بيروت ـ «القدس العربي»: انتظر قرّاء غادة السمّان حول العالم كلمتها.. غابت، قلة عرفت بانكبابها على مولود روائي جديد. أحداث جسام تهز المنطقة، وسوريا وسطها. طال الانتظار والصمت يلوذ قصياً في الاغتراب. بعد مرور ما يقارب السنتين حطت نقطة النهاية على سطر الرواية الأخير. أطلقت السمّان على مولودها «يا دمشق وداعاً ـ فسيفساء التمرد». الكاتبة التي أحبت دمشق حتى العشق، اختارت اللحظة المناسبة، لتجدد اعلان مشاعرها. سيدة الحرية بامتياز أهدت روايتها «إلى مدينتي الأم دمشق… التي غادرتها ولم تغادرني، يوم رحيلي صرخت في وجهي: «أمطري حيث شئت فخراجك عندي».
يردد بعض الروائيين، أن شخصيات في رواياتهم تعبر عنهم بشكل أو بآخر. فيما تكتب السمّان في مطلع جديدها «هذه الرواية (…) فهي من صنع الخيال الروائي الخرافي فقط لا غير، وأي تشابه مع أحياء أو أموات إنما هو من قبيل المصادفة». ليس للروائي فكاك من الخيال.. بدونه يفقد التشويق، لمساته الذاتية، وفيض التفاصيل تدخل عمله لتصنع منه عالماً مصغراً. لن يترك للواقع تحريك كلماته، بل سيجعل منه فانتازيا يغزو عبرها الأماكن التي تحلو له. غادة السمّان حرّكت خيالها بترك ابطال روايتها يسرحون في مدى الحرية المحسوب. أتى الخيال بنكهة وأحداث فائضة.. محاولات الكاتبة التنصل من كونها متقمصة شخصية «زين»، لم تفلح. متابعوها من البدايات، روائياً أو في تعبيراتها المختلفة عن ذاتها، لن يجدوا بعداً ملحوظاً بين شخصيتها، وتلك المرسومة بالكلمات لـ»زين». وفي المكانة عينها تبرز شخصية «غزوان» شاب «حديقة السبكي»، رفيق الحرف والفكر. الصدفة جمعتهما في بيروت. «زين» تمسك مفتاح قلبها. تمنع هورمون الحب من الحركة فوق المعدل المسموح. وتترك لهورمون السعادة أن يتدفق. سعيدة بخصائص بيروت ورحابة صدرها. وسعيدة بـ»غزوان» اللاجئ الفلسطيني الآتي من شواطئ عكا. رفيق الأبجدية المنذور لفلسطين، يذوب عشقاً بقلم، وبفتاة زقاق الياسمين، المتيمة بدمشق والحرية.
سرت غادة السمّان، المرأة المتمردة، منذ طبع حرفها الأول في جينات «زين». عبرها حددت ما تريده من المرأة. زمن الرواية يعود لستينات القرن الماضي. هو واقع الإقصاء للمرأة، هي المطيعة. «زين» ناهضت السائد. نطقت بالحب والحرية والتمرد. تختلف عن شخصية الطبيب النسائي «رهيف المناهلي» الذي يمتهن الإجهاض فقط. إنه شخصية مركبة بعناصر عدة.. طبيب صعد من القاع.. قاوم تمنيات والديه المطلقين «ليتك مت». شرب من عنف والده ما قطّع أحشاءه. داوى جراحه البالغة بمنع ولادة أطفال غير مرغوب بهم. هو باب التعبير الذي أتقنه وصمم عليه.
«زين» إنسان مركب بما لا يطيقه الرجال. يصفها طليقها «وسيم». «زين مخلوقة لا تُطاق لها وجه أنثوي عاشق لكنها في حقيقتها صلبة كرجل، بل وتقلد حياته إذ تنهض في الصباح الباكر وتذهب إلى عملها (…) تلك الكتب اللعينة (…) خرّبت عقلها (…) كل من يعادي سباحتي في محبرتي هو شخص ينبغي أن ألغيه من حياتي. كنت أضجر من كلامها الذي لا أفهم معظمه». عشق «زين» للحرية والطيران بدون قيود، حمل خيالها إلى شخصية «مطاع»، الشاب المتحدر من عائلة ثرية، شكّل المثال المقيت جداً للرجل الذي يرى في المرأة متاعاً، وهو الذكر الذي لا يُرفض طلبه. غدر بالفتاة التي اُرغمت على خطبته، واغتصبها. ليقول منتشياً: «جاء دورك لتقبيل حذائي كي أستر عليك…». وصفت مشهد الاغتصاب بدقة متناهية. وصل صوتاً وصورة. شبهت المغتصب بوحيد القرن. «يغرس قرنه جيئة وذهاباً كمن يطعن جسداً مرّات عدة في الموضع ذاته..»، لم تترك السمّان «فضيلة» مكسورة. حصنتها بالتمرد. ركلت «مطاع». وتزوجت حبيبها «نجم». إنها «الثورة» تنطلق من «زقاق الياسمين». بعد «زين وفضيلة»، أعلنت «حميدة» تمردها بانضمامها إلى حزب البعث. «نعم أنا بعثية وليجرؤ أخي على ضربي بعد اليوم»!
تتدرج غادة السمّان في تسطير تقدم اسم «زين» بين اسماء «رفاق الحرف». يصدر كتابها الأول من بيروت، تقرر متابعة الدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت. يبارك والدها، تحتاج لإذن خروج من المخابرات، السيناريو المعروف، رجل المخابرات «ناهي» يرغب في الاستفراد بـ»زين». تُفسد شهواته. تلتف على قرار منع المغادرة وتصل بيروت، وتبقى ممنوعة عن دمشق وزقاق الياسمين، الذي يسري في دورتها الدموية. ومن بيروت تقول «زين»: قررت ألاّ أقفز إلى الهاوية ثانية، بل أن أكتشف أجنحتي لأطير.. لأطير..
«زين» شخصية محورية في «الرواية المستحيلة ـ فسيفساء دمشقية» الصادرة في طبعتها الأولى في نيسان/إبريل 1997، وتعلن الكاتبة أن «يا دمشق وداعاً» هو جزؤها الثاني. عودة للغوص بعالمها الدمشقي الحميم، تتمرد على التعليب الفكري، وتدجين الكاتب في قمقم المسموح والممنوع، وتسمي الأشياء بأسمائها مع عالم المخابرات الجاهز لتفصيل التهم بالعمالة. «يا دمشق وداعاً» رواية تستمد قوتها من عالم المرأة المطواعة، هي موجودة في حارات دمشق الأنيسة بناسها، هناك تغيب مفردات عن المرأة، منها الحب والحرية. دونهما جمر يكوي اللسان. في هذا الكتاب كانت أسلحة «زين» الجاهزة طرد الخوف، والمسؤولية الاقتصادية عن الذات، ففي روايتها، النساء والرجال، يفتخرون بـ»زين». لم تكن وحيدة تحاضر بالحرية، بل حررت بعض نساء روايتها من أعباء بعض التقاليد، منهن «فضيلة وحميدة». وكذلك ضرتان اعلنتا عصياناً على الخدمات الجنسية لزوجهما «عيدو»، وسرى بينهما الود.
وصفت السمّان يوميات دمشق وكأنها لا تزال في دورة دمها. روت دبيب الحياة في الأزقة مع الفجر. كتبت أفكار رجالها ونسائها. وسردت كماً من الأمكنة المجهولة لغير الدمشقي. طارت بجناحيها إلى بيروت، وأرّخت بعضاً من حال المدينة الثقافي في جزء الرواية الأخير، هي بيروتية، بقدر ما هي دمشقية.
كثفت غادة السمّان نصها.. يفيض متعة.. رواية بحدود 200 صفحة من الحجم الكبير، ضجّت بالأفكار والآراء والمواقف. تمررها الكاتبة بهدوئها المعهود، وحدها الحرية تتفرد بصوتها الخاص جداً، ضمن سيمفونية التطلع نحو غد أفضل للشعوب.
زهرة مرعي