الأزمة بين مصر وإسرائيل أصغر من أن تهدد علاقاتهما العميقة

وديع عواودة
حجم الخط
2

الناصرة ـ «القدس العربي»: منذ اندلاع أزمة العلاقات بين مصر وإسرائيل قبل أسبوع، كانت مصادر أمنية في الجانبين تحاول تخفيف حدته ويبدو أن مجرد الحديث العلني في الإعلام عنه قد سبب حرجا وإرباكا للقاهرة. وربما بسبب ذلك تفيد تسريبات إسرائيلية من دون الكشف عن تفاصيل، ان الطرفين احتويا الأزمة وانها على وشك التسوية النهائية.

وكان وزير المخابرات المصري عباس كامل قد ألغى في الأسبوع المنصرم زيارة كانت مقررة لإسرائيل تعبيرا عن غضب مصر، وهذا قاد رئيس المخابرات الإسرائيلية رونين بار لزيارة عاجلة لمصر. وكان وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس قد تطرق للأزمة بعد مرور عدة أيام عليها طبقا للإعلام العبري فقال إنها من تبعات عملية «بزوغ الفجر» آملا ان تمر قريبا. كما هو الحال مع غانتس أبقى القادة الإسرائيليون الموضوع غير واضح ويلفه الضباب ما يشي بأن الأزمة أو التوتر مع مصر لم تتبدد أو أن هناك تفاهمات سرية لم يحن موعد استحقاقها بعد.
ويبدو أن عدة أسباب تراكمت وتزامنت تقف خلف هذا التوتر النابع من حالة حرج لازمت مصر وحاكمها عبد الفتاح السيسي الذي رفض رئيس حكومة الاحتلال يائير لابيد طلبه بضبط وتخفيف المداهمات والاعتقالات وأعمال القتل داخل الضفة الغربية ريثما يتم تثبيت اتفاقية وقف النار بين إسرائيل وبين الجهاد الإسلامي.
ووفقا لمجريات الأحداث منذ انتهاء عدوان «بزوغ الفجر» يبدو ان اتفاقية وقف النار نفسها شكلت إحدى أسباب التوتر، لأن حكومة الاحتلال أخلت بوعودها بالإفراج عن الأسيرين بسام السعدي وخليل عواودة ما ترك ظلالا سلبية على مصر وهيبتها ومكانتها ودورها كوسيط. بل ان هيبة مصر قد تضررت أصلا بفعل الاعتداء الإسرائيلي على غزة، حيث استخدمت حكومة الاحتلال وساطة مصر ومحاولاتها نزع فتيل المواجهة بعد اعتقال بسام السعدي في جنين، وسيلة من أجل تخدير الجهاد الإسلامي والتغرير به، كما أفادت تسريبات إسرائيلية. بحال صدقت هذه التسريبات أو كذبت فإن مصر وجدت نفسها بحالة حرج، فإن كانت تعرف فتلك مثلبة وان كانت لا تعرف واستخدمت من غير رغبتها ومعرفتها كأبرة تخدير فالمثلبة أكبر، لا سيما والحديث يدور عن الدولة العربية الأكبر والوسيطة مع الفصائل الفلسطينية.
يضاف لذلك المفاعيل السلبية الكبيرة والثقيلة التي تركتها بالتزامن التقارير الإسرائيلية عن مقبرة جماعية لعشرات الجنود المصريين ممن احرق وهو على قيد الحياة في منطقة اللكرون عام 1067.
كذلك فإن الحديث عن إسقاط طائرة مسيرة مصرية دخلت البلاد من سيناء زاد الطين بلة مثله مثل أحاديث علنية تناولها الإعلام العبري ووضع مصر بحالة غير مريحة في قضايا أخرى.
مع ذلك ينبغي التأكيد ان هذه التوترات ليست سوى هزة لا تهدد العلاقات الثنائية بين مصر وإسرائيل كونها استراتيجية وعميقة تقوم على تعاون أمني خاصة ان سيناء مصدر تهديد مشترك لهما في ظل وجود جهات جهادية معادية لهما. كذلك فإن إيران بالنسبة لهما عدو مشترك، لأن مصر ترى بحيازة إيران للسلاح النووي كما في عيون إسرائيل، خطرا عليها وعلى دول خليجية. أضف إلى ذلك استيراد مصر للغاز من إسرائيل لاستهلاكها الذاتي ولتوريده لدول مجاورة أخرى يندرج ضمن تعاون اقتصادي أكبر يشمل مرفق السياحة أيضا. فسيناء عادت لتكون وجهة لعشرات آلاف السائحين الإسرائيليين كل عام.
لذلك ليس مفاجئا ما كشف عنه الكاتب الصحافي الإسرائيلي تسفي برئيل، الذي قال في نهاية الأسبوع إن إسرائيل ومصر تمكنتا من احتواء التوتر الذي حصل في العلاقات بينهما في الفترة الأخيرة، لكن يجب على إسرائيل أن «تتصرف بحرص وأن توازن بين شبكة جديدة واسعة من المصالح» وأن تعلم أن المصالح الاستراتيجية لها «ثمن» يجب دفعه.
ويشير الكاتب الإسرائيلي في تحليل نشر على صحيفة «هآرتس» إلى أن مصر «تغاضت» عن التوتر الذي أوردت تقارير سابقة أنه حدث بين البلدين. وقال برئيل أيضا إنه من الصعوبة إيجاد أي ذكر لهذا الأمر في وسائل الإعلام المصرية والعربية، ما اعتبره «علامة إيجابية» على أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يسعى لاحتواء تلك التوترات ويريد لإسرائيل أن تكون مدينة له. ويشير التحليل إلى التقرير السابق لصحيفة «هآرتس» الذي أورد أن سبب التوتر الأخير هو أن إسرائيل «خيبت آمال مصر مرارا وتكرارا» بسبب عمليتها الأخيرة في قطاع غزة ضد حركة «الجهاد الإسلامي».

إعادة التنسيق الأمني

وقالت «هآرتس» إن مصر، التي أدت وساطتها إلى وقف إطلاق النار في أعقاب العملية التي استمرت ثلاثة أيام بدءا من الخامس من اب/أغسطس الجاري، «غاضبة من تعامل إسرائيل مع العملية، وتعتقد أن إسرائيل لم تقدم فرصا كافية للتوصل إلى حل دبلوماسي».
واستذكرت قول رئيس تحرير صحيفة «الأهرام» الحكومية، أشرف العشري، لموقع «الحرة» الاثنين الماضي، إن هناك أجواء «إيجابية» لهذه الزيارة بعد حالة «فتور في العلاقات أعقب العملية الأخيرة».
وأضاف أن البلدين يحاولان، من خلال زيارة بار، «معالجة الخلل بالعلاقات، وتهدئة الأجواء، وإعادة التنسيق الأمني والسياسي إلى المستوى الذي كان عليه قبل العملية».
وتحدث العشري عن محاولة الجانبين تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بعد أحداث غزة، بما يشمل الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين، باسم السعدي، وخليل عواودة. ويعود برئيل إلى منابع التوتر ويقول إن إسرائيل قتلت اثنين من كبار أعضاء حركة «الجهاد الإسلامي» في العملية، ورفضت إطلاق سراح المعتقلين، رغم أن مصر تقول إن إسرائيل وعدت بذلك، وقبل شهرين، أسقطت طائرة مصرية من دون طيار فوق سيناء.
كما تم اكتشاف مقبرة جماعية بالقرب من دير اللطرون، غرب القدس، تحتوي على جثث جنود مصريين قتلوا خلال حرب عام 1967 تم بناء موقف للسيارات عليها لاحقا، وقد أضاف «هذا بعد تاريخي وعاطفي للتوترات».
ويتابع «قد لا تكون هذه الحوادث من تلقاء نفسها قد أثارت غضب مصر» وحسب مصادر أمنية إسرائيلية، قبلت مصر بتفسير إسرائيل الخاص بإسقاط المسيرة، كما أن موضوع الجنود المصريين لم يتسبب في حدوث «شقاق» في العلاقات.
لكن المشكلة هذه المرة «كانت على ما يبدو إحساس مصر بأن إسرائيل لم تأخذ جهود وساطتها على محمل الجد، وليس هذا فحسب، بل تجاهلت الحاجة إلى دفع ثمن الهدوء الذي تمكنت من تحقيقه».
ويشير الكاتب إلى أن مصر لديها امتياز حصري للوساطة بين إسرائيل والمنظمات الفلسطينية في غزة، لكن هذا الاحتكار يمارس «تحت الأنظار الساهرة لدول عربية أخرى تخضع لضغوط داخلية» في كل ما يتعلق بـ«القضية الفلسطينية».
وهذه الدول هي الإمارات، والمغرب، والبحرين، والأردن، وإلى حد ما السعودية، التي لديها علاقات مع إسرائيل وهي حريصة في الوقت ذاته على التأكيد باستمرار على التزامها بحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
منوها إلى ان التدخل المصري الفعال في غزة، وبدرجة أقل في الضفة الغربية، يعفي هذه الدول من الحاجة للتعامل مع الصراع، بشرط عدم انتقاله إلى هذه الدول.
ويرى أن إسرائيل بحاجة إلى أن «تفهم بشكل خاص حساسية مصر فيما يتعلق بالتطورات في الضفة الغربية وغزة والقدس، فضلا عن دور مصر المهم في احتواء وحل النزاعات».
محذرا من أن هذه الشبكة الجديدة الواسعة من العلاقات لا تسمح لإسرائيل بتجاهل تحذيرات ومطالب الدول العربية الصديقة، حتى لو حدت من حريتها العسكرية والاقتصادية في العمل في تلك الأماكن، وخاصة في غزة. ويضيف «في الماضي، كان بإمكان إسرائيل الاعتماد على الدعم الأمريكي شبه التلقائي والتعاون الأمني مع مصر لدعم عملياتها العسكرية، لكن الآن يجب عليها أيضا أن تأخذ في الاعتبار تأثير تحركاتها على دائرة عربية أوسع، وعلى العلاقات بين الدول العربية الأخرى ومصر».
وعندما «تفشل» مصر في الوفاء بالتزاماتها تجاه حركة «الجهاد الإسلامي» فإن موقفها يتضرر ليس فقط مع تلك المنظمة، ولكن أيضا مع «حماس» ومع الدول العربية الأخرى التي لها علاقات مع إسرائيل.

البوابة إلى واشنطن

كما أن مصر برأي المحلل الإسرائيلي تريد الحفاظ على مكانتها في الولايات المتحدة كدولة تعد مساهماتها في حل النزاعات «فريدة» وذلك عندما تخوض صراعا شديدا في الكونغرس بشأن مقدار المساعدات والأسلحة الأمريكية التي سيسمح لها بشرائها، أو عندما تسعى للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي.
ويضيف «تساعد إسرائيل بشكل روتيني مصر في هذه الحرب الدبلوماسية، من خلال جماعات الضغط التابعة لها، وموظفي السفارة في واشنطن، ومن خلال محادثات كبار المسؤولين مع نظرائهم الأمريكيين، لذلك، عندما تقوض إسرائيل قدرة القاهرة على التوسط في غزة، فإنها تقوض أيضا ركيزة دبلوماسية أساسية في علاقة مصر بالحكومة الأمريكية».
وطبقا لبرئيل فقد بلغ التعاون العسكري والدبلوماسي والاستخباراتي بين إسرائيل ومصر «أعلى مستوياته على الإطلاق، لكن هذا لم يحدث من تلقاء نفسه، والبلدان دفعا وما زالا يدفعان الثمن للمحافظة عليه وحتى تعميقه».
كما أن إدارة قطاع غزة جعلت البلدين يعتمدان على بعضهما البعض، «وهذا الترابط رصيد استراتيجي مشترك لكنه يتطلب رعاية، وهذا يعني قبل كل شيء التنسيق واحترام أي تفاهمات يتم التوصل إليها».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية