في رواية «بيت دون جذور»: أندريه شديد ترصد تردّدات الحرب الأهلية في لبنان

منذ اندلاعها في عام 1975، ما تزال الحرب الأهلية اللبنانية تشكّل عالماً مرجعياًّ للرواية اللبنانية والعربية، تمتاح منه وتحيل إليه، تتّخذ من مفرداته مادّة أولية للروي، وتعيد تشكيلها وفق مقتضيات الفن الروائي. وقد تمخّضت هذه الحركة عن عشرات الروايات حتى بات بوسعنا الكلام على مكتبة روائية خاصة بهذه الحرب. ولعلّ رواية «بيت بلا جذور» للشاعرة والروائية الفرنسية/ اللبنانية أندريه شديد، الصادرة بالفرنسية عام 1983، وبالعربية عام 2022، في سلسلة «إبداعات عالمية» عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، بتعريب نجيب مبارك ومراجعة منتجب صقر، هي إحدى أوائل الروايات التي تمتاح من عالم الحرب المرجعي وتحيل إليه.

هوية مركّبة

أندريه شديد شاعرة وروائية ذات هوية مركّبة، وُلِدَت في القاهرة في 20 مارس/آذار 1920 لأب لبناني وأمٍّ سورية، وأقامت في باريس ورحلت فيه في 6 فبراير/شباط 2011. وبين الولادة والرحيل، أنتجت 19 رواية، و9 مجموعات قصصية، و13 كتاباً سردياًّ، وما يزيد عن 14 مجموعة شعرية. وهو نتاج ثقافي وفير ومتنوّع، جعلها تشغل موقعاً متقدّماً في الأدبين الفرنسي والعالمي.

أسئلة الرواية

في «بيت بلا جذور» تطرح شديد أسئلة الحرب والسلام، الدين والسياسة، الحياة والموت، الوطن والمهجر، والتمرّد والتسامح، من خلال شخصيات الرواية المتحدّرة من عائلة واحدة، متعاقبة الأجيال، تقطّعت بها الجذور وتفرّق أفرادها تحت كلّ سماء، حتى إذا ما عاد بعضهم إلى الوطن، في لحظة تاريخية حرجة، تطيح بهم الحرب، غير أنّ بصيص أمل يلوح في تلك اللحظة يفتح الباب على سلام يتأخّر خمسة عشر عاماً عن موعده، لكنه يأتي في نهاية المطاف.

مسار دائري

تبدأ الرواية، على المستوى النصي، من حيث تنتهي، على المستوى الوقائعي. وبذلك، تتقاطع البداية النصية والنهاية الوقائعية في نقطة واحدة، وتتم استعادة الأحداث، بالانطلاق من هذه النقطة والعودة إليها، ما يجعلنا إزاء مسار روائي دائري، تُستعاد فيه مجموعة أحداث ينتظمها سلكان روائيّان اثنان، يفترقان في نقاط ويلتقيان في أخرى. تتمثل نقاط الافتراق في الزمان والمكان والأجيال؛ فتجري أحداث السلك الأول، زمن السلم، في صيف 1932، بين القاهرة وبيروت. وتنخرط فيها ثلاثة أجيال من الأسرة (الجدة نوزة والعمة أوديت والحفيدة كاليا). وتجري أحداث السلك الثاني، زمن الحرب، في صيف 1975، في بيروت. وتنخرط فيها ثلاثة أجيال أيضاً (الجدة أوديت والجدة كاليا والحفيدة سيبيل). وتتمثّل نقاط الالتقاء في بعض المكان (بيروت) وبعض الشخصيات (كاليا وأوديت وماريو) وبعض الأحداث (الجدة كاليا تفتح ذراعيها لاستقبال حفيدتها سيبيل، مثلما كانت جدتها نوزة تفتح ذراعيها لها حين كانت حفيدة، وكلتا الجدتين تحصل على مسدس للحماية. (بين السلكين)
إذا كانت العلاقة بين السلكين الروائيّين تقوم، في الشكل، على التعاقب بين الوحدات السردية ضمن السلك الواحد، وعلى التناوب بين وحدات السلكين، فإن العلاقة بينهما، في المضمون، تقوم على الانتقال من سلك إلى آخر لوجود قرينة لفظية أو معنوية تستدعيه. والمفارق أن السلكين ينتميان إلى الماضي، البعيد أو القريب من تاريخ كتابة الرواية، ويدخلان في حقل الذكريات التي يبلغ زمنها شهرين اثنين لكل سلك، والمستعادة بالتعاقب والتناوب في إطار الوقائع الحاضرة المعيشة أو على هامشها، وهي التي لا يتعدّى زمنها الساعة الواحدة. وبذلك، تتّسع الوقائع للذكريات، ويستبطن الحاضر الماضي، ويتكثّف زمن الوقائع في ساعة واحدة بينما يمتد زمن الذكريات على أربعة أشهر.

الشخصيات التي ينتظمها السلك الروائي القديم أتيح لها أن تعيش في رخاء وهناء، بينما كان على شخصيات السلك الحديث أن تهاجر وتغترب وتدفع ثمن الغربة مرّة وثمن العودة إلى الوطن مرّة ثانية.

حقل الوقائع

أمّا الوقائع الحاضرة المعيشة التي تحصل صيف 1975، خلال أقل من ساعة، في ساحة عامة من بيروت، وتُشكّل إطاراً للذكريات، البعيدة منها والقريبة، فتتمظهر في قيام الجدّة كاليا، القادمة من باريس لتمضي الصيف في لبنان مع حفيدتها الصغيرة سيبيل القادمة من أمريكا، بالإطلالة من شرفة الشقّة التي تقيم فيها، فجر أحد الأيام، على الساحة العامة التي ستشهد لقاء الفتاتين الصديقتين ميريام وآمال، المتحدّرتين من طائفتين مختلفتين، وهما ترتديان الزي نفسه، تنفيذًا لخطة سابقة تقضي بانضمام كثيرات وكثيرين إليهما، والقيام بمسيرة في أحياء المدينة تعبيراً عن رفض الحرب التي لم تمض بضعة أشهر على اندلاعها.

غير أنّ الأمور لا تجري كما خُطّط لها، فقيام قناص بإطلاق النار على الفتاتين وسقوطهما أرضاً يجعل الجدة كاليا المنخرطة في الخطّة تهرع إليهما رغم خطر الموت الذي يتربّص بها، حتى إذا ما تمّ إسعاف الفتاتين وهما على قيد الحياة، تهرع حفيدتها الصغيرة سيبيل إليها فتفتح ذراعيها لاحتضانها، غير أنّ رصاصة القناص كانت أسرع منها إليها، فتصيب من الحفيدة مقتلاً. وحين يهرع الخادم السوداني سليمان لنجدتها يسقط هو الآخر مضرّجاً بدمائه، وحين ترى كاليا ما حل بحفيدتها وخادمها تسقط بدورها جثة هامدة. هذه الوقائع الثقيلة التي تحدث في أقل من ساعة تجتاز فيها بطلة الرواية المسافة القصيرة الفاصلة بين الشرفة والساحة تقوم الروائية برويها بوتيرة بطيئة، ترصد فيها حركة البطلة الخارجية في المكان، وحركة الذكريات والخواطر والأفكار التي تعتمل داخلها، بسرد متوتّر مشحون بالكثير من المواقف الدرامية والانفعالات. وتصور من خلال هذه العملية السردية المركّبة أهوال الحرب ومآسيها في مرحلة مبكّرة من اندلاعها، وكأني بها كانت تستشرف مآلاتها اللاحقة التي ستمتد خمسة عشر عاماً بالتمام والكمال. غير أن الكاتبة لا تقفل الباب أمام السلم، فتشكل واقعة تأرجح الوشاح الأصفر الذي كانت ترتديه إحدى الفتاتين مع النسيم، وتحليقه إلى الأعلى، إشارة إلى سلم سيأتي ولو بعد خمسة عشر عاماً. ويشكّل بقاء الفتاتين الصديقتين على قيد الحياة، رغم إصابتهما، إرهاصاً روائياًّ بوحدة وطنية ستتحقّق ولو بعد حين. وبذلك، تُصدّر الرواية، رغم قساوة الحاضر، عن منظور إيجابي يراهن على المستقبل ويربح الرهان.

حقل الذكريات

في إطار هذه الوقائع، وعلى هامشها، تتم استعادة ذكريات بعيدة من صيف 1932، وأخرى قريبة من صيف 1975، نتعرّف من خلالها إلى أسرة لبنانية، عبر خمسة من أجيالها المتعاقبة، يمثل الجيل الأول منها الجدان نيكولا ونوزة، والثاني الأخوان جوزف وفريد، والثالث الحفيدة كاليا، والرابع ابنها سام المقيم في أمريكا، والخامس الحفيدة سيبيل. وفي حين يغيب الجيل الرابع عن مجرى الأحداث ما خلا مشهد وداع الأبوين ابنتهما في المطار خلال عودتها إلى الوطن الأم، نرى أن الجيلين الذين يدفعان ثمن الحرب هما الثالث من خلال الجدة كاليا، والخامس من خلال الحفيدة سيبيل. على أن هذه الأسرة يتحدر أفرادها من مهاجرين لبنانيين وسوريين إلى مصر، ويقيم بعضهم في لبنان، وبعضهم الثاني في أوروبا، وبعضهم الثالث في أمريكا، ما يدفع إلى القول إنها أسرة بلا جذور، ويجعل عنوان الرواية «بيت بلا جذور» اسماً على مسمّى. إنها ملحمة الهجرة اللبنانية المستمرة فصولاً عبر التاريخ.

بورتريهات مختلفة

من خلال الذكريات المستعادة، نتعرّف إلى بساطة الجد نيكولا وكرمه ونجاحه وغناه ونهمه، وإلى حنان الجدة نوزة وخفّة ظلّها وقوّة شخصيتها وتحرّرها وإقبالها على متع الحياة، وإلى رصانة الأب جوزف وإحساسه الرفيع بالمسؤولية تجاه الأسرة ونجاحه العملي وترقّيه الاجتماعي، وإلى تهتّك العم فريد واستهتاره وإقباله على الملذّات وتبذير ثروته ومزاجيته وفظاظته، وإلى تحمّل زوجته أوديت نزقه ومزاجيّته وصبرها عليه، وإلى حيوية كاليا وفضولها العلمي وحبّها الحياة ورفضها الحرب ودفعها ثمن العودة إلى الوطن، وإلى ذكاء الحفيدة سيبيل وجمالها وتمرّدها وتعلقها بالوطن الأم ودفعها ثمن هذا التعلّق. وهكذا، فإن الشخصيات التي ينتظمها السلك الروائي القديم أتيح لها أن تعيش في رخاء وهناء، بينما كان على شخصيات السلك الحديث أن تهاجر وتغترب وتدفع ثمن الغربة مرّة وثمن العودة إلى الوطن مرّة ثانية.

أعطاب الخطاب

وعلى الرغم من أن «بيت بلا جذور» تطرح أسئلة ملحّة في لحظة تاريخية حرجة، وتستشرف لحظة أخرى تأتي السنون لتثبت صحّة استشرافها، وتقدّم خطاباً روائياًّ مركّباً، يتبع خطاًّ سردياًّ متكسّراً يتمّ فيه التنقّل بين الأزمنة والأمكنة والمشاهد المتباعدة، ما يضفي على الخطاب حيوية ورشاقة، فإنّ تنقلاتها المفاجئة دون سابق إنذار، ودون وجود قرينة داعية لذلك، ودون وجود فواصل إخراجية، كانت مرهقة للقارئ أحياناً إن لم أقل مربكة. ناهيك من أنّه كثيراً ما تدرج مشاهد روائية تحت عناوين تاريخية لا تنتمي إليها، ما يولّد تضارباً بين عنوان الوحدة السردية ومتنها، ويأتي الخلط بين مصطلحات القرابة ضمن الأسرة المتعاقبة الأجيال، فلا نعرف الجدّة من العمّة ولا الجدّ من العمّ، ممّا قد يكون ناجماً عن الترجمة، ليزيد الطين بلّة. ومع هذا، تبقى رواية «بيت بلا جذور» رواية جميلة، تستحقّ الترجمة إلى اللغة العربية، وتغرس جذورها عميقاً في تربة القارئ الداخلية.

كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية