من خان المعارضة في «رتيان» حلب؟

حجم الخط
0

مع مغادرة المبعوث الأممي (دي ميستورا) إلى واشنطن حاملاً عرضاً من النظام لتجميد القتال في حلب ووقف القصف الجوي لستة أسابيع، كانت هناك تحضيرات مرافقة تجري على قدم وساق لحملة عسكرية يعد لها نظام (الأسد) ومنذ أسابيع لتسبق الخطوات الدبلوماسية، غايتها إحكام حصار حلب وقطع خطوط الإمداد عن الثوار وفتح الطريق نحو نبل والزهراء، لفرض سيناريو مشابه لما حدث في عاصمة الثورة (حمص)، ضارباً عرض الحائط لكل وعوده للمبعوث الأممي وكل ادعاءاته بالجنوح لحلولٍ سياسية في حلب، وهذا ما أكده أحد رجال النظام طالب إبراهيم على إحدى وسائل الإعلام عندما قال: تلك ليست هدنة … بل هي عملية استسلام المسلحين للدولة، ولكن كيف حصل ما حصل في حلب؟
منذ أسابيع، وفي جنح ليل، كانت قوات النظام تعد العدة لعملية عسكرية تحقق لها الأهداف الثلاثة السابقة، وبالتعاون مع بعض الخلايا النائمة في قرية رتيان، وتمت المؤامرة من خلال تجنيد قوات النظام لإحدى عائلات القرية المرتبطة معه من آل (دعبول)، التي قامت بنقل حوالي 600 عنصر من عصابات نبل والزهراء إلى قرية رتيان، عبر تهريبهم بخزانات الماء والوقود مع أسلحتهم الخفيفة (تم اعتقال الشبكة المتعاملة واعترفوا بجرائمهم من خلال التحقيق المستمر حتى الآن معهم)، وخلال المعارك تم إلقاء القبض أيضاً على عميل للنظام أثناء تواصله مع إحدى الطائرات، كان يحدد لها الأماكن الواجب قصفها وألقي القبض عليه بينما كان مختبئا داخل أحد بساتين الزيتون على أطراف مدينة حريتان.
وكانت خطة النظام تقضي بالسيطرة على دوار وقرية باشكوي وقطع طريق الكاستيلو ومن ثم المتابعة بتحقيق باقي الأهداف، وخُطط للعملية أن تتم عبر ضربة عسكرية مزدوجة، وبرأسي حربة، إحداها يتحقق بتقدم قوات مدعمة بأسلحة ثقيلة لميلشيات (الأسد) ليلا» متجهة» من السجن المركزي الذي يقع بين المدينة والريف إلى منطقة معمل الإسمنت الذي يقع غرب السجن المركزي إلى سيفات ثم باشكوي و دوير الزيتون، والرأس الثاني يتحرك من داخل رتيان عبر العصابات التي تم تهريبها، مع استغلال ظروف الرؤية السيئة والضباب التي تم التغلب عليها بتجهيز القوة المهاجمة بمناظير ليلية وأجهزة رؤية متطورة.
تحركت القوات المهاجمة من جناحين، وحققوا مفاجأة للثوار وسيطروا على قرية باشكوي والدوار، ومنها تقدموا لقريتي حردتنين وحيان، حيث ارتكبوا هناك مجزرة راح ضحيتها أكثر من خمسين طفلاً وامرأة ورجل مسن من أهالي المنطقة ذبحاً بالسكاكين ورمياً بالرصاص، ولتأمين نجاح العملية أقدمت قوات النظام على فتح معارك جانبية في داخل مدينة حلب ( حي سليمان الحلبي وجمعية الزهراء ومحيط ثكنة هنانو) غايتها لفت الانتباه وتشتيت قوى الثوار عن الاتجاه الرئيسي لتحرك قواتها.
غرفة عمليات حلب أطلقت النفير العام، وأعلنتها معركة مصير، انطلقت من مزارع الملاح شمال شرق الكاستيلو إلى جنوب قرية باشكوي ومن شرق حريتان إلى غرب حندرات، وفي ظروف جوية استفاد منها الثوار في تحييد الجهد الجوي للطيران نتيجة انعدام الرؤيا، أما الأسلحة الثقيلة والصاروخية للنظام فقد تم تحييدها أيضاً عبر تكتيك الالتحام بمعارك قريبة جداً من صفوف العدو مما أوقف تلك الهجمات، وبهذا التكتيك استطاعت فصائل الثوار من استعادة كافة القرى التي فقدتها، وزادت عليها السيطرة على مواقع متقدمة منها قرية عرب السلوم، ونتيجة لتلك المعركة استطاعت كتائب الثوار من إيقاع ما يفوق الـ300 قتيل من بينهم (2-3) ضابط إيراني وما يزيد عن الـ100 أسير من قوات النظام والقوى التي ساندته من حزب الله والحرس الثوري الإيراني والمرتزقة الأفغان وشبيحة نبل والزهراء، ولاستثمار النجاح في المعركة فتحت غرفة عمليات حلب جبهة جديدة على محور عزيزة في جنوب حلب غايتها قطع أو التأثير على خطوط إمداد النظام القادمة من حماة.
وتستمر المعارك على أطراف باشكوي كآخر نقاط بقيت بيد عصابات النظام، ولكن يبقى في ما حصل درساً كبيراً في فن إدارة المعارك، وصفعة غير متوقعة لقوات النظام وحواشيها، بعد معركة انقلب فيها السحر على الساحر، وبعد معركة استطاع بها ثوار حلب من قلب مفاهيم قواعد الاشتباك، نعم …. لقد فعلها ثوار حلب ولكن:
فرحة الانتصار وقوة المواجهة وحلاوة التقدم يجب إلا تُنسي المقاتلين أن هذا النظام غادر وماضٍ في إجرامه وطالما أن رأس الأفعى لم يُقطع فلا يُأمنن جانبه.
تفاصيل بعض التسريبات تقول إن النظام سيعمدُ حالياً ممثلاً بأجهزته الإستخباراتية والتشبيحية المليشياويّة إلى حشد قوات كبيرة في منطقة الـســفــيــرة شرقي حلب ومخيم النيرب، وقوام هذه الحشودات من حيث العتاد دبابات وعربات مدرّعة وراجمـات صواريخ، فضلاً عن أعدادٍ كبيرة من عناصره على اختلاف انتمــاءاتها (حرس جمـهوريّ ولواء من الفرقة التاسعة وميلشـيات شـيعية وشبيحة)، إضافة إلى الدفعة التي ستتخرج من معسكر اللواء 47 جنوبي حماه من المقاومة العقائدية، وهي حصيلة قيادة مشتركة إيرانية – سورية ممثلة بمكتب الأمن الوطني الذي يقوده «علي مملوك»، تلك القوات تنتظر الفرصة المناسبة لبدء عملية الهجوم بهدف إعادة محاولة تطويق مدينة حلب من الشمال، علماً أنّه ينتظر فرصة تحسن الحالة الجوية كي يكون سلاح الجو -الطيران- مشاركاً في حملته العسكرية على حلب ومؤازراً لتقدّم قواته.

العميد الركن أحمد رحال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية