■ دأبت المحاكم الأمريكية خلال العقود الماضية على قبول قضايا ترفع ضد فلسطينيين أو منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الوطنية الفلسطينية، من قبل يهود أمريكا ممن يحملون جنسيتها، وممن وجدوا في مواقع التفجيرات التي تمت تحديدا خلال فترة الانتفاضة الفلسطينية الثانية. كما دأبت تلك المحاكم على تسجيل مطالبات بتعويضات فلكية تقدم بها أهالي القتلى، جنودا كانوا أم مدنيين وصولا إلى الحكم الأخير الذي صدر لصالح تلك العائلات بتغريم منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية مبلغ 218 دولارا.
وتمحيصا في شرعية قبول الدعاوى من قبل المحاكم الأمريكية ومفهوم الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، جراء استدامة الاحتلال، وحقيقة كون هذا الاحتلال هو المتسبب الأول في الإرهاب والتحريض والعنف الذي أودى بحياة آلاف الفلسطينيين وتشريدهم وضياع حقوقهم وسلب مستقبلهم وحرق البعض منهم بالفسفور الأبيض، واستخدام المحظور من السلاح، واعتقال أكثر من ربع الشعب الفلسطيني بصور ومسميات وأشكال مختلفة، والتسبب بالتشوه الخلقي للكثير من المقعدين ونهب الأرض العربية وثرواتها لصالح إقامة مستوطنات مستشرسة وترحيل السكان الأصليين وتطهير مناطقهم عرقيا، وصولا إلى تنفيذ سياسة الإحلال، باستقدام آلاف المستوطنين وتسهيل وتمويل بناء مئات المستوطنات الثابتة والبؤر الاستيطانية وافتتاح مؤسسات دولية لمصانع وجامعات ومدارس ومستشفيات فيها، ودخول بنوك دولية أيضا على الخط باختراق واضح للقانون الدولي بالتعامل مع البنوك القائمة في تلك المستوطنات اللعينة، في تجاوز واضح لقرارات الشرعية الدولية على أراض مغتصبة ومسلوبة، كل ذلك إن أخذ جديا بالحسبان فسؤالنا الفلسطيني الأهلي والشعبي يجب أن يكون: هل قصرنا نحن في رفع قضايا شخصية، جراء ما ورد من جرائم أعلاه، وما تسببت به من نكبات عادت على أملاكنا ومنازلنا وأرضنا وأولادنا ومستقبلنا بالشر والطغيان؟
نعم قصرنا ونحن نحمل معظم جنسيات الأرض، وينطبق علينا قوانين الدول المختلفة، بصورة تتيح لكثير منا التقدم بدعاوى ضد الاحتلال، آخذين بعين الاعتبار أكثر من 70 عاما من المعاناة وإرثا كبيرا من الجرائم الإسرائيلية.
فلو كانت ما تحكم به المحاكم الأمريكية بهذا القدر لصالح الإسرائيليين فكم يا ترى وفي حال توافر الإنصاف والعدالة سيكون مقدار الحكم لصالح الشعب الفلسطيني المنكوب قولا وفعلا؟
أعرف تماما أنني ومع نشر هذا المقال سأتلقى من القراء الكرام تعليقات مفادها أن العدل والإنصاف لن يتوفرا للشعب الفلسطيني، وأنني كما أحلم باخضرار الصحراء أو بالحياة على الشمس، لكن حقيقة الأمر أن قضايانا لن ترفع جميعها في الولايات المتحدة الأمريكية، بل في كل أماكن وجود الشعب الفلسطيني، وهي بالتالي ستخضع إلى قوانين الدول على اختلافها. ومع نجاح عدد من هذه القضايا فإن رغبة الشعب الفلسطيني في الإقدام على مقاضاة إسرائيل بصورة شخصية ستتصاعد بصورة يزداد معها الضغط الشعبي على إسرائيل.
إن غيابنا عن دورنا في رفع القضايا الفردية على الاحتلال، فتح شهية غيرنا للانقضاض علينا بقضاياه، وقد سهل تعامل المحاكم الأمريكية معها من دون أن يكون هناك ادعاء متقابل نقوم به ويشكل رادعا للمزيد من القضايا ويفتح المجال أمام القضاء الأمريكي للاطلاع بصورة حثيثة على المسببات التي ولدت نتائج الصراع برمتها. نعم نختلف فلسطينينا في مواقفنا وآرائنا، لكننا يجب ألا نختلف أبدا في ما يرتبط بحقوقنا الفردية والمساحات التي أتاحها حصولنا على جنسيات مختلفة ومساحات الادعاء التي يتيحها القضاء في كثير من دول العالم، وما تتيحه المؤسسات الأهلية القانونية في تلك الدول. حق الجميع أن يختلفوا بالرأي وأن يتبنوا مواقف مختلفة تماما، كما هو حق الفلسطينيين جميعا في أن يتفقوا وأن يختلفوا في إجماعهم أو تنافرهم حول قضية ما أو موقف سياسي معين، يتخذه أي طرف بما فيها القيادة الفلسطينية. وحق الجميع أن يمتلك رأيه في موقف المنظمة والسلطة في ما يراه البعض تأخرا في الانضمام إلى اتفاقية روما ومحكمة الجنايات الدولية. لكن اختلافنا وتوافقنا مع الموقف الرسمي يجب ألا يجهض ضرورة الشروع فورا بمقاضاة إسرائيل فرديا وتحميلها كل ما حل بالشعب الفلسطيني من نكبات ونكسات، مستفيدين من ثورة المعلوماتية ومسخرين ما توفره من أدوات لجمع الوثائق والأدلة والتواصل مع الأهل ومصادر المعلومات وجهات الاختصاص. إن قضيتنا الوطنية هي قضية جمعية، لكن قضايانا الفردية يجب ألا تتأخر أبدا، إذ أنه ومن غير المبرر أن تسبقك إلى الشكوى الجهة ذاتها التي تسببت في ضربك! فهل نحرك ساكنا أم نستمر في لعن الظلام؟
٭ كاتب فلسطيني
د. صبري صيدم