القاهرة ـ «القدس العربي»: في بيت الأمة وفي واحدة من أكبر قاعات الفن التشكيلي، كان المعرض الفوتوغرافي الثاني للفنان المصور أحمد راضي، الذي اختار له عنوان «همس الجنوب» ليكون دالا على هوية وطبيعة أبطاله من سكان المنطقة الأكثر ثراء في مصر المحروسة، ليس أدل على عمق الثقافة الجنوبية ونقاء أصحابها من صدق الكاميرا وحيادية العدسة الشفافة التي ترى الأشياء وتسجلها من دون تحيز أو تجميل.
الصورة والضوء واللون والزوايا مفردات اللغة في الحوار الناشئ والممتد بين المصور الماهر المتأثر بالثقافة السينمائية وتقنياتها، وتلك البيئة الخشنة الضاربة في عمق الحضارة الإنسانية لسبعة آلاف سنة ويزيد. لم يعتن أحمد راضي في معرضه الثاني بغير الإنسان وجهه وروحه وخصاله وحرفته وزيه، فتلك سماته الرئيسية تميزه وتفرق بينه وبين الأغيار من البيئات المختلفة، فنلمح في اللوحات المتجاورة وجوها يكسوها السمار وتملؤها التجاعيد كأنها بصمات الزمن أبت إلا أن تترك آثارها لتوحي بعمر الإنسان وما كسبته يداه وما أسهم به على مدار السنوات الطوال، فهمه لوحة لرجل ينحني على آلته البدائية ليصنع آنية الفخار. وتلك امرأة تحمل طبق الخوص ومن فوقه أشياؤها ومقتنياتها. وفي بؤرة العدسة الحنونة وعلى ناصية اللون والضوء تبدو ملامح جديدة لطفل وطفلة يستقبلان الصبح الوليد ويعانقان الطبيعة البكر وبينهما مجرى النيل شاهد على البراءة المطلقة في عيون أحباب الله .
صورة أقرب في بلاغتها ومعناها إلى الصورة الشعرية في قصيدة بالعامية المصرية التكوين والدلالات والاستعارات المكنية نفسها، لا فرق سوى ذلك التجسيد الذي هبط بالأخيلة والأحاسيس على الأرض يمنحها حق الوجود الكوني، فنراها صورا وإشارات وطقوسا تتحول وتتباين بفعل الإبداع المتناسق. الانسجام والمنمنمات الصغيرة وهبتها العدسة اللاقطة فرصة التنامي فرأيناها على دقتها عالما موازيا له الأهمية ذاتها في المعنى. فليس الهمس غير حوار خفيض بين صور وكائنات وبشر يعلو إيقاعه أحيانا فيبدو كأنه جهرا بالحقيقة التشكيلية، ويدنو أحيانا أخرى فيصير سرا يذاع على استحياء لأول مرة تشي به الطبيعة في أذن من يطالع اللوحات وتدهشه مكونات الصورة الفوتوغرافية الحية بعد أن قبض عليها أحمد راضي متلبسة بالجمال فوضعها في برواز أنيق على الجدار في مواجهة العين.
ليس
ثمة تنافر في البيئة الجنوبية المتجانسة يمكن أن يعكر صفو العلاقة بين التكوينات الصامتة والناطقة في اللوحات، أعواد البوص والظلال والبقع الضوئية المتساقطة من أعلى، والقلل القناوي والرمل الملون أو الرجال الراقصون بالعصا على إيقاع الدف وأنغام المزمار البلدي وأعناق ورقاب الجمال المطلة كرموز قوية للعلاقة بين البيئات الجنوبية وسفن الصحراء (الإبل). إنه الرصد الدقيق لاختلاف الثقافات والمجتمعات والإفراز الإبداعي الطبيعي بدون رتوش أو تزويق يطفو به راضي على السطح بعد استدعائه من عمق العمق الغائر في الصحراء.
ولم ينس المصور صاحب البصيرة ذلك النيل الواهب للحياة فيسجله في ذاكرة الكاميرا مشفوعا بمزاياه، فنراه ينساب في جداول متعرجة ومستقيمة حاملا على ضفافه فرحة الصبية ومراكب الصيد وشباك الثروة السمكية المتنامية بالخير والرزق والغذاء يطرحها الصيادون بحرفية فتعود إليهم عامرة بما تشتهي أنفسهم وما يثري جيوبهم .
إنها آيات السعي والاجتهاد دليل دافع على القناعة والرضا بالقليل وهي ذاتها مفهوم المعنى الكلي في الخلفيات واللقطات والإدراك الذهني لأبعاد الصورة الفوتوغرافية الحية، التي أكسبها أحمد راضي وهجا ووضحا وأضاف إليها من موهبته وثقافته الكثير، فجعلها فنا ناطقا وحررها من الصمت المطلق.
«همس الجنوب» عنوان الوادي الآخر لمصر التي رأيناها بعين الكاميرا.
كمال القاضي