في سعي الشاعر إلى نفسه، لا يحتاج الشاعر إلى «تضامن» من هم أعداء الشاعر، من لا يفتؤون يقتلونه، يـمعنون في اغتياله، وهم يلبسون قناع القاضي والجلاد. الشاعر متضامن مع نفسه، مع عزلته، مع جرحه، الذي لا ينفك يكبر، في وجودٍ هو نفسه جرح الكائن، بل جرح الشاعر، في إقامته في الأرض.
لا يمكن للسكين التي تذبح، أن تكون هي نفسها القلم، ولا هي نفسها الورق، ولا هي اللغة التي ندّعي أننا نكتبها في سياق شعري جمالي، يعيد الشاعر إلى كينونته، رغم ما في كينونته هذه، من غموضٍ والتباس. الشاعر، لا يتوسل المساعدة من القتلة، مهما كان، فهو يكتفي أن يكتب، يوسع المسافة بين الكلمات والأشياء، يخلق مجازاته التي هي هو، وهي الوجود بمعناه الشعري، لا بمعنى الشعر، الذي اكتفينا أن احتمينا في إنشاده بغير الشعر، «القصيدة» كانت، وما تزال، هي ما نتوسله، وهي ما نستعيد به الماضي، حتى ونحن ننأى بأنفسنا عن تكراره، أو اعتباره المثال والقاعدة والقانون.
في الشعر، الشاعر متحرر من الوجود المشترك، يقيم في المجتمع وخارجه، باعتباره فرداً، له فكرته، وله خيالاته، وله موسيقاه، وطريقة عزفه التي يبتكر إيقاعاتها، غير ملزم بالجماعة، بل الجماعة من تذهب إليه، وهي من تقرؤه، وليس شرطاً أن تكون الجماعة جمهوراً، أو من يفرض على الشاعر أن يكون بمعنى دون غيره، أو بطريقة دون غيرها. الشاعر وجد معزولاً، وسيموت معزولاً، ما دامت الحروب لا تفتأ تحيق به، من الـ«الشعراء» قبل غيرهم من جمهور الناس، أو عامتهم.
لا يمكن البتة، أن تكون السكين هي القلم، فالقلم، في مضائه، يجرح البياض، يرسم الطرق والمسالك، كما يخوض المضائق، يستغرقها، كما تستغرقه، لا فرق. القلم جرحٌ بالكتابة، أثر الضوء في الظلمة، وهو وديعة الحاضر في ذمة المستقبل. أما السكين، فهي قتلٌ، أو اغتيالٌ، وهي ذبحٌ، ورغبة في المحو والنفي، وطمس الأثر. وإذا كان القلم إقامةً، فالسكين لفظ، ورفضٌ، وإغراقٌ للشعر في الدم، في الجريمة، في طعن الشاعر، دون وازعٍ، وحتى مع وجود الوازع، فالشاعر ليس عدواً، ولا هو تهديدٌ، لنوغل في دمه، بحقد، وكراهية، وانتحال العيوب والشوائب والهنات. الشاعر، هو اليد التي توقظ الشمس من نومها، تغسل النبع ليبقى النهر يقظاً، لا تسرقه البرك.
الشاعر، هو مجرةٌ عالقةٌ في الفراغ، بين السماء والأرض، في كليهما، وخارجهما. يسبح في مائه، لا يستطيب الأوحال، يدور حول الأرض، كما يدور خارجها، يصيخ السمع، ويجيل البصر، لكل ما يدور حوله، يقتفي أثر العابرين، لا ليكون تابعاً، بل ليعرف، ويكتشف، ويضيف، يكون مجرة بذاته، في وجوده مع الجميع، بعكس الجميع، وغير الجميع. هو المفرد والجمع، في الآن ذاته.
لا يمكن للسكين التي تذبح، أن تكون هي نفسها القلم، ولا هي نفسها الورق، ولا هي اللغة التي ندّعي أننا نكتبها في سياق شعري جمالي، يعيد الشاعر إلى كينونته، رغم ما في كينونته هذه، من غموضٍ والتباس.
لم نعتبر هذا جريمةً تقتضي القتل، أو استباحة دم شاعرٍ، هكذا ولد، وهكذا عاش، وهكذا سيموت. ولم، كلما قال الشاعر كلمةً، أو أبدى رأياً، أو كتب بغير ما نكتب به، صادرنا حقه في الاختلاف، وفي الرأي، وفي الكتابة، لندعي، بعد الجريمة، بيوم، أن كرامة الشاعر فوق كل اعتبار، وعلى الجميع أن يقدروا مكانة الشاعر، كلما دخل إلى مقهى أو إلى حانةٍ، على الجميع أن ينحنوا له، باعتباره إلهاً صغيراً علق في الأرض، أو علقت الأرض فيه.
ليس هذا هو الشاعر، ولا هذه هي وظيفته ودوره. الشاعر هو ما يكتبه، وما يؤكد أنه هو الشاعر، وليس أمشاج غيره من الشعراء، من التراقيع، والخرق، والمقابسات، والترجمات الرديئة، التي تتحول إلى عربيةٍ منحولة، واللغة التي هي صدى لغيرها من الكلام العام، الملفق، الذي لا تكون الذات فيها هي من تكتب وتقول، بل هي سقط متاعٍ، وتزاويق، أو محض ترميق لا غير. الشاعر، حين يتواضع في شخصه، يتعإلى في نصه، فيما تكون اللغة بغير ما تكون اللغة، وفيما يكون الإيقاع بغير ما يكون الإيقاع، وفيما يكون المجاز بغير ما يكون المجاز. يفتح الفرجار عن آخره، يفتحه على المساحات الشاغرة في الهواء، ليفتح الدائرة على الشمس، يجعلها خطاً بلا بداية، ولا نهاية له. كل دوائر الشعر المغلقة، هي إطباقٌ على الوجود، هي إحراجٌ لكينونة الشاعر الغامضة، وللموجود، بما هو نسغ هذا الوجود، للعلاقات بين الأشياء التي تبقى هي نفسها لا تتبدل، وكأن الأرض لا تدور، والشمس، هي نفسها، تشرق نائمةً، نكاية في هيراقيط، الذي كان رآها في أول إشراقها، وهي طفلٌ يلهو في الماء.
من ملاحظات سونغ زيجينغ الصيني، إننا، إذا كنا دائماً نستخدم فرجاراً لرسم دائرة، ومسطرةً لرسم مربع، سوف نظل عبيداً دائماً، أو كما يقول القدماء، لا يمكنك أن تبني بيتاً داخل البيت. هوانغ لوزهي، يحذر من السير خلف الآخرين، فـ«إذا تبعت أحدهم، سوف تظل دائماً في الخلف».. لا أمام لك، لا أفق، لا طريق، ولا مستقبل.
هذه هي الأمشاج، والتراقيع، والخرق، والمقابسات، وما نقرؤه من كلام، هو عربية جاءت من لغاتٍ أخرى، أسيئت قراءتها.. ترجمتها، وتراكيبها، وصورها، تكفي، لتفضح هذا البتر، وهذا الابتسار، وهذه الكتابة بالوساطة، بالصدى، بأصوات من نسير خلفهم، بالبيت الذي بنيناه في داخل البيت، فيما أسميه، في وضع «القصيدة» بالبناء المسكون، بما نملؤه به، لا بما نبتكره ونخلقه.
التاريخ، كتاب مفتوح، حبره لا يجف. «ن والقلم وما يسطرون». كتابة ما هو كائن، إلى أن تقوم الساعة، بتعبير ابن جرير الطبري.
الشاعر ليس نبياً، ولا هو شيطان. الشاعر هو الشاعر، دون رتوشاتٍ، ولا عكاكيز تحمله، ليبرر بها مشيه، أو رقصه، كما يقول بول فاليري. الشاعر، هو الغصن في ثماره، ما إن تسقط واحدة، حتى تشرع الأخرى في الانبثاق والبزوغ. الغصن بما في جسمه من ماءٍ، مثل ينبوعٍ، هو ما يمد المجرى بالحياة، يجدده، ويكون فيه هو الاستمرار، في مقابل البرك التي هي رواء واستقرار. حين نقرأ «بيانٌ ثانٍ من أجل الفلسفة» لآلان باديو، نتساءل، هل كان باديو يتحدث عن الشعر، أم عن الفلسفة، أم أن اشتباك الفلسفة بالشعر، منذ أول عهدهما ببعضهما، جعل الحديث عن هذا، هو الحديث عن ذاك. يقول باديو «في ضوء الوفرة المفرطة للوجود التي تهدد اليوم بتبخر الفلسفة في صورة محافظة ونكدة، سوف نقبل بتقويم ترنسندنتالي لوجودها، من شأنه أن يعيدها أقرب ما يكون إلى ماهيتها. ومن حيث التعريف، فإن الفلسفة، عندما تظهر حقاً، إنما هي reckless، فهي مستهترة أو لا تكون. ومن جهة ما هي قوة مزعزعة لاستقرار الآراء المهيمنة، هي تدعو الشبيبة إلى بعض النقاط حيث يتقرر الإبداع المستمر (لا المستقر) لحقيقة جديدة. هذا المسار المحفوف بالمخاطر، هي تنخرط فيه دون قيود».
الشاعر، في قلب الشعر، الذات التي تحتك بالخطر، تميل إليه، تدخل فيه، تواجهه وتجابهه، تخوض المحدث، غير المطروق، ما يتسم بالعزلة والفرادة والتوحد، ما يفتح الطرق، ما يوسع الينابيع، ينزل إلى قاعها الأسطوري المعتم، يجبره على الانشقاق والانبثاق، يحمي الشعر، من «التبخر» في مواجهة «التهديد» مثل الفيلسوف، تماماً، كلاهما يستهتران، بما يعنيه الاستهتار من خروج عن العرف والسنة، ما سنه غير هذا الشاعر من شعراء، بل من شاعرين، هؤلاء من كبلوا الشعر بـ «القصيدة» أسروا المطلق، داخل المقيد، ووضعوا السماء في قفص.
يموت الشاعر، حين يصير صدى للآخرين، صدى لنفسه، صدى في قلب الصدى. ثمة من يولد ميتاً، يعيش في قبر شاعرٍ قديم، أو في قبور شعراء اكتفت أنفاسهم بأن تكون رماداً يمخر الرماد، لا أثر للزهر، أو للجمر، في ما كتبوه، وهؤلاء، هم القتلة، كما سماهم هنري ميللر، في كتابه «رامبو وزمن القتلة» وهؤلاء هم السكاكين التي تشحذ لجز رؤوس الشعراء، ظناً منهم أن التاريخ نائم، لا يسمع ولا يرى ما يفعلون، أو يده مشلولة، لا يكتب شيئاً مما يجنونه على الشعر، وعلى الشاعر.
التاريخ، كتاب مفتوح، حبره لا يجف. «ن والقلم وما يسطرون». كتابة ما هو كائن، إلى أن تقوم الساعة، بتعبير ابن جرير الطبري. في الشعر، لا نضحك على التاريخ، لا نضحك على الشاعر، ولا نخفي الجريمة بالدفاع عن الشاعر، عن حقه في أن يكون، ولم نسأل، أو نتساءل، كيف، ومن الشاعر الذي نتكلم عنه، بأي صفات، بأي معنى، إذا كانت السكين لا نفتأ نشحذها، لنجهز على الشعر في الشاعر، وعلى الشعر في الوجود، على إقامة الشاعر، على جرحه الكبير الذي يعيش ويحيا به، والذي هو تلك القوة المزعزعة لاستقرار الآراء المهيمنة، كما سمى باديو فعل التفلسف، في انقلابه عن الشائع والعام والسائد المستقر.
شاعر مغربي