خلافا لما يوحي به ظاهر العنوان الفرعي، لا تقترن النظرة الأخيرة الملقاة على الكون بأي طقس جنائزي، كما أنها لا تحيل إلى أي إحساس سوداوي ومأساوي بدُنُوِّ لحظة الغياب الكبير بما هي لحظة عدم وفناء، بل إنها على النقيض من ذلك، إشارة إلى الاتجاه المضاد لطقس الموت، من دون أن تكون بالضرورة منزهة عنه تماما.
إشارة توحي بموقع السؤال الذي به ومنه تتشكل حياة الكتابة.. حياة الشعر. النظرة الأخيرة هنا لا تنحصر في ما هو معروض أمامها؛ لأن هذا الأمام وبموجبه ليس سوى تلك العين المجهرية الدقيقة والثاقبة، التي تعمل على التجميع البصري والتأملي لكل ما سبق رؤيته ومعايشته، وما سبق التفكير فيه ونسيانه ربما.
إن ما يشاهَد في تلك اللحظة بالذات يتشكل من جميع العناصر المحيلة إلى بنائها وبنياتها، حيث كل شيء معزز بحضوره الكامل، الذي لا يتحقق فعله إلا على أساس حضورها. إنها مصدر العطاء السخي الذي يجود به الوجود على الذات بعد طول تماطل واختبار وتضليل وتنكيل أيضا. كما أن النظرة الأخيرة الملقاة على الكون لا تُتَملَّك مجانا أو من قبيل صدفة إعجازية تتوحد فيها المخيلة بالذاكرة، والجسد بظلاله؛ لأنها نهاية مطاف انتظارات كانت يائسة وواعدة في الآن بجزيل الثناء، كما هي نهاية مطاف حدوس غالبا ما كانت تخطئ الطريق إلى مقاصدها المستشرفة لما ظل أبدا متواريا هناك.
إنها أكثر من ذلك لا تشي بتحققها المحتمل.. لا تخبر، لا توحي، باعتبار أن مفهوم البشارة غير مدرج في معجمها وفي خطابها.. إنها شبه مستقلة بقرار الظهور. إنها الثناء الكبير الذي يندلق بموجبه ماء النص من نبع الكتابة. النظرة الأخيرة توهم ضمن ما توهم به، الدنو الوشيك للحظة غيابها الأبدي، هذا الإيهام هو الذي يعطل إرادة المماطلة لدى الوجود، فيبادر بإهدائها مفاتيح باب خزائنه باعتبارها أساسا مفاتيح باب الجحيم التي سوف تبتلعها لا محالة كي لا تشعر الآخرين بما رأته.. كي لا تفشي سر الباطن.. كي لا تبوح.
إنها النظرة اللازمنية غير المقيدة بأي لحظة من لحظات الصيرورة، إنها أيضا الدائمة الظهور كما هي دائمة الغياب، وفق ما تقتضيه القوانين الداخلية التي لا تني الكتابة عن وضعها بعيدا عن بياض الهوامش. من قلب هذا الظهور والاختفاء تستمد الكتابة جديد أسئلتها، ومن قلبه أيضا يشع ضوء النص فرحا بتحرره من الإقامة في جحيم المابين، وفي حركية الحرف المؤجلة، وكذلك في صخب الأسئلة العشوائية المتنافرة والمتعارضة. فالنظرة الأخيرة على الكون تمارس فعل انتقائها للجوهري من خلال إزاحة وإبعاد وتشطيب ما يعتبر حشوا لا فائدة مرجوة من حضوره داخل إطار الصورة الأخيرة، خاصة أن الزمن أمسى خلالها ضيقا، حيث تتعذر معه إمكانية تمديد مدة الطواف أو المراوحة أو البحث البطيء عن زاوية النظر. إذ أن كل ما يقع، ينبغي أن يقع في تلك اللحظة اللازمنية التي تختزل أعمارا كاملة من الأفكار والصور والأصوات، والتي تتمحور غايتها في التقاط ذلك السؤال الحارق والجوهري المتمحور حول سؤال علاقة اللغة بمجموع ما تملكه من حروف لا مناص لها من الانصهار المبرح في نار الكتابة، من دون أن تظل كذلك مجرد حروف.
هنا يصبح للسؤال/للأسئلة شأنها الإشكالي، وسمةُ ذاتٍ متوجسة من أي طرح لا يليق بها، بمسارها وهيبتها، حيث يكون سؤال النظرة الأخيرة هو سؤال السير المرح على الحافة، وحيث ما من شيء يستوجب الحذر والخوف والتوجس، كما سيكون المقامرة الكبرى والمتهورة للكل من أجل الكل. مقامرة تضع فيها الذات مجموع ما تملكه من أرصدة دلالية في قلب الخانة التي يمكن أن تتحول إلى بئر، أخدود أو هاوية عديمة القرار، أو إلى منبت رمزي يعِد بما لم يخطر على بال الكتابة ولا على بال القراءة. هنا أيضا يكمن الإشكال الملازم للنظرة الأخيرة، حيث تبدو في متناول الجميع، بقدر ما تبدو غائبة عن علم هذا الجميع، باستثناء تلك اليد ذات الخطوط الهرمسية التي يتشكل في تقاطعاتها وتفرعاتها الغامضة جسد النص. وبالنظر إلى ما للنظرة الأخيرة من حضور متجذر في لاوعي الكائن، فإنها تمارس مهنة تعميم الرضا لدى الرائي، بصرف النظر عن خصوصيات أسئلته التي يمكن أن تكون أسئلة جديرة بالمساءلة، أو محض كومة قش تذهب بها أوائل الريح. تعميم الرضا بهذا المفهوم يعني تعميم الخلط، تعميم الفوضى السالبة، وإفراغ الخطاب من مصداقيته. غير أن انحيازنا الطبيعي لأسئلة الكتابة الجديرة بالمساءلة، يدعونا للفصل الحاسم والجذري بينها وبين ما نعتبره مجرد نسيخة لا يمكن أن تستقر الأسئلة على ظاهرها الأملس.
النسيخة وظلمة الخلسة
إن النسيخة هي المزاحم اللاشرعي للنص/نصوص الكتابة، المتشكلة في ظلمة الخلسة بتلك الأصوات والصور المستوحاة من المرجع الحي المجسد في النص/الكتابة، إذ في قلب الخلسة التي تحيل على فعل الاختلاس الخاطف، يتم تصنيع الشبيه الذي تقتصر علاقته بالمرجع الحي في تماهيه مع ظاهره من دون باطنه، ليأخذ بناء على ذلك وتحت الرؤية الثاقبة الخبيرة بتفكيك البنيات، شكل لقطة ثابتة خالية من أي أثر للحياة خلوها من أي أثر الموت.
إن النسيخة غير معنية بأي شيء مما يصطخب به الباطن من إيقاعات وتعارضات، ومن تفاعلات وارتطامات مجلجلة وحنون، مُكتِّلةٍ ومشظِّيةٍ في آن. إن القصد المركزي والمهيمن لدى النسيخة المصنعة في دكنة الخلسة، هو إعادة إنتاجِ شبيهٍ يراد له أن يحيا بفضل تلك المردودية المفترى عليها والمتدفقة جُورا من أسواق التداول النصي. لذلك، وبالنظر إلى استحالة التماهي الفعلي للنسيخة مع نص الكتابة، فإن محترِفَ التنسيخ المتواري في ظلمة الخلسة دائما، يعمل على تطوير اختصاصاته بما يتوفر عليه من تقنيات ومعارف التزييف من أجل إعداد نسيخة «مبهرة»، يمكن أن توهم الرؤية الساذجة بامتلاكها للحد الأدنى من شروط الكتابة. وهو ما يحدث جهارا هنا وهناك، في غفلة عن عين الحكامة النقدية الجديرة باسمها.
قد تنطوي عملية إنتاج النسيخة على متعة ما، كما قد تنطوي على قدرات ومواهب هي مؤكدا مختلفة تماما عن تلك الحاضرة في جغرافية الكتابة. إنها تقنيات ومعارف انتحال ظاهر النص دون باطنه. إن أسئلة النسيخة تنفصل تماما عن أسئلة الكتابة لأنها مستمدة من غرفة الخلسة التي لا أثر فيها لأسئلة الكينونة /الحرف/ الجملة/ أو النص. إنها خلاصة تحريف المسارات التي تتوق القراءة إلى اجتيازها، كي تميل بها إلى ذلك الجناح المريب الذي يُخضع فيه القارئ لمنهجية الانطلاء، أي إجباره – وتلقائيا- على المصادقة وتصديق ما توهم به. تلك هي الجناية الكبرى التي تمارسها النسيخة على الكتابة والقراءة، علما بخلوها من أي جسد قابل للارتعاش، أو التماهي مع ضوء القمر أو الشمس، فضلا عن جهلها المطبق بمصادر الصوت التي تطل منها الجهات.
شاعر وكاتب مغربي
رشيد المومني