش والقيادة السياسية والجمهور. سيناريو من هذا القبيل من شأنه أن يؤدي إلى ضحايا وإصابات غير قليلة في أرجاء دولة إسرائيل، وفي نهاية المطاف سيضع الغالبية الساحقة من دولة إسرائيل تحت تهديد مباشر. سيناريو كهذا سيضع أمام إسرائيل تحدياً أكبر في استخدام القوة الجوية وفي وجه قدرات الدفاع لـ «حزب الله» التي ليست بحجوم «الجهاد الإسلامي» الضعيف في القطاع. لن يكون لإسرائيل ترف السيطرة في مدى جوي على أرض صغيرة في ظل السيطرة التامة للاستخبارات وصورة المعركة. في هذا السيناريو، فإن التداخل الذي رأيناه في الحملة الأخيرة سيتعين عليه أن يتخذ تعبيراً أقوى ومستوى أكثر تعقيداً في الأداء المختلف تماماً.
ويؤكد أنه من الجدير بالإسرائيليين العودة إلى أرض الواقع، وأن يدعوا النشوة جانباً والتباهي بنتائج الحملة الأخيرة والبدء بالاستعداد للجولة التالية التي ستأتي، فهذه ستبدو الحملة التالية مختلفة، وإذا لم نتمكن من استغلال الوقت للاستعداد، وللتدرب، ولمواصلة البناء والتكييف للقوة فسنتفاجأ.
ويخلص تسفيكا حايموفيتس للقول إنه على الجيش مسؤولية قيادة تنسيق التوقعات والحساب الصحيح للإنجاز المطلوب في السيناريوهات المختلفة التي تبتعد عنها حملة «بزوغ الفجر». ينبغي تفضيل بناء القوة العسكرية الإسرائيلية ومواصلة تعزيز التداخل الاستخباري في ظل تعميق الاندماج بين القدرات والمنظومات المختلفة. هكذا فقط نصل جاهزين أكثر إلى الجولة التالية. في السباق ينتصر من يستغل كل يوم للاستعداد وكأن الجولة التالية تبدأ غداً.
فجوة استراتيجية خطِرة
بيد أن التقييمات النقدية في إسرائيل لا تقتصر على الناحية العسكرية والعملياتية وهناك تحذيرات متصاعدة لفقدان النظرة الاستراتيجية لدى إسرائيل في مجمل التعامل مع القضية الفلسطينية. في مقال هام يؤكد الجنرال في الاحتياط الدكتور في جامعة تل أبيب ميخائيل ميلشتاين أن «طلوع الفجر» إنجاز عسكري كبير إلى جانب فجوة استراتيجية خطِرة.
في مقال نشره موقع معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب يقول ميلشتاين إن عملية «طلوع الفجر» كانت المواجهة العسكرية الأكثر حدة في قطاع غزة منذ عملية «حارس الأسوار». ويضيف «أنهت الأحداث فترة من الهدوء استمرت قرابة عام، لم نشهد مثلها في هذه المنطقة منذ عشرات الأعوام. لقد حققت إسرائيل إنجازات كبيرة في المعركة: فجأة، هاجمت الجهاد الإسلامي الذي كان نشطاؤه يخططون للقيام بهجوم بصاروخ مضاد للدبابات في منطقة الحدود مع غزة؛ وجّهت ضربة شديدة إلى قيادة الذراع العسكرية للتنظيم؛ أحبطت أغلبية القصف الصاروخي بواسطة القبة الحديدية، وهو ما قلص الأضرار كثيراً، ومنع وقوع إصابات في الأرواح. في المقابل يؤكد ميلشتاين عدم جدوى تجاهل القضية الفلسطينية أو اللجوء لإدارة الصراع أو السعي لما يعرف بـ «السلام الاقتصادي». محذرا من أن عدم تسوية الصراع مع الشعب الفلسطيني سيفضي لتحول إسرائيل دولة غير يهودية وليست ديمقراطية متوافقا مع يحذر منه مراقبون آخرون من هذه الناحية منهم وربما أبرزهم رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إيهود براك الذي يقول إن إسرائيل تتجه لتفقد صفتها اليهودية والديمقراطية بل ستتورط في دولة ثنائية القومية تصبح دولة عربية في نهاية المطاف. وهناك عدد من خريجي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ممن يؤسسون تحذيراتهم المشابهة على تساوي عدد اليهود والفلسطينيين بين البحر والنهر.
عدم تحميل «حماس» مسؤولية ما يحدث في غزة
من جهته ينبه المحلل يوسي كوفرفاسر لخطورة قبول إسرائيل فكرة عدم تحميل حركة حماس مسؤولية ما حدث. في مقال منشور في موقع مركز القدس للدراسات يقول كوفرفاسر: «كان الغرض من عملية «مطلع الفجر» أن توضح إسرائيل للجهاد الإسلامي الفلسطيني، ومن خلاله لسائر القوى في المحور الإيراني، مثل «حماس» وحزب الله، أن إسرائيل لن تقبل محاولاته فرض قواعد لعبة جديدة عليها، تُلحق ضرراً بقدرتها على الدفاع عن أمنها، وعن مصالحها الحيوية لكن في المقابل تعرضت إسرائيل لرشقات كثيرة من الصواريخ بدون أن تتعامل مع حماس كربّة البيت في القطاع معتبرا ذلك خللا خطيرا».