بين اليوم وماض ليس بالبعيد كان لنا شيء، وكان لنا كل شيء، حملناه كالأوسمة ودرجة شرف بين الآخرين.
فقدنا أشياءنا بين غدر الأعداء، وجهل الطماعين وبين نزوات من انحرف منا، ومن اختطف أمة بكاملها لأطماع القبيلة ومجد السلاطين، فأمسينا نجمع ركام ماضينا حتى أصبحنا نخوض حروب الدفاع «بخسارة» عن أحياء صغيرة سميناها أوطانا وبلادا.
تضاريس الأرض نعرفها من البحر إلى البحر، من السماء إلى الأرض، فهي تسكن فينا، ونحن نكبر فيها، نعرف ماضيها فهو ماضينا المحترق بين لوعة الحنين إلى الأمس، وما تبقى من أوسمة مهترئة في زمن النكسات والهزائم. فمن قسم البلاد قبل مئة عام، وفصل شرقها عن غربها، وقطع الشمال عن الجنوب، عاد وقسم المدن المتبقية إلى دول وإمارات، وأحياء. تاريخ وأمس الأمة لم يسرق، بل اختطف، وتقاسمه السماسرة وعلماء الآثار والمستشرقين.
لن أعود وأبكي على ما حدث، وأشجب ما حصل، وأشتم الزمن الرديء، وأذكر الحاضرين من البشر بأن يعودوا قليلا للوراء ليفكوا لغز حرف الصفر، وبلسم الدواء، وما تقاسمته أوراق من كتب منا عن النجم وما بين الأرض والسماء. وما تخفيه أعماق البحار من أسرار، فهم يعرفون المزيد والكثير عنا، فالمدن البعيدة عنا، والبلاد خلف بحارنا، تعرف ما لا نعرف نحن عنها، فما بين الظلمة والطاعون وحروب الملوك، جاء منا من صنع ما صنع، وفعل ما فعل، وخرج رجل الصحراء من تلك البلاد وترك كل شيئا وراءه وذهب، هم أخذوا كل شيء لنا، عنا، ومنا.
يسقط القناع عن القناع، وتذهب الغيمة السوداء، وعلى ضوء قليل وما يفرق ما بين الأبيض والأسود، نكشف وجه الحقيقة، وحقيقة كل ما كان يلمع في العتمة. ربيعنا كغير عادته جاء باردا وغامضا، وبدل أن تنمو زهور حقولنا حرق ما تبقى من الشجر، وبدل أن نرفع رايات الفرح على سطوح منازلنا، تمنينا لو بقينا أحياء إلى أن يأتينا القدر، فمن اختطف بالأمس أمجادنا، تاريخنا، وما صنعناه للبشر، صنع وكيلا له ليمحو ما تبقى لنا من وجود.
حملوا راية تحمل اسم الله، وبين الدم والسيف، وسورة من القرآن، حللوا ذبح البشر، ودولة شروطها أن تختار بين الموت والموت، بين السيف والهجر، فبحق الله من أنتم، من أين جئتم، وماذا هنا تفعلون؟ تعبثون بتضاريس البلاد، أي جهة غامضة أعطتكم الأمر نفذتموه من دون السؤال، من دون التردد، فما من هذا مصلحة، للعباد أي منفعة لكم لتدوسوا على ماضينا حاضرنا متاحفنا، كتبنا وتحرقوا عواصمنا، لتصبح رمادا؟
أي كتب قرأتموها وعقيدة صنعتموها لتحكموا بالسيف ومنكم يكون القاضي، ومنكم الجلاد؟ من يدفع لكم راتب آخر الشهر وثمن هذا المكر ويمدكم بالناس، بالعدة والعتاد؟ فكم قتلتم من بشر من أجل دولة سقيمة من شيوخ نساء أطفال بين دمشق وبغداد؟ وأي حزن، تركتم لنا بعد أن صادرتم الدمع الشمع وطقوس الحداد فلا منا ومن ديننا من قاطع طريق يقتل ينهب ويسميه جهاد، وسلام على من اتبع الهدى وأمر بالتقوى وزرع الرحمة، بين العباد.
كاتب فلسطيني
مصطفى حمدان