تنحط المأساة إلى مستوى الجريمة الجنائية الكبرى عند وقوعها في سياق ينزع عنها طابعها الاستثنائي، ويمتص شحنتها الرمزية.
ليس ثمة قدر ساديّ، أو إرادة متعالية ومبهمة، وراء المصير المؤسف الذي لقيه بعض من أشهر رسامي الكاريكاتور الفرنسيين قبل نحو شهر. كان عصر التنوير الفرنسي ذاته، قد خلخل الأساس الفكري للمأساة، حين أقصى البُعد القدري في التجربة الإنسانية، مهيئاً الأرضية لتفاؤل تاريخي ينهض على قناعة بإمكانية تغيير الشرط التاريخي الذي ينتج الشر.
غير أن الموت المجاني الذي حصد الأرواح في «تشارلي إيبدو»، مطلع العام، جدّد الشك في مجمل القيم التي يقوم عليها الخطاب المهيمن، السياسي والإعلامي خصوصاً.
وبقدر ما يمكن لحرية التعبير أن تكون واحدة من العناصر الأساسية لهذا الخطاب، بقدر ما يفرض الحدث الفرنسي مراجعته بهدف وحيد يتمثل بتجنب ذلك النوع من الموت.
تقنيّاً، وبالمعنى الجنائي المحض، كانت عملية القتل التي ارتكبت في الدائرة الباريسية الحادية عشرة، يوم السابع من شهر كانون الثاني/يناير، وأودت بحياة اثني عشر شخصاً، متوّقعة
جاء الهجوم الدموي بعد دعاوى قضائية أقيمت ضد الصحيفة، واستهداف مبناها بحريق متعمد ومجهول الفاعل. وبقدر ما اكتسبت الأسبوعية الاستفزازية زخماً جديداً دفعها لمواصلة خطها التحريري، الذي يهزأ بالجميع، فإنها نجحت في استقطاب المزيد من الكارهين.
في السياق الفرنسي العام، كان واضحاً أن المساكنة القائمة بين الأمة الفرنسية المتحدّرة من ثوّرة «الحرية والمساواة والإخاء 1789»، و»أمة» فرنسيي المستعمرات المتحدرين من فرنسا الكولونيالية، يكشف أكثر فأكثر عن توتراته العميقة والصدع الذي يكتنفه، على خلفية تردي متسارع للأوضاع الاقتصادية.
وفي سياق ثالث، خاص بعالم ما بعد نهاية الحرب الباردة، أفضت المسارات التي اتخذتها الانفجارات الاجتماعية الكبرى في بلدان عربية عدة، منذ نحو خمس سنوات، إلى تصعيد ما بات يدعى «الحرب الأهلية الكونية»، وهي الحرب العالمية الرابعة «بعد الأولى والثانية والباردة» والوحيدة، بحسب جان بودريار، التي تستحق، فعلاً، صفة العالمية.
وفق السياقات الثلاثة المشار إليها، بدا أن هجوماً على «تشارلي إيبدو» يندرج ضمن سياق منطقي، من دون أن يترك مكاناً لعنصر المفاجأة، بصفتها انقلاباً قدرياً، يشكّل عنصراً أساسيّاً من عناصر المأساة.
بغياب المفاجأة تغيب الانفعالات الشديدة والمؤلمة التي يفترض بالمأساة أن تثيرها، غير أن هذا ما رفض الإعلام المهيمن أن يراه، نظراً لتحوّل «حرية التعبير»، كعنصر في نسق ثقافي مهيمن، إلى دوغما مقدسة.
واصلت الميديا، المستندة في جانب كبير منها إلى قيم الثقافة «الشرعية» استعباط «الجمهور» عبر تسويق ما جرى وكأنه مأساة ناجمة عن صراع بين الحرية والبربرية، بين الخير والشر، وهو الاستعباط الذي طالما مهد الطريق إلى معالجات تعتمد العنف وسيلة وحيدة للقضاء على «البربرية»، من دون التنبّه إلى ما يمكن أن تمثله هذه البربرية في الزمن الإنساني المعولم.
في المقابل، لم يجر إنعاش النقاش النقدي الذي لا بد أن يبدأ بسؤال يتعلق بما تمثله «تشارلي إيبدو» نفسها، فالمسلمة ـ الجواب التي ترى فيها تجسيداً لقيمة حريّة التعبير، ليس بوسعها أن ترى أن الأسبوعية الساخرة مثّلت، أيضاً، وفي جانب كبير منها، ضرباً من الكراهية الصادرة عن تديين العلمانية. وهو ما دفعها، بصورة ممنهجة، لاستهداف رموز ثقافية كبرى، بدا أنها آخر ما يربط جماعات بشرية، لاسيّما جماعات الجنوب، في عالم اليوم الذي يختنق بالرموز الدنيوية، على حساب أي قيمة متعالية تتكثف فيها معاني الحق والخير… والمساواة والحرية والإخاء.
الدفاع عن «حرية التعبير»، على طريقة «تشارلي إيبدو»، وفي السياق العالمي اليوم، يعني أوّلاً العجز عن إعادة النظر في مجمل القيم التي يقوم عليها اجتماع إنساني يريد، حقّاً، أن يتجنب الموت المجاني للأفراد، وهو ثانياً رفض مقنّع لتلمّس الغياب الفاضح لعدالة التمثيل الثقافي، الذي يعكس، بدوره، خللاً مذهلاً في أنماط توزيع الثروة والسلطة.
في المحصلة، إنه رفض لمقاومة فعل السلطة المهيمنة، بالمعنى الواسع والعميق للعبارة، الذي يحرم الناس من إنتاج أنظمة القيم المنبثقة من أسلوب حياتهم. الدفاع عن حرية التعبير، في سياق كهذا، يشير إلى لاإرادة العمل على إعادة النظر في مجمل الأسس التي ينهض عليها الاجتماع الإنساني، ممثلاً في النمط العولمي الذي تكثفه مقولة القرية الكونية.
وبعد كل شيء، يبقى في النفوس أسىً فردي، سوداوي وعدمي، جراء الموت الذي حصد أرواح الضحايا؛ أسىً يعبر عن نفسه بتجمعات ومسيرات وبصرخة الـ»لن نخاف» المثيرة للدهشة «والخوف» معاً، إذ وحده الحشد الخائف من لا يكف عن إشهار «لا خوفه»، ووحده هذا الحشد من يخيف حقاً.
٭ كاتب سوري
محمد دحنون