سبينوزا
استفاد سبينوزا من الثورة العلمية الكبرى في عصره، والقوانين الرياضية التي تشرح العالم الطبيعي، لذلك فإن نظامه الفلسفي عبارة عن أنطولوجيا متكاملة لفهم تجليات العلاقة بين الإنسان والعالم الموضوعي، ومن ضمنها الله وكل الموجودات في الكون والطبيعة، وقد شيَّد بناء هندسياً في تحليله للإنسان وانفعالاته، وفسر الله تفسيراً علمياً. وتكمن أهمية سبينوزا أيضاً ليس في استخدام العقل وحده، وإنما بإصلاح أنماط التفكير والإدراك، لذا شك في أكبر المعتقدات والمسلمات في عصره، وهو كتاب التوراة المقدس عند اليهود، وعلى إثرها اتهم بالإلحاد والهرطقة، وطرد من الكنيست بسبب ادعائه أن الله يكمن في الطبيعة، وإن النصوص الدينية هي عبارة عن استعارات ومجازات غايتها أن تعرف طبيعة الله، لكنه ظلَّ مصراً على مواقفه وأفكاره، ولم يجبن أو يتملق لأحد من رجال السياسة أو الكنيسة.
انحدر سبينوزا من عائلة يهودية هربت من محاكم التفتيش في إسبانيا عام 1492، وأجبرت على تبني المسيحية، وسموا فيما بعد بـ»المرانيون» وقد حصل على ثقافة متنوعة وثرية بين الإسبانية واللاتينية والعبرانية. وكلمة باروخ بالعبرية تعني المبارك. في أيامه الأخيرة قام سبينوزا بترجمة أسفار موسى الخمسة إلى الهولندية.
توفي سبينوزا في شهر شباط/فبراير عام 1677 نتيجة إصابته بمرض السل بعد أن كانت حياته العملية مثالية وأخلاقية، ومتوافقة كثيراً مع مبادئه ونظامه الفلسفي.
في طبيعة الله والجوهر
ينطلق سبينوزا في الفصل الأول من كتاب الأخلاق الذي سماه طبيعة الله، من عدة بديهيات أولها أن كل شيء موجود، إما موجود بذاته أو بشيء آخر، وما لا يمكن إدراكه من خلال شيء آخر يجب إدراكه من خلاله بالذات، لذلك فالأشياء عند سبينوزا، إما أن توجد أو لا توجد، وعلة وجود الأشياء هو الله الذي هو واجب الوجود. والجوهر عند سبينوزا سابق لانفعالاته وغير منقسم من جوهر آخر، ونقصد بانفعالات الجوهر هي تلك التي تعبر امتداداته الجسمانية والفكرية. وإذا كان الله هو الكائن اللانهائي بشكل مطلق، فلا يمكن أن يكون هناك جوهر خارج الله، دون أن يكون معطى أو مدرك، لذلك فإن الله هو العلة الفاعلة لكل الأشياء التي يمكن أن تقع تحت إدراك لا نهائي، والله هو علة بذاته وسبب بذاته.
إذن فالله يوجد في طبيعة الأشياء كجوهر وحيد لا نهائي بشكل مطلق، لذلك فالأشياء لا يمكن أن تدرك دون جوهر ولا يمكن أن تكون إلا في الطبيعة الإلهية الوحيدة، وتدرك من خلالها بالذات.
نستنج من ذلك إن الله عند سبينوزا ليس إلها مفارقاً ولا عالياً أو متعالياً عن الطبيعة وقوانينها، وإنما يتخلل ويتضمن كل شيء في الوجود، فكل ما هو كائن في الله، ويجب إدراكه من خلال الله، ونحن لا نرى من صفات هذا الجوهر سوى صفتي الفكر والامتداد. فالفكر من صفات الله الخالدة، التي تمثل جوهره الأزلي وتشمل قوانين الطبيعة والكون، وحتى الفكر البشري أيضاً، أما الامتداد فهو كل الأشكال الجسمانية في العالم الخارجي. لذلك فالله هو العلة الوحيدة والحرة، ليس له غاية ولا إرادة ولا إدراك، سوى الضرورة، وحسب سبينوزا هناك من يتصور الله على صورة الإنسان ويضفي عليه الجسم والفكر وهو عرضة للأهواء أيضا. والله ليس سبباً لوجود الاشياء فقط، وإنما لتستمر الأشياء في الوجود أيضاً، حتى سؤالنا عن الله وأزليته وصفاته الأخرى هو عبث لا طائل منه، تماماً مثل سؤالنا منذ متى كانت (2+2=4) أو منذ متى مجموع زوايا المثلث = 180 درجة؟
الفكر والمعرفة
تتكون المعرفة عند سبينوزا من أفكار مجردة؛ أي أن لكل شيء مادي الفكرة التي تعبر عنه، فليس هناك انفصال بين الفكر والامتداد، على الرغم مما تبدو عليه الأفكار من تجريد وعمومية، فإنها تشير في النهاية إلى فكرة بسيطة عن شيء ممتد، فموضوع الفكرة المكونة للفكر البشري هو الجسم، وهذا الجسم موجود كما نشعر به. لذلك لا يمكن للفكر البشري إلا أن يكون تصورات عن أشياء لها أجسام خارجية، أو كلمات أو أشياء تجريدية، لكن هذا لا علاقة له بجوهر الفكر ولانهائية الأشياء،
إن الفكر يتصور الأشياء على الدوام كأشياء ماثلة أمامه، حتى لو لم تكن موجودة، كذلك لا يستطيع الفكر أن يتصور شيئاً أو يتذكر شيئاً إن لم يكن في ديمومة الجسم حتى في تصور الأشياء التي نعتبرها في علاقة مع الزمن الماضي أو الحاضر، فإن تلك الأشياء سوف تعود إلى الزمن الحاضر كعودتها إلى الماضي والمستقبل، وسوف نتصورها كأشياء ممكنة الحدوث هنا. إذن فالفكر يدرك الأشياء كنوع من الأبدية أو الخلود. يصنف سبينوزا المعرفة إلى ثلاثة أنواع: أولها المعرفة التي تتمثل لنا من خلال الحواس بطريقة مبهمة ومجزأة يسميها المعرفة من خلال التجربة المبهمة التي نكوّن من خلالها أيضا الأفكار والخيالات، وهذه المعرفة في رأي سبينوزا تنتج الزيف والغموض. وهناك معرفة تتمثل في كل ما نعرفه من أفكارمشتركة ومناسبة لصفات الأشياء، ونطلق عليها اسم وعي، وهذه المعرفة حقيقية بالضرورة، وهناك المعرفة الحدسية، وهي المعرفة التي تجعلنا ندرك الأشياء كمحتويات في الله تتبع الضرورة الألهية عندما نضفي على الفكر بعض صفات الله.
وهنا يشترك الله والإنسان في طبيعة الفكر والامتداد، وحتى الأبدية، فتلك الأفكار الماثلة فينا هي الملائمة في الله، ويمكن شرحها من خلال طبيعة الفكر البشري.
في أصل العواطف والانفعالات
يؤكد الفكر قوة وجوده من خلال تصور الأشياء كأجسام خارجية، حتى لو كانت في الماضي، أو كائنة في المستقبل، ومن خلاله تتحدد انفعالات الجسم البشري وتأثره بحركة هذه الأجسام، وكلما كان الجسم البشري متأثراً بطريقة يحيط فيها ببعض الأجسام الخارجية؛ نظر الفكر البشري إلى هذا الجسم كجسم حاضر، وبالتالي كلما اعتبر الفكر البشري الأجسام الخارجية حاضرة بتصورها، ازداد قوة.
يرى سبينوزا أن الرغبة هي جوهر كل واحد منا، وهي الجهد الذي يبذله الإنسان كي يستمر وجوده، وإن جميع العواطف الإنسانية تعود إلى الرغبة أو الفرح أو الحزن، فالفرح والحزن هما الرغبة في تقلباتها بين الضعف والقوة، بين العون والإعاقة من خلال الأسباب الخارجية. فالرغبات الناجمة عن طبيعتنا هي رغبات تعود إلى الفكر، وتفهمه كفكر، أما الرغبات الأخرى فهي تعود إلى الفكر الذي يدرك الأشياء بطريقة غير ملائمة، ويجب أن تعرف قدرتها من خلال قوة الأشياء الخارجة عنا، وهذه الرغبات تسمى أهواء. هناك أجزاء من الطبيعة تنسجم مع الإنسان وتعمل معه، وأخرى لا تتلاءم مع طبيعته، لذا لا يمكن أن يحصل شيء يسيء للإنسان إلا من أسباب خارجية. يدعو سبينوزا إلى موازنة العواطف المفرطة بين الفرح والحزن والناتجة عن الرغبات، فالأشياء التي تلائم أجسادنا وطبيعتنا، إذا استخدمناها تحت إشراف الوعي فإنها ستساهم في تحسين جودة الحياة، والارتقاء أكثر بالوعي، فهناك الكثير من الأشياء التي تشكل معطيات خارج وجودنا وهي أشياء ذات فائدة لنا، وعلينا أن نرغب بها بحكم طبيعتنا البشرية، أما الرغبات التي تخضع للأهواء والانقياد بإفراط للأسباب الخارجية؛ فإنها تولّد البؤس والعبودية للعواطف السلبية الناجمة عن نقص في المعرفة والفهم (كالخوف والغضب والحسد والكراهية). فهذه العواطف سيئة على الدوام ومناقضة لطبيعتنا لأنها تعيق الفكر عن الفهم. لا يستطيع الإنسان التغلب على العاطفة أو إعاقتها، إلا من خلال عاطفة أخرى أقوى منها، لكن كلما خضعت العاطفة للوعي وتركزت على سبب واحد، كان تأثيرها أقل، وكلما خضعت العاطفة بتأثير أسباب متقاطعة، ووجدت نفسها تتجه إلى أشياء كثيرة، ومرتبطة بعدد كبير من الأشياء؛ كان تأثيرها شديدا في الإنسان، فلا يستطيع الفكر في هذه الحالة أن يتحكم بانفعالات الجسم، فحين يتعرض الفكر للقلق والاضطراب بسبب بعض العواطف، سوف يتأثر الجسم بانفعالاته التي تزيد أو تنقص من قوة هذا الفكر، فالجسم والعقل عند سبينوزا هما جوهرٌ واحد متصل، كذلك فنظام وصلة الأفكار في الدماغ تعمل وفق نظام وتسلسل عواطف الجسم. يمكننا أن ندرك كيف تتشكل الأفكار الخاطئة في أذهاننا إذا ركزنا انتباهنا على الأشياء المتعلقة بالفكرة وحدها، وليس على صورها وتمثلاتها الخارجية، فإذا ما انتبهنا إلى فكرنا فإننا نعيش بطريقة ليس لها أي علاقة مع الأشياء الخارجية، وهذا ما يمنحنا شعورا بشيء بعيد عن الزمن وهو شعور متزن وهادئ.
إن ما يشكل صورة الحب أو الكراهية عند سبينوزا هو الفرح أو الحزن، الذي يرافق فكرة سبب خارجي، وإذا ما تلاشت هذه الصورة فإن صورة الحب أو الكراهية سوف تمحى في الوقت نفسه، ومن خلال عاطفتي الفرح والحزن نسمي الشيء حسناً لأنه يفيدنا، ونسميه سيئاً لأنه يضرنا ويعيقنا في المحافظة على وجودنا. يولد الإنسان حراً في نظر سبينوزا، ويبقى كذلك، طالما ليس في فكره أدنى مفهوم عن الخير والشر.
إن الرغبة الأصيلة عند سبينوزا هي تلك الفضيلة المنسجمة مع الطبيعة وقوانين الفكر والوعي، التي يعمل من خلالها من أجل الصالح العام والخاص في حفظ البقاء واستمرارية الحياة على نهج متوازن وسليم، والإنسان الحر في نظر سبينوزا هو ذلك الذي لا ينقاد لفكرة الموت أو خشيته، ويظل بعيدا كل البعد عن الهواجس التي تذكره بالموت؛ لأن حكمته دائماً في تأمل الحياة التي يحياها.
كاتب عراقي