ما يلفت الزائر في قرية المشرف قضاء الشوف جنوب العاصمة اللبنانية بيروت، أنها تتميز بسحر الطبيعة وجمال أحراجها وحقولها التي تلف المنازل المسقوفة بالقرميد، لتشكل روضة من الأشجار والورود وأصوات طيور تطرب الآذان.
وما يسحر في قرية المشرف، تلك التماثيل الموزعة في الساحات وعلى جانبي الطرقات والمساحات المفروشة بأشجار الزيتون والسنديان والأعشاب والأزهار.
وتنعم قرية المشرف بنسيم الهواء الطلق، ومطلها المدهش على بساتين الموز والليمون وعلى شاطئ البحر، ما يزيد جمال الطبيعة في البلدة الساكنة في قضاء الشوف.
والشوف هو أحد أقضية محافظة جبل لبنان الستة، ويشكل مجرى نهر الدامور حدوده الشمالية، ومجرى نهر الأولي شمال مدينة صيدا حدوده الجنوبية، ويمتد من شواطئ البحر الأبيض في الغرب صعودا نحو قمم جبل الباروك على ارتفاع ألفي متر لتشكل حدوده الشرقية، حيث تبلغ مساحته 495 كيلومترا مربعا أي 4.7 في المئة من المساحة الاجمالية.
يحده من الشمال قضاء عاليه ومن الشرق قضاء البقاع الغربي ومن الجنوب قضاء جزين وصيدا – الزهراني ومركزه مدينة بيت الدين عاصمة إمارة جبل لبنان، النواة التاريخية للجمهورية اللبنانية بشكليها السياسي والجغرافي.
ويبلغ عدد سكان قضاء الشوف القاطنين فيه 174000 نسمة يتوزعون على 97 بلدة فيها 72 مجلسا بلديا منتخبا، ويضم القضاء عددا من المدن التي لعبت دورا أساسيا في السياسة اللبنانية أيام الحكم العثماني، كبعقلين ودير القمر والتي انتقلت في وقتنا الراهن، لتصبح مراكز نشاط سياحي وثقافي متنوع.
ويشير المؤرخ اللبناني الدكتور صالح سري الدين إلى أن «أمراء لبنان اعتادوا الإقامة في الشوف، وأبرزهم بشير شهاب الثاني، الذي بنى قصر بيت الدين الرائع خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. مدينة تاريخية أخرى، مقابل بيت الدين مباشرة، هي دير القمر».
ويؤكد الدكتور سري الدين لـ«القدس العربي» أن الشوف هي معقل الطائفة الدرزية اللبنانية، ووقعت فيها عدة اشتباكات عنيفة بين الدروز والمسيحيين خلال العقود الماضية، كما في 1848 و1860 وخلال الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان عام 1975 آخرها ما أطلق عليها «حرب الجبل» والاشتباكات العنيفة التي شهدتها منطقة الشوف 1983-1984. وقد أثمرت المصالحة بين الطائفتين الدرزية والمسيحية في 8 اب/أغسطس 2001 وعاد الاستقرار لمنطقة الشوف، بعد أن قام بطريرك أنطاكية الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير بزيارة تاريخية إلى الشوف والتقى خلالها مع زعيم الدروز والشوف وليد جنبلاط.
أرز الرب
ويعتقد الدكتور سري الدين «يعود تاريخ قضاء الشوف في لبنان إلى ما قبل ميلاد المسيح، وقد ثبت ذلك في أقدم قصة ملحمية تمت كتابتها. وتتحدث القصة السومرية القديمة، ملحمة كلكامش عن بلاد ما بين النهرين القديمة التي يعود تاريخها إلى حوالي عام 2100 قبل الميلاد وتحدثت الملحمة عن غابة أرز الشوف، وهذا جعل الكثير من الناس يعتقدون أن أرز معاصر الشوف هو أرز الرب وليس أرزا بشريا».
وتعتبر منطقة الشوف من أفضل المناطق اللبنانية التي تم الحفاظ عليها خلال السنوات الأخيرة، وقد نجت طبيعتها بشكل عام من البناء الأسمنتي التجاري المكثف للمناطق المجاورة المتن وكسروان.
ورغم ويلات الحروب والانهيارات المتعددة في حياة اللبنانيين، إلا أن جمال قرى وبلدات الشوف لا نهاية له، وكل مكان له سحره الذي ميز تاريخه وأضاف المزيد من الجاذبية لجماله. بالطبع، هذه الأماكن الجميلة خاصة جدًا ولكل منها عاداتها وطرق حياتها. هذا ما يدفع لزيارة نفس المكان عدة مرات لمعرفة المزيد عن الناس اللطفاء الذين يعيشون هناك. واحدة من تلك الأماكن التي تتمتع بجمالها وتدفع لزيارتها مرارا وتكرارا هي قرية المشرف في منطقة الشوف التي تعد واحدة من أجمل المناطق في لبنان.
وفي رأي أبو ليلى أحد فعاليات ونشطاء منطقة الشوف أن المنطقة، من أجمل مناطق لبنان، وموقعها جعلها ساحرة للغاية وقراها لها أساطيرها وحكاياتها الخيالية عن الجمال. ويمتد الشوف من ساحل البحر في الجوانب الغربية إلى مرتفعات جبال الباروك على ارتفاع ما يقارب 2050 متر فوق مستوى سطح البحر في الجوانب الشرقية. ويقع مركز الشوف الإداري في بيت الدين، عاصمة أمراء جبل لبنان، والجوهر التاريخي للجمهورية اللبنانية. علاوة على ذلك، وبسبب الحرب الأهلية هاجر البعض، وقد عاد العديد من هؤلاء مؤخرًا .
كما تعد الشوف واحدة من أفضل المناطق اللبنانية التي تم إنقاذ طبيعتها من أعمال البناء التي ملأت العديد من المناطق الأخرى في الجبال اللبنانية، وأكبر المحميات الطبيعية في لبنان هي محمية أرز الشوف الممتدة من ضهر البيدر في الأطراف الشمالية إلى جبال نيحا في الأطراف الجنوبية وتغطي مساحة كبيرة من جبال لبنان بما في ذلك أرز الشوف. ومن قراها وبلداتها؛ المشرف وسرجبال ودير القمر وبيت الدين وبعقلين ونيحا وبعدران وعمطور وعينبال وعترين وغريفه ومزرعة الشوف ومعاصر بيت الدين، الباروك، وعين زحلتا وجون، ومعاصر الشوف.
والمشرف، هي إحدى أهم بلدات وقرى قضاء الشوف محافظة جبل لبنان، تعلو عن سطح البحر 500 م، وتبعد عن العاصمة بيروت 30 كلم، كما تبلغ مساحة أراضيها 452 هكتارا، ويبلغ عدد سكانها 1500 نسمة. الوصول إلى القرية يمر عبر الطريق الساحلي بيروت وصيدا، وعند الدامور التوجه نحو مفرق دير القمر. تشتهر القرية بزراعة الزيتون والصنوبر والسنديان.
طائر البوم
وكان اسمها قديما البوم، نسبة إلى طائر البوم، والذي اختار لها اسم المشرف هو رئيس الجمهوريّة الشيخ بشارة الخوري، لكونها تقع على مرتفع مشرف على الدامور وشاطئ البحر. ومن آثارها نواويس وآبار حجريّة، وقد وجدت فيها نقود قديمة. وفيها خربة أثريّة يظنّ أنّها كانت كنيسة صغيرة أقدم من كنيسة السيّدة الحاليّة.
المشرف هي واحدة من أجمل القرى في كل لبنان وهي مقسمة إلى قسمين. القرية القديمة التي لها بلدية خاصة بها، والقرية الجديدة المقسمة إلى 3 أجزاء مع 3 بلديات مختلفة؛ الدامور وكفرمتى وقرية المشرف نفسها. وموقع القرية جعلها مميزة للغاية لأنها تقع على تل أخضر جميل مذهل بارتفاع يصل إلى 500 متر في قمته.
وخلال جولة لـ«القدس العربي» في شوارع وبين مساكن القرية، برفقة أبو ليلى، لوحظ الهدوء والسكينة والهواء الطلق، والأهالي يجلسون داخل حرم منازلهم المحاطة بالأسوار، يتناولون القهوة والمشروبات، معبرين عن ارتياحهم واستقرارهم بعيدا عن هموم الحياة.
«المشرف قرية جميلة وتتميز بطبيعتها وهدوئها والهواء الطلق، كما تتمتع القرية بإطلالة بانورامية على البحر وتتمتع بحياتها الفريدة والمتناغمة في لبنان. ولا يزال أهالي قرية المشرف يتمتعون بهذا اللطف الذي لا يُصدق والذي يدفع للإقامة هناك لفترة من الوقت في القرية المشيدة الجديدة» يقول أحد سكان القرية.
من آثار قرية المشرف، نواويس وآبار حجرية وقد وجدت فيها نقود قديمة، كما توجد فيها خربة أثرية وبعض الأجران منقورة في صخور.
وتقول سيدة أخرى، معالم القرية وما تتميز به من طبيعة ومطل جميل، وهدوء، يجعلها قرية مميزة، ففيها الأشجار والتماثيل الموزعة وفيها المعالم الأثرية والأحراج، ما يجعل الحياة في القرية جميلة وممتعة، وهي معلم جغرافي وسياحي مميز وثروة وطنية يجب الاهتمام بها.
قرية المشرف بحالة تجدد دائم وتتمتع بجمالها الطبيعي الرائع المحاط بغابات الصنوبر من جميع جوانبها. وهي أيضًا واحدة من أجمل قرى المنازل الصخرية والرملية الطبيعية المغطاة بأسطح منازل حمراء تقليدية. يمكن أن تكون القرية الجديدة هي القرية الوحيدة في لبنان التي لديها جميع المرافق اللازمة ما يجعلها قرية مثالية للحياة حيث يوجد انسجام بين جمال الماضي وأنماط الحياة العصرية المطلوبة. وعليه، توجد جامعة ومدرسة ونادي داخل القرية على بعد خطوات من المرافق الأخرى اللازمة في مدينة الدامورالتي تبعد عنها مسافة كيلومترين فقط.
المعالم الطبيعية والأثرية
في عام 2019 حدثت إحدى أسوأ كوارث الطبيعة في منطقة الشوف وأدى الحريق إلى تلف غابات الصنوبر وتحويلها إلى كتل من النار. وبذلت جهود مضنية لحماية أكبر قدر ممكن من الأشجار حول الأزقة وخاصة الأشجار القديمة. شعر سكانها بحزن شديد لأنه لم يستطع أحد إيقاف هذا الحريق، ولكن بعد ذلك أمطرت السماء، ماذا فعل لبنان لحماية الجنة التي وهبها له الله! ماذا فعل للحفاظ على قريته، هذه هي قرية المشرف التي نعتبرها جنة.
يقول بداوي من أهالي المشرف، ويضيف «اعتدت على الاستيقاظ كل صباح لأتمشى في أزقة قرية المشرف ولأتمتع بعطر الصنوبر، ولم يكن يسعني إلا الاستمرار في التقاط صور بعض تلك المناظر الساحرة، وعلى أبواب قرية المشرف، أخذت شعلة من ضوء الشمس، وركضت طوال الليل حتى أدركت نور الصبح داخل عينيها المبتسمتين اللتين لم تفلتا من مخيلتي أبدًا».
وفي محاولة للحفاظ على المعالم الطبيعية والأثرية والابداعية في قرية المشرف بادر عدد من أبناء القرية لتأسيس جمعية نموذجية ، باسم «جمعية سكان ومالكي قرية المشرف النموذجية» وحددت الجمعية أهدافها:
1. الحفاظ على وحدة قرية المشرف النموذجية وتنميتها والمحافظة على طابعها ونظامها كونها تخضع عقارياً لثلاث بلديات هي: بلدية المشرف وبلدية الدامور وبلدية كفرمتى والتنسيق مع هذه البلديات من أجل هذه الغاية.
2. التنسيق مع شركة المشرف التي تدير المشروع حالياً تمهيداً للانتقال التدريجي للإدارة والخدمات من الشركة إلى الجمعية الأمر الذي سيتم عند انتهاء مهمات الشركة كمطور ومغادرتها الموقع.
3. الحفاظ على المرافق العامة للقرية وخصوصاً مرفق المياه والكهرباء والجنائن والطرقات. الخ.
4. تولي النظر والموافقة على مشاريع تصاميم البناء وفقاً للمعايير التي التزم بها الجميع عند الشراء وخصوصاً بعد ترك الشركة الموقع.
5. تطوير العمل وبذل جميع الجهود التي من شأنها جعل مشروع القرية رائداً سواء من جهة إدارته العملية والقانونية والعمل لمصلحة جميع سكانها من أجل تسهيل إقامتهم عن طريق تحسين البنية التحتية فيها وتشجيع النشاطات الثقافية والاجتماعية وقبول الهبات والمساعدات من كافة الهيئات المحلية والدولية وخصوصاً من تلك تعنى بالبيئة.
قرية المشرف منازل وأبنية تحضنها الأشجار والأزهار وهواء منعش ومعالم طبيعية وأثرية وتماثيل زرعت كالأشجار على جوانب الطرقات، ما يزيد القرية جمالا وروعة لا يستمتع بها إلا زوارها أو الذين يمضون أوقاتهم فيها.