كريم ليلى لم تكن تدرك، من ذاع صيتها في كل حدب و صوب و شكّل مادةً غنيةً للأدباء و الفنانين غلى مر العصور، أن ما هي مقدمةٌ عليه سيغير وجه تلك البقعة من الأرض، منهياً حكم إحدى أعظم ملكيات العالم آنذاك و معلناً قيام جمهورية استمرت حوالي أربعئمة و خمسين عاماً، حتى مجيء يوليوس قيصر عام 44 ق.
م و بدء بزوغ فجر الإمبراطورية.
لوكريشا، ملهمة أساطير الشعر و الأدب في العصور الوسطى أمثال وليم شكسبير و جيفري تشوسر، لم تكن سوى امرأة رومانية عادية كغيرها من النساء، إلى أن أقدم الإبن المتسلط لآخر ملوك ملوك روما على اغتصابها و تهديدها بالقتل والتشهير إن لم تطعه فيما أراد، فما كان منها إلا أن ذهبت إلى أهلها لتعلمهم بما جرى و تنتحر بطعن صدرها بسكينٍ، بعد أن طالبت أفراد عشيرتها بالثأر لها، و كان ما أرادت. شكل حدث اغتصاب الفاتنة الرومانية و إقدامها على الانتحار لحظة تاريخية في حياة شعب المملكة، إذ أدى إلى ثورة غضب قادها أهل روما انتقاماً لابنتهم لوكريشا، خاصةً بعد أن عُرضت جثتها أمام العامة و شكّل ذلك سخطاً و رغبةً عارمةً لدى الناس بالثورة ضد العائلة المالكة، والتي تمت الإطاحة بعدها بقليل، فكان إستحداث الجمهورية الرومانية.
امرأة هز عرش المملكة و أسقطتها… و شاب تونسيٌ أعلن قدوم الربيع، لتهب نسائم الحرية حتى على أرض ٍاعتقد من عليها أنها باتت خريفأ مقفراً. تباينت الظروف و النتائج بين بلد و آخر، و اختلفت ردود فعل الأنظمة هنا و هناك على انتفاضة الشعب بين القاسي و الأشد قسوة، إلى أن وصلت قافلة الحرية و حطت رحالها في سوريا… بلد الياسمين المنهك الذي لطالما اتسمت ظروفه بالتعقيد و تشابك خيوط المصالح و السياسات و المعطيات و الحيثيات، في ما مضى و كل ما هو آت. هناك لم يدخر نظام البعث أي جهد و لم يهمل أي فرصة سنحت أو قام باختلاقها لإخماد شعلة الثورة، فبات يعيث في الأرض فساداً و يطلق العنان لوحوش خلت من كل معاني الإنسانية لتحرق و تقتل و ترتكب أبشع ما عرفه عالمنا المعاصر من فظائع، منها ما لا سبيل هنا لحصره و اقتطاع خلايا أخرى مما تبقى من قلوبنا التي اخترقها الحزن و الألم واتخذها مسكناً له. و لكن المثير للدهشة و الغرابة في خضم كل ما يجري، علاوةً على الصمت المطبق على شفاه العالم بأسره، اللهم إلا من بعض الدعاء و خطابات التعبئة الجوفاء، هو تغاضي ما يسمى بـ ‘الأمة العربية’ عن جرائم اغتصاب، حتى في حق قاصرات بعضهم لا يزال في عمر الطفولة، و التمثيل بجثثهم بعد اغتصابهم من نحر و تقطيع أحياناً.. و هي نفس الأمة التي ثارت ثائرتها و تثور كلما طالبت المرأة العربية بأبسط حقوقها المدنية، بذريعة الحرص المزعوم على شرفها و الذي دونه كل شيء من كل غال و ثمين، أو كما ظلت تدعي. ألم يستدعي سبي النساء في أحد معامل السكر ‘الوطنية’ في جسر الشغور و اغتصاب أخريات (جماعيةً) في حمص و ممارسة أبشع أنواع السادية في حقهن، من ذاك الشعب العربي أن يستفيق من غيبوته، ولو بعد حين؟ ثم وهل يصح اللوم في حق الجار طالما أن ذوي القربة لهؤلاء النسوة ممن يعيش على مرمى العين في مدن سورية أخرى لا يزالون غارقيت في سباتهم الأزلي؟ حيث لم تدرك أرواحهم قدوم الربيع بعد، و ظللت غشاوة الخوف و الجهل و حب الذات على بصيرتهم حتى فاتهم إدراك أن صمتهم شراكة في القتل و أن دعمهم للقاتل فيه دمار للوطن و المجتمع، و إن رحل الطغاة.. هل كان لابنة روما لوكريشا أن تنتحر طعناً وللمرأة العربية الجليلة أن تصرخ ‘وا معتصماه’، لولا أن كلتاهما أدركتا أن الأخ و الابن و الزوج و حتى أمير المؤمنين سوف لن يخيّب فيهن الرجاء؟ ألذلك نُذبح في صمت؟ نحفر القبر بأيدينا و نسير إليه طوعاً دونما ضجيج صخب؟ أم أن المجير أضعف من المستجير بمرات عدة حتى استكان و اندثر كالظل في الظلام… هي الطامة الكبرى عينها لأمةٍ أنهك شعبها التاريخ حتى أصبح منهكاً بالعروبة.
كاتب وناشط حقوقي سوري