حتى الفاشية تستطيع ايجاد مظهر فكري لها: اغتيال الفنّ مقدمة لاغتيال الخيال

حجم الخط
0

صلاح بوسريف’ لقد أثبت الشاعر الألماني غونفريد بين في كتابه ‘ الدولة الجديدة والمفكـرون ‘، بصـورة قطعيةٍ، أنه حتـى الفاشيـة تستطيع إيجادَ مظهر فكريّ لها.’ غونترغراس.

أن نَكْتُبَ، أو نرسُم، أو نُؤَلفَ لَحْناً، أو نضع تصاميم رقصاتٍ كوريغرافيةٍ، فيها يكون التعبير الجسدي، هو اللغة التي تُتِيح للمعاني أن تَتَفَتَّقَ، وتخرج للوجود، باعتبارها خَلْقاً وإضافَةً، فهذا معناه، أننا نُوَسِّع وُجُودَنا، ونَخْتَلِق طرُقاً لتوسيع الدَّلالات، ولوضع اللغة أمام احتمالاتِها. ليست اللغة، وَحْدَها، هي وسيلة تعبيرِ الإنسان عن هذا الالتباس العام، في علاقة الإنسان بالطبيعة، وبالأشياء. لِلَّوْنِ دورُه في اقْتِسام هذه الشَّراكَة التعبيرية، أو ما يمكن اعتباره شَراكَةَ المعاني، وتنوُّعَها، وهو ما ينطبق على اللَّحْنِ وعلى الرَّقْص والتمثيل والغِناء، وحتى على المعمار، الذي هو أحد ابتداعا ت الإنسان وتعبيراته عن فائض المعنى الذي يتجاوز حدود فكر الإنسان وخياله.

حين نسعى لِحَصْر الكتابة، أو الفن، في مفهوم دينيٍّ عقائديّ، أيْديلوجيٍّ، في أساسه، أي بما ليس له علاقة بالدّين نفسه، كَكِتَابٍ، أو أو اعتقادٍ، فهذا يعني أننا نسعى لِحَصْر المعنى في قراءةٍ واحدةٍ، وفي طريقةٍ واحدةٍ، وفي تأويلٍ واحد، هو هذا التأويلُ الدِّينِيُّ العقائديّ الأيديولوجـيّ، أي بما يتناسبُ مع الفكـر الأصولـيّ السلفـيّ البعيـد عن الانشراح الفنيِّ المعرفيِّ، الذي كانت المعرفة الإنسانية ابْتَدَعَتْه، للتعبير من خلاله على علاقتها، بالطبيعة وبالأشياء، وبمختلف ما تَسْتَشْعِرُه من أحاسيس وانْفِعالات.

هذا الفكر الواحد، والرؤية الواحدة، والمعنى الواحد، هو ما ترفضه طبيعة الإنسان، هذا ‘الحيوان’ العاقل، المتكلِّم الذي لم يُوجَدَ ليكون استعادةً وتكراراً، بقدر ما كان إضافةً، ووجوداً بالمعنى الحيِّ الإيجابيِّ، أعني أن يكون صَوْتاً لا صَدًى، أو اسْتِرْجاعاً.

ما الذي تعنيه لنا رسومُ كُهُوفِ ما قبل التاريخ، التي كان الإنسان اخْتَرَعَها، إذا لم تكن نوعاً من التعبير بالرَّسْم عن خَلَجَاتِ فكرٍ، كان ما زال لم ينبثق بما يكفي من وَعْيٍ، لكنه كان تعبيراً عن إحساسٍ، ورغبةً في توسيع المعنى، أو مُضاعَفَتِه، ولو في صورته السِّحْرِيَة، أو الأسطورية.

كان الحَفْرُ على الصُّخور، شَاقّاً، بلا شك، وكان هذا الحَفْر نوعاً من الخِبْرَة البدائية التي تحتاج لخيالٍ، ولجُهْدٍ فكريٍّ، ولتركيزٍ، وقدرة على تثبيت الفكرة وترسيخها، كما نقرأها أو نفهمها اليوم.

الفكر الأصوليّ السلفيّ الماضويّ، لا يستوعب هذا التاريخ، ولا يستوعب قَدْرَةَ الإنسان على الإضافة والتنويع والابتكار. مصدر الخلق والمعرفة والابتكار عنده، واحدٌ متشابه، وخارج من نفس المعنى، ومن نفس الصورة، وهذا ما يجعله يرفض كل هذا التَّنَوُّع الذي كان الإنسان حَرِصَ عليه منذ أن وجد نفسه في مواجهة الوجود، عارياً، لا بيت ولا فِراش له، ليس له سوى عقله الذي أعْمَلَه في تفكير الوجود، وفي تفكير مختلف الظواهر الطارئة التي وجد نفسه أمامها وجهاً لوجه. أن تُقْدِمَ ‘ طالبان ‘ في أفغانستان على قَصْفِ تمثال بوذا، وأن تعمل على حَجْب المرأة، بطريقة تبدو فيها كشئ يتحرك دون معنى، وأن تمنع الموسيقى والرياضة والفن، وتحرم المرأة من العمل، ومن الحياة باعتباره حقّاً طبيعياً، فهذا، أيضاً، قَهْرٌ لفكرِ الإنسان، ولِحَقِّهِ في الوجود بطريقتِه التي هي إضافة وتنويـع، واكتفـاء بمعنىً مُلْتَبِس غامـض، هو هـذا المعنى الـذي يَعْتَبِـرُ النَّحْـتَ والرسـمَ، والغنـاء من ‘ عمل الشيطان’، لا من عمل إنسانٍ فَكَّر لِيَبْتَكِرَ، وليقول رأيه في ما يجري حوله، رافضاً بطريقته، أن يكون صَدًى، أو ظِلاًّ لجسدٍ غائمٍ، أو لمعنى، هو أحد معاني التعبير عن هذا الوجود الذي لا نكتفي، في فهمه، بالصوت الواحد، وبالصورة الواحدة. الاختلافُ، هو أحد شروط الانشراح في التفكير وفي الخيال. دون هذا الانشراح، سيكون الإنسان نفسه بدون معنى، وبدون صورة أيضاً، وهذا ما تعمل الأصوليات السلفية الماضوية على تَثْبِيتِه، باعتباره حقيقةً واحدةً، مُشْتَرَكَةً بين جميع الحضارات والثقافات، أو هي بالأحرى، تسعى لإسقاط فهمها الأُحاديِّ هذا، على جميع الناس، وحَصْر العقل في هذا المعنى النِّهائي المُغْلَق، الذي يرفض غيره، ولا يقبل إلاَّ بنفسه.

أليس هذا بتعبير م.

أونفري؛ ‘همجيةً… وثقافة موتٍ’؟ أليس هذا استنساخ، واستعادة لمعنى الدِّين، باعتباره الشئَ الوحيدَ الذي على الإنسان أن يبقى محصوراً داخلَه، أو هو مصدر الحقيقة الوحيد، وأنَّ ‘الثقافة’، كما كان يؤكد المسيحيون استجابةً لرؤية بولص ‘تَحُولُ دون الوصول إلى الله’. ما يعني رفضها، ومهاجمة كل من يأتي بفكرة جديدة، أو برأي آخر، أي أن يكون مختلفاً عن هذا الفكر الدينيِّ وفق رؤية بولص، أو قسطنطين الذي عَمَّم المسيحية وأتاح لها أن تسودَ، وتنتشرَ.

كل الفنانين والمبدعين والكُتَّاب، كما يقول أونفري، سيكونون هدفاً لهذا الفكر الواحد، الذي لا يسمح بالأغيار. ‘ فهذا هو أصل المحارق. ويوجد بطبيعة الحال كل الكُتّاب في موضع المشتبه في زندقتهم، و’أربيس’ على رأسهم، و’ماني’ أيضاً وأتباع ‘نيستور’ كذلك، بل وتضاف إلى أعمالهم كتب الأفلاطونية المحدثة، وكتب النبوءات، المسماة كتب السحر، كما يرجح أن يدخل ضمن هذا كل نسخ الكتب التي احتوتها خزانات أصحابها… فكانوا، كما حصل في مدينة ‘ أنتيوك ‘ سنة 370، يتقدمون نحو عمداء شرطة الشعب المسيحي، ويقومون بحرق كتبهم بأنفسهم’. في هذا ما يفضح استعادة ماضي الفكر الدينيّ السلفي المتطرف، أو ما دخل على الدين من تسويغٍ للجهل والقتل، وتبريرهما، باسم الدِّين نفسه، أي باسم هذه الدلالات الجديدة التي كانت، كل مرَّة، تُضَيِّق الدائرةَ، وتجعلها أكثر انحساراً، حتى لا يبقى أي مجال للتَّوَسُّع، أو الإفاضة في الشرح وفي الفهم، وفي التأويل.

الدعوة لـ ‘فن نظيف’، كما جاءت العبارة على لسانٍ وزير من حكومة حزب العدالة والتنمية المغربي، هي مقدمة لهذا التضييق. فكلمة نظيف، تشير إلى التَّنْقِيَة والتطهير، وفق ما جاء في لسان العرب؛ نظَّف الشيء يُنَظِّفُه تنظيفاً أي نَقَّاه. وضمن ما تشمله التنقيةُ، ‘الفُحش’، والتطهُّر من ‘النجاسات والسؤال’! من، إذن يملك الحق في هذا ‘التطهير’، ووفق أي قاعدة، أو أي معيار؟ ما مفهومه للثقافة والفن، وما مرجعه الذي يستند عليه في الحكم والتقييم؟ كيف يفهم معنى ‘الدَّنَس’ و’الوسخ’ و’القاذورات’، أو ما ليس بالشيء النظيف؟ هل ما يحمله من فكر، هو الفكر النظيف، أو الماء الذي به سيغسل ‘دنس’ الوجود، أم أننا أمام ‘طوفان’ جديد، سيُعيدُ صياغة الوجود بطريقةٍ أخرى، لا يكون فيها إلا ما هو نظيف طاهر، وبأي معنى؟

يمكن للأسئلة أن تتناسخ بهذا الشكل إلى ما لانهاية، كون الأمر يتعلق بمجال من الصعب أن نغامر بوضعه في سياق دون آخر، أو أن نحصره في فهم دون غيره، أو في معنى واحد مغلق مُنْتَهٍ، هو هذا الذي سمَّاه أحد وزراء الإسلاميين، بـ ‘الفن النظيف’، أو ما اقترح أحد دُعاتِهِم، تسميته بيوم ‘العِفَّة والحياء.’إننا أمام مشهد ساخرٍ، فيه من اللامعقول، والسَّادِيَةِ، ما يكفي لشحذ الفكر، وإيقاظه من جديد، ليكون مُتَأَهِّباً لمواجهة هذا الجهل بالفكر وبالفن، والجهل بالاختلاف، وبحرية التفكير والاعتقاد، التي كانت إحدى آليات وصول هؤلاء للحُكْم.

فليس من قبيل المنطق، ولا من قبيل الحرص على المسافة الكافية لِتَأَمُّل ما يجري، حتى نكتبَ، ونُواجِهَ، ونفضحَ، هذا العماء الذي يأْخُذُنا إليه بالتدريج، أو يقتتل بطريقة الكَرِّ والفَرّ، ليختبر قدرةَ الفنانين والمثقفين، ودعاة الحداثة والتنوير، على المواجهة، وطبيعة رد الفعل الذي يمكن أن يقوموا به، في مجابهة هذا التضليل الذي يمارسونه على الناس.

أنا أقَدِّرُ موقف كثير من مثقفينا، أو أُشْفِق عليهم، بالأحرى، من هذا البَيَات القاتل الذي هُم فيه، إنهم أصحاب أفكار، كانت بين ما ساهم في وصول الإسلاميين للحُكم، ومعاقبة الشارع لليسار، كونه لم يكن في مستوى الثقة التي وضعوها فيه. وبين هؤلاء من اختار السلطة، أو أصبح ضمن بنية فكرها. ثمة بين المثقفين من اختار أن يصير حاكماً، لا بمعنى المشاركة في تدبير الشأن العام، وفي تغيير الواقع، أو تثوير الأفكار وتجديدها، بل بمعنى السلطة، بما هي ثروة، لا أقل ولا أكثر.

هؤلاء اليوم، حتى إذا كتبوا، أو قالوا رأيهم في ما يجري، من سيُصَدِّقُهُم، أو سيثق بهم؟ إنّ مهمة الكاتب والرسام والفنان، عموماً، هي أن يكون سلطةً تواجه السلطة، وأعني بالسلطة، هنا، السلطة الرمزية، التي هي أقوى هذه السُّلَط، من حيث قيمتُها، لأنها ليست سلطة قهر أو قمع أو استبداد، فهي سلطة قلمٍ لا سيف.

فما الدَّاعي إذن، لكل هذه الجَلَبَة التي اسْتَحْدَثَها الإسلاميون، حول الفن، إذا لم يكن الفن سلطةً منافسةً؛ ليس لسلطتهم ‘المخزنيةَ’ التي يتوَلَّوْنَها اليوم، بل لسلطتهم ‘الدَّلالية’، التي أدركوا أنها ستكون إحدى مهام عملهم، خصوصاً باستعمال القوانين، أعني تأويلها، أو ‘تنزيلها’ وفق قراءتهم الخاصة، لقهر المثقفين والفنانين، ولتمرير مفهومهم لـ ‘الفن النظيف’، الذي كان المسكوت عنه فيه، هو كل ما يرتبط بالدِّين، على غرار ‘الشعر الإسلامي’، و’الثقافة الإسلامية’، وغيرهما مما أصبحت هذه الصفة من اللَّوَاصِق التي يمكن إضافتُها له، باعتباره خاصّاً بالإسلام، أو برؤيتهم للإسلام، لا بغيره.

ليس الفن مجال مزايدة، أو تأويلاتٍ عقائدية، تربط الفن بـ ‘الإيمان’، أو بـ ‘العفة والحياء’. الفن جُرْأة واختراق، وهذه إحدى أسباب استمراره في الحياة، وشَغَف الناس به، سواء أكان غناءً، أو تمثيلاً، أو رقصاً، أو تصويراً ورسماً. إضــاءَات: ـ حين نَزعْتُم نَحْو اليَقينِ، فَاوَضْنا العَقْلَ على الشَّكِّ.

ـ كَيْفَ يُدِيرُ الله غِيَابَهُ دُون أنْ يَراهُ عَبْدٌ..’ أليس لِلَّه المَكْرُ جَميعاً ‘فَلِمَ، إذن، أنتُم تُقْبِلُون على غير ما بِهِ يُدَارُ الكَوْنُ وتَحْيا الخَلِيقَةُ؟ ‘

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية