الروائي الجزائري عمارة لخوص: ما يميز المجتمعين الجزائري والإيطالي هو النسيان والخوف من الذاكرة!
الروائي الجزائري عمارة لخوص: ما يميز المجتمعين الجزائري والإيطالي هو النسيان والخوف من الذاكرة!الجزائر ـ القدس العربي : يعتبر من أهم روائيي الجيل الجديد بالجزائر بالرغم من أنه يقيم ويعمل في ايطاليا منذ سنوات عديدة، نتاج اندلاع العنف الأمر الذي اضطره للهجرة من البلد دون أن يتخلي عن علاقته الآسرة بالجزائر. منذ أيام فقط صدرت الطبعة الثانية من روايته الثانية كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك عن منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم بلبنان، وترجمة لها بايطاليا قام هو بنقلها، أو كما يقول أعاد كتابتها من جديد. هنا لقاء حول تجربته في الكتابة، وبعض القضايا التي تشغله في الرواية. كتبت روايتين البق والقرصان صدرت في ايطاليا باللغتين، و كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك ، صدرت بالجزائر ولبنان مؤخرا. هل تشعر بالرضا عن هاتين التجربتين؟ عندما كتبت البق والقرصان عام 1993، كان هاجسي الرئيسي هو تقديم تجربة روائية جزائرية متميزة، فاشتغلت علي ثلاثة محاور: أولا، معرفة الواقع الجزائري الذي كتبت عنه، فقرأت مثلا العديد من البحوث والدراسات حول تاريخ الجزائر في القرن الثامن عشر. ثانيا، إيجاد بنية روائية تعتمد علي تقنية المونتاج السينمائي والاستفادة من التجارب المسرحية كبناء الحوارات. ثالثا، البحث عن لغة عربية جزائرية تتوفر علي جماليات الأمثال والأغاني الشعبية. وكتب الناقد التونسي الشاب كمال الرياحي قبل شهور قليلة دراسة مطولة عن البق والقرصان ونشرها في مجلة (عمان) الثقافية عنوانها (لغة الحياة وحياة اللغة) وتناول فيها بالدراسة والتحليل خصوصية اللغة المستعملة وخلص الي القول إن العربية الجزائرية لا تقل جمالية عن أخواتها في العالم العربي وتشكل إثراءً للغة العربية. أما فيما يتعلق بالرواية الثانية كيف ترضع.. فجاءت بعد عشر سنوات من الرواية الأولي، وتناولت فيها قضية الهجرة معتمدا علي معرفتي بواقع حي بياتزا فيتوريو بروما حيث عشت فيه ست سنوات واشتغلت في مركز لاستضافة اللاجئين والمهاجرين، هذه التجربة أثرت في بشكل لا يوصف، فتعرفت عن قرب علي الصوماليين والألبان والباكستانيين و… الخ. ووظفت هذه المعرفة العملية في دراساتي الأكاديمية، فقدمت أطروحة ماجستير في جامعة روما وحظي مشروعي حول دراسة حالة المهاجرين العرب في إيطاليا لنيل الدكتوراه بحفاوة. وكي أكون صادقا مع نفسي، دعني أصارحك أنني لست راضيا كل الرضي عن هاتين التجربتين لأنني أتطلع الي مشروع روائي كبير أضع فيه كل تجاربي المعرفية والمهنية، فعملي الصحفي يساعدني علي متابعة تغيرات الواقع ومشواري الأكاديمي يقدم لي مفاتيح مهمة لمقاربة إشكاليات معقدة تخص المجتمع الجزائري في زمن العولمة. في البق والقرصان أولي رواياتك اشتغلت علي المكبوت الاجتماعي واستنطقت المحظور الديني والسياسي وقدمت لوحة بانورامية عن المجتمع الجزائري الذي كان يتفكك بفعل عوامل متعددة والآن حين نعيد قراءة هذه الرواية نشعر بأنك كنت تتنبأ بما وقع لنا ما رأيك؟ سعيت في البق والقرصان الي التخلص من الرقيب الداخلي من خلال التطرق الي الثالوث المحرم (السياسة والدين والجنس). أردت أن أفضح تناقضات المجتمع الذي كنت أعيش فيه دون الوقوع في فخ الخطابية الفجة والمحاكم الأخلاقية التي تبرئ وتدين. عبرت في هذه الرواية البكر عن تحفظاتي حول وضعية المرأة الجزائرية منتقدا العقلية الذكورية المريضة الجائرة. لقد انتهيت من كتابة هذا النص عام 1993 وقررت الهجرة في نهاية عام 1995 إثر اغتيال الصديقين العزيزين بختي بن عودة والشاعر عبد الله شاكري. وقتها كتبت رسالة لصديق حميم أقول له فيها: إن هذا المجتمع وفر لنا كل شروط الانتحار ، سافرت إلي إيطاليا وعشت في المنفي أكثر من ثماني سنوات. هذان الفاصلان الزمني والجغرافي جعلاني انظر الي بلدي من منظور جديد. كما أنني سافرت الي العديد من البلدان الأوروبية كاليونان وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا مما وسع من آفاقي المعرفية والإبداعية. أما في ما يتعلق بتفكك المجتمع الجزائري والتنبؤ بما حدث خلال سنوات الإرهاب، فأنا مقتنع أن أمامنا فرصة لبناء مجتمع جزائري جديد بعد الفشل الذريع للشرعية التاريخية الثورية التي تعتبر الجزائر غنيمة حرب وانحسار مشروع تسييس الإسلام لأغراض سلطوية. لقد نشرت الرواية في إيطاليا واستبعدت إعادة طبعها في الجزائر، لماذا؟ لقد نشرت البق والقرصان في روما عام 1999 باللغتين العربية مرفقة بالترجمة الإيطالية لمترجم إيطالي يتقن العربية بشكل مدهش هو فرانشسكو ليجو، سبق له أن ترجم موسم الهجرة الي الشمال للطيب صالح الي الإيطالية ثم ترجم أيضا ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي. واستطاع فرانشسكو أن يقدم ترجمة رائعة وحققت البق والقرصان إعجاب الكثير من القراء الإيطاليين، وتم اقتباسها الي عمل مسرحي واتصل بي قبل ثلاثة سنوات مخرج إيطالي وعرض عليّ فكرة تحويلها الي فيلم سينمائي ولكن للأسف المشروع لم يتحقق. وأنا لم أستبعد أبدا نشرها في الجزائر، كل ما في الأمر أنني انشغلت بالرواية الثانية والاستمرار في مشواري الأكاديمي. ويجب أن أشير إلي أن الفضل الأول في كتابة البق والقرصان يرجع إلي أستاذي في معهد الفلسفة بجامعة الجزائر آنذاك عبد الباقي هزرشي الذي شجعني وفتح لي الكثير من الآفاق. إنني أدين له بالكثير، كنت لا أمل أبدا من الاستماع إلي أحاديثه الممتعة في الفلسفة والأدب والتاريخ، هذا الرجل المتواضع جدا يملك ثقافة مدهشة وهو لا شك من أبرز المثقفين الذين أنجبتهم الجزائر. كانت البق والقرصان نتاج الواقع الجزائري و كيف ترضع .. نتاج الواقع الإيطالي، وفي كلا الواقعين تشرح واقع الكذب والنفاق، هل تشعر أن البيئتين متشابهتان بالرغم من اختلاف المستويات الحضارية؟ إن حسي الإنثروبولوجي يدفعني دوما الي التأكيد علي خصوصية جميع المجتمعات وتجنب التعميم، لكن ما يميز المجتمعين الجزائري والإيطالي هو النسيان والخوف من الذاكرة. فالجزائريون لا يعرفون لحد الآن ماذا وقع في حرب التحرير وكيف جاء الاستقلال ومن هو المسؤول عن تبديد ثروات هذا البلد وماذا حدث خلال سنوات الإرهاب، نطوي صفحة الماضي دون محاسبة الذات وفق عقلية تقول ربي يسمح وإحنا خاوة ، إن المجتمعات لا تتقدم إلا بتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والسياسية والثقافية. من جهته يرفض المجتمع الإيطالي الاعتراف بخطايا النظام الفاشي ويتساهل مع وزير يظهر في برنامج تلفزيوني وهو يرتدي قميصا يحمل إحدي الرسومات الدنماركية المسيئة للرسول (ص). ربما هناك نقطتان مشتركتان بين المجتمعين الجزائري والإيطالي: انتشار الفساد بمعناه الواسع وتدخل الفعل الديني في الفضاء العام. روايتك تقوم علي الصنعة بشكل خاص بمعني أن العمل علي البناء يأخذ مكانة مهمة وهذا يعني أن روايتك مفكرة وخالية من الصدفة أو العفوية أليس كذلك؟ أنا أهتم كثيرا بمعمار الرواية سواء في بناء الشخصيات أو في رسم خيوط الحبكة ولكن هذا لا يعني أنني أتجنب العفوية، فالتقنية التي استخدمتها في كيف ترضع من … هي تعدد الأصوات السردية من أجل التعبير عن وجهات نظر مختلفة دون الاعتماد علي صوت الراوي الوحيد، علي ذلك فإن سلطتي كروائي محدودة جدا. إنني أحاول الاستفادة من جميع التقنيات السينمائية والمسرحية. وهناك السخرية كذلك أي التعبير عن الألم بطريقة ساخرة نوعا ما؟ نعم أفضل السخرية السوداء علي التباكي والبحث عن شفقة القارئ. لا أزال أذكر رد فعل (زوربا) في رواية الكاتب اليوناني نيكوس كزانتزاكيس، عندما يأتيه خبر وفاة ابنه الوحيد، عوض أن يبكي أو يلطم خديه أو يندب حظه، يشرع زوربا في الرقص! أليس هذا رائعا! إنه تحد عظيم ضد الحزن والموت معا. أنا لا أبحث عن تضامن القارئ بأي ثمن ولكن في نفس الوقت أمتنع عن ابتزازه بسرد أحداث بيوغرافية تطفح بالدموع. إن السخرية السوداء تعبر عن تناقضات الواقع الذي نعيشه دون الاستسلام له والخضوع لمنطقه. لقد وظفت التقنية البوليسية والعين السينمائية بشكل أو بآخر، هل كنت تفكر في إمكانية تحويل الرواية الي فيلم ذات يوم أم كان الدافع أدبيا بحتا؟ أنا متأثر جدا بالسينما، وأمنيتي الكبيرة هي أن أجمع ذات يوم بين الأدب والسينما. أما عن التقنية البوليسية فهي تهدف الي تشويق القارئ وجعل القراءة ممتعة. عندما شرعت في كتابة كيف ترضع من … لم أفكر في تحويلها الي فيلم سينمائي لأن السيناريو له أصوله وقواعده ويختلف عن النص الروائي، لا شك انني سأكون سعيدا جدا لو تم اقتباسها الي فيلم سينمائي. ترجمت أو أعدت كتابة كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك بالإيطالية وغيرت العنوان هل هناك فرق بين كتابة وكتابة، ولمن أنت أكثر ميلا علي مستوي اللغة…؟ لقد أعدت كتابة هذه الرواية بالإيطالية وغيرت الكثير منها بداية من العنوان الذي صار صدام الحضارات حول مصعد كهربائي في ساحة فيتوريو . لا أستطيع أن أصف هذا العمل الجديد بأنه ترجمة، فالمترجم لا يملك الحرية الكاملة في التصرف في النص الذي يترجمه أو يضيف إليه ما يشاء. لقد حذفت بعض الجمل وأضفت مقاطع كاملة، واستعملت بعض اللغات المحلية المنتشرة في روما وميلانو ونابولي. إنها مغامرة إبداعية كبري كلفتني وقتا طويلا فقد اشتغلت علي أكثر من ثلاثين مسودة. رغم ذلك أنا أميل الي اللغة العربية أكثر، هذا أمر منطقي، فعلاقتي بالإيطالية لا تتجاوز عشر سنوات. ما جديدك الإبداعي؟ لدي العديد من المشاريع الروائية، أما حاليا فأنا منهمك بصدور الرواية بالإيطالية، فينتظرني عمل شاق في الترويج عبر تقديم الكتاب في مختلف مدن إيطاليا والمشاركة في العديد من البرامج التلفزيونية. وتلقيت دعوة من صديقي مدير المركز الثقافي الإيطالي بالجزائر ماريو باوليني لتقديم الرواية في أرض الوطن، ووافقت بفرح وسرور.التقاه: بشير مفتي0