عبد القادر الحصني: «تنشر غسيلها على السياج»

حجم الخط
0

اتصفت قصيدة الشاعر السوري عبد القادر الحصني بسمات كثيرة في المضمون والشكل، كانت الأبرز فيها سمة أولى دائبة هي النفحة الصوفية، والتوجّه إلى مخاطبات الروح ومقاماتها؛ والثانية كانت صموده في شكل التفعيلة على مدار عقود، حتى بلغ الأمر به مقاربة القصيدة العمودية في واحدة من مجموعاته الأخيرة. ولعلّ ضغوطات هذه الخيارات، وربما تفاعلهما على يديه في طرائق شتى تركيبية، هو الذي جعل قصيدته أقرب إلى منحوتة إيقاع ولغة ومجاز ومعنى في آن معاً. مجكوعة الحصني الأولى صدرت سنة 1976 بعنوان «بالنار على جسد غيمة»، أعقبتها «الشجرة وعشق آخر»، «ماء الياقوت»، «ينام في الأيقونة»، «كأني أرى»، «سارقو النار»، و«في محبتها»؛ كما نشر في التصوف: «شرح ديوان الحلاج»، و«الطواسين».
وعلى غلاف مجموعة الحصني الجديدة «تنشر غسيلها على السياج»، كتب الناقد العراقي محمد صابر عبيد أنّ تجربة الشاعر في هذه المجموعة تتجه إلى ما أطلق عليه تسمية «الخلاصة الشعرية» التي «تنزع عنها كل ما هو زائد ووسيط ومساعد وساند من اللغة، وتكتفي بالجسد النصي المتكامل البرئ المشع الذي يصعب الاستغناء عن أيّ عضو فيه مهما كان صغيراً، من الحرف إلى الكلمة إلى العبارة وحتى العلامة والإشارة والحركة. كلّ عضو من هذا الجسد له وظيفة ولا يتكامل الجسد إلا بتكامل الوظائف وحشدها في منظومة شعرية جمالية مشتركة واحدة، وهو ما يمكن أن نصل فيه إلى مصطلح السبيكة الشعرية».
هنا قصيدة «هذا شأنُها كلَّ يوم!»:
«ويخجل هذا الغريب إذا بلغتْ نفسُه منتهاها
تخجّله حفنةٌ من تراب
تقول له: كيف تسرقني من بلاد
وتنأى بنفسكَ عنّي
وتسلمني لبلادٍ سواها؟

أنا ما سرقتُكِ
سوف أعيدُكِ
هل كان منّيَ غير الذي تعرفينَ
وهل تسمعينَ من الناي إلا الحنين
وهل وسعُ نفسٍ تقدِّر في أيِّ أرضٍ تموتُ
فلو يُشترى أو يُباع السكوتُ
كفاكِ… كفاني!

–  تسكِّتني! هل أبوح لغيركَ مما أعاني؟
أنا كلّ يومٍ أراكَ تموتُ
أعيش مرارةَ: أين سأذهب بعدكَ؟
ليت المعاني تُعاني الفراغَ…
الفراغَ… وكم موحِشاً في الأواني!

فهمتُكِ.
واللهِ أفهمُ
وعدٌ عليّ
سأطلب إن كان للروح ما تستطيع اليدانِ
لأحمل منك الذي تحملانِ
وأودعُه في ثراها
وما لم أقله، اسمعي أنا أيضاً
إذا صرتُ روحاً أحبّ بلادي
ولو قفرة نفرة في ثياب الحِداد
وأيضاً أحبّكِ
سوف أحاول ألّا تكوني هنالك وحدكِ
للروحِ يومئذٍ من هداها
صراطٌ يبلِّغها منيةً من مناها
وأمنيّتي أنْ أظلَّ بقربك
سوف يقولون لي: أنت لستِ التي
وسوف أقول لهم: جثّتي!

صحيحٌ هما أجَلٌ وكتابْ
ولكنَّ من يؤنس الروحَ يؤنسُ حتّى الترابْ
سأفعل كلّ الذي أستطيعُ
أقول لقد مرّ بي عمُرٌ مَن رآها رآني
ومن حقّ تُربتها أن ترى من يراني يراها
فماذا تريدين أكثرَ؟
أرجوكِ أن تثقي… أنت من لا أريد سواها
وإن كان ما لا تريدينَ
أن تعذري
تغفري
تمنحي عشبةً أنْ تُتيح لهذا الهواء شذاها
اتفقنا؟
اثفقنا، ونامتْ
وها أنتَ تسهرُ
يبتسمُ الربُّ: طوّلتَ بالكَ
لو قلتَ من أوّل الأمر أنّك لستَ إلها!
خطوط وظلال، عمّان 2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية