ثورة الصدر الجديدة: جولة أخرى من الاقتتال ومحاولة السيطرة على مقومات دولة فاشلة تعوم على النفط

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

عاد العنف مرة أخرى إلى شوارع العاصمة بغداد، ولم يتركز هذه المرة في ساحة الحرية أو المناطق التي يعيشها المحرومون من ثروات العراق، بل وفي المنطقة الدولية، حيث سبح أنصار الصدر في مسابح القصر الرئاسي الفاخرة وتمتعوا ولأسابيع بالمكيفات التي تحظى بها مباني المنطقة الخضراء، وهي التي تسكنها الطبقة السياسية التي جلبتها الولايات المتحدة بعد الغزو في 2003 وتعاملت مع إيران كحام لها. وكما في معظم المرات ظهر الزعيم الشيعي مقتدى الصدر في مركز الإحتجاجات. والقصة معروفة دائما، تحدي النخب التي تقف أمامه، أي تلك التي تأتمر بأمر إيران.
ونعرف أن التظلم الأكبر للصدر في المواجهة الحالية، قد بدأ بعد سرقة الانتخابات التي نظمت في تشرين الأول/أكتوبر العام الماضي. وحصلت فيها كتلته «سائرون» على المرتبة الأولى، بنسبة 22 في المئة من مقاعد البرلمان. ورغم حصوله على دعم الشيعة في العراق إلا أنه استطاع تجميع تحالف من السنة والأكراد. وعندما بدا أنه على حافة تشكيل حكومة، حاول الإطار التنسيقي وهو مجموعة من الأحزاب المؤيدة لإيران بزعامة نوري المالكي رئيس الوزراء من 2006 وحتى 2014 والمعروف بطائفيته وفساده التي أسهمت بظهور تنظيم الدولة عرقلة جهود، وقام بـ «انقلاب قضائي» حسب مايكل نايتس من معهد واشنطن. وقال نايتس إن المحكمة الفدرالية قامت بتحريك قوائم المرمى في وقت كانت فيه الكرة على وشك ان تصيب الهدف، ونصت على وجوب انتخاب الرئيس أولا وأن على الصدر الحصول على أصوات ثلثي أعضاء البرلمان لهذا الغرض، وليس مجرد أغلبية عادية. وأكدت المحكمة على ضرورة تخلي حكومة إقليم كردستان عن تصدير النفط وتحويله إلى الحكومة الفدرالية في تحرك كان يهدف معاقبة الأحزاب الكردية على دعمها تحالف الصدر.
ورد الصدر الغاضب في حزيران/يونيو بسحب نوابه من البرلمان، وعنى هذا نقل المقاعد للأعلى أصواتا في المناطق التي فازت فيها الكتلة الصدرية، بشكل منح الإطار التنسيقي فرصة لتشكيل حكومة. ولمنع هذا أرسل الصدر أنصاره في تموز/يوليو لاحتلال البرلمان ومنع سيناريو كهذا. وظلوا في اعتصام دائم وطالبوا بانتخابات جديدة، وزاد عددهم أضعافا مع بداية شهر آب/أغسطس عندما تدفقوا لحضور صلاة جماعية في المنطقة الخضراء. ثم جاء قرار الاعتزال عن السياسة المرتبط بالديناميات الدينية في 29 آب/أغسطس، ومحاولة إيران سحب البساط الشرعي من الصدر.
ومن هنا حاول أن يؤكد بغيابه حضوره.

غيبة المهدي

وربطت مجلة «إيكونوميست» (31/8/2022) أحداث العراق الأخيرة بفكرة الغيبة وعودة المهدي المنتتظر التي حولت غيبة الإمام الثاني عشر في عام 873 إلى رمز حاضر في الحياة الشيعية.
ومن هنا كان اعتزال الصدر بمثابة دعوة لأتباعه إلى «الثورة» والخروج إلى الشوارع ، وقتل في المواجهات أكثر من ثلاثين شخصا وجرح المئات، ليعود من غيبته وينزع فتيل الأزمة، حيث أمر أتباعه بالعودة إلى مضاربهم، وهو قرار أدى لثناء الرئيس العراقي برهم صالح ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي. وهناك من يشك أنه حصل على تأكيدات من الإطار التنسيقي لتعيين رئيس وزراء مفضل له. ويشك آخرون بأن كل طرف يحاول تعبئة صفوفه للمواجهة القادمة والحصول على دعم من إيران بالنسبة للجماعات الموالية لها ومن دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات العربية المتحدة بالنسبة للتيار الصدري.

صك حرمان

ولا يمكن فصل التطورات الأخيرة وقرار اعتزال السياسة بالديناميات الشيعية، فالصدر لا يملك سلطة دينية ولكن سياسية، ومن هنا جاء إعلان مرشده الروحي الاعتزال ومحاولته إقناع الصدر االولاء لإيران. وقالت صحيفة «الغارديان» إن استقالة آية الله كاظم الحائري، أضافت دينامية للمأزق وقادت المراقبين للقول إن مصير العراق لن يقرر في العاصمة ولكن في النجف أو قم بإيران. ورغم صداقته إسميا مع إيران خلال العقدين الماضيين التي أعقبت الإطاحة بصدام حسين، إلا أن الصدر عارض التأثير الإيراني في البلاد. وظل يتبع الحائري في الأمور الدينية وحتى السياسية. ويبدو أن الحائري تحدى حق الصدر بأن يكون وريثا لوالده محمد صادق الصدر، وهو ما يعد ضربة لشرعية رجل الدين البالغ من العمر 46 عاما. وفي البيان الذي أصدره الحائري، 83 عاما «لا يمكنك أن تقود باسمهم، وفي الحقيقة فأنت لست صدريا حتى لو حملت اسم عائلة الصدريين». ويرى أنصار الصدر أن الحائري أجبر على إصدار هذا البيان الذي أدى لهزات بين الشيعة في العراق والمنطقة، حيث كان البعض يجهز نفسه لمواجهة بين الصدر ومنافسيه. وقال السفير البريطاني السابق في بغداد سير جون جينكنز: «أساسا، يعتبر هذا صك حرمان، فمقتدى الصدر ليس الوريث الشرعي لوالده أو حتى صهره». وأضاف السفير السابق أن هذا جاء: «من شخص كان يعتبر نفسه مقربا جدا من والده. وأفترض أن إيران مارست ضغطا كبيرا عليه. وهذا يعني أنهم قلقون هذه المرة، والسؤال: هل سيستمع الصدريون؟».

خلل في بنية الدولة

وتشير الأحداث إلى أن المعمار الذي بنته الولايات المتحدة وبشرت به كنموذج ديمقراطي في المنطقة أنشأ دولة فاشلة، ليس فقط أثناء الحرب الأهلية ما بين 2005-2007 ولكن طوال حكم الطبقة التي هيمنت على العراق منذ ذلك الوقت. وكما يرى دانيال دي بيتريس في مجلة «سبكتاتور» (31/8/2022) فقد حول الغزو الأمريكي البلد من ديكتاتورية قاسية إلى شبه ديمقراطية تقضي وقتها في قتال نفسها أكثر من الاهتمام بالمواطنين. وقامت السياسة العراقية على الطائفية، فقد اعتقدت الولايات المتحدة أن تقسيم غنيمة ما بعد صدام بين الشيعة الذين حصلوا على حصة الأسد والأكراد والسنة، هي بمثابة وصفة لمنع انهيار النظام العراقي. وبدا قصور النظام الجديد منذ اللحظة الأولى، حيث شهد العراق حربا طائفية بين السنة والشيعة. إلا أن الأزمة الحالية ليست بين السنة والشيعة بين والشيعة أنفسهم. وقال إن الأزمة في العراق عادة ما تصل حافة الهاوية بدون إشارة إلى تنازلات أو مفاوضات لوقف السقوط، لكنها تقف عند حافة الهاوية مدفوعة بعدم تحطيم المركب. وعاش العراقيون هذا المشهد طوال العقدين الماضيين ورأوا عددا من رؤساء الوزراء العاجزين والمهتمين بمصالحهم، ليتركوا مناصبهم بدون تحقيق أي من وعودهم بل وبثورات مثل عادل عبد المهدي الذي غادر منصبه بعد انتفاضة عام 2019 والتي قتل فيها أكثر من 500 شخص كانوا من ضمن المحتجين على غياب فرص العمل والفساد. ويعد العراق من أكبر منتجي النفط الخام في العالم، ويجب أن يعوم على بحر من المال في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط. وبدلا من ذلك وصلت نسبة البطالة الرسمية إلى14في المئة وبين الشباب ما بين 15-24 عاما إلى 27 في المئة. وحسب صحيفة «واشنطن بوست» (31/8/2022) في تعليق لإيشان ثارور فالعنف الأخير في العراق هو تعبير عن خلل دائم في بنية الدولة، تحاول أطراف اللعبة في البلاد استغلاله لصالحها. وقال ثارور: «هناك غضب، ثم احتجاجات ونوبة من العنف التي خلفت عشرات القتلى والجرحى، والآن هدوء هش. وعانت بغداد في معظم العقدين الماضيين من النزاع المستمر، عدم الاستقرار والمأساة، إلا أن الفوضى التي غمرت العاصمة العراقية ليلة الإثنين وصباح الثلاثاء تعتبر العنف الدموي الأكبر الذي شهدته منذ سنين». فالعنف لن يتوقف فقط بمجرد إشارة إصبع مقتدى الصدر لأنصاره ودعوته لهم بفض اعتصامهم في ستين دقيقة، فقد قاد الصدر في العقد الماضي ثورات ضد الأمريكيين وأصبح جزءا مهما من السياسة العراقية، وموضع نفسه كشعبوي وطني ولديه قاعدة من الأنصار الكبيرة، لكن ليس كل الشيعة في العراق. وتظل مقامرته جزءا من التنافس الشيعي-الشيعي الذي يهدد بزعزعة استقرار البلد الهش وتعقيد المعادلة للنظام الإيراني الديني والذي يمارس من وقت طويل التأثير على بغداد. فالخلل الوظيفي هو ملمح في الحياة المدنية منذ الغزو الأمريكي قبل عقدين ومكن الطائفية ونظام الجماعات المصالح. وعلق رناد منصور، الباحث في تشاتام هاوس أن إثارة «العنف، الاحتجاجات، زعزعة الاستقرار هي قواعد اللعبة» في السياسة العراقية الآن، حيث يحاول الصدر تعزيز قدرة أتباعه على العنف كـ «وسيلة للتفاوض» والحصول على تنازلات من خصومه المفترضين.

غضب

وخلف التوترات الحالية، قلق أعمق. ففي السنوات الماضية، ظهرت حركة احتجاج تغذت من إحباط الجيل الشاب وحاولت تغيير الوضع القائم الذي يمت إليه الصدر، لكنه يعارضه بطريقة انتهازية. ولا يوجد هناك منظور لحدوث إصلاح يستجيب لمطالب الشباب ويحول ثروات البلاد النفطية لمعالجة احتياجات الناس. ويقول منصور: «أصبح النظام فاسدا من الناحية الاقتصادية والأيديولوجية وعليه أصبح أكثر قهرا» مشيرا لحملات القمع التي قامت بها قوات الأمن في السابق وقتلت المئات من الناشطين والصحافيين والمعارضين. والنظام في بغداد، هو بالطبع إرث الغزو الأمريكي والاحتلال والتاثير الإيراني الذي وجد طريقه في أروقة السلطة بعد الإطاحة بصدام حسين. واختلف الصدر في الأشهر الأخيرة مع الإيرانيين ولهذا زاد من خطابه المعادي لهم. وتقول رندا سليم، من معهد الشرق الأوسط «تضررت الماركة الإيرانية بشكل كبير، بين الشباب العرب وتحديدا الشباب الشيعة. وبات ينظر للماركة الإيرانية على أنها الحكم الفاشل، الحروب الأهلية والارتباط بجماعات قتل اللاعبين في المجتمع المدني».

الغائبون عن اللعبة

والغائب عن المعركة الحالية، هم اللاعبون الذين أحكموا الغطاء على السياسة العراقية. فبدون الحضور الطاغي للجنرال الذي قتلته أمريكا عام 2020 قاسم سليماني، تتقاتل الفصائل الشيعية فيما بينها. وتعبت الولايات المتحدة من لعب دور الحاضنة والذي كلفها أكثر من 4.400 جندي ومئات الملايين من الدولارات. وتحولت المؤسسات الديمقراطية التي أنشأتها، البرلمان والمحكمة الفدرالية ورئيس الوزراء ملعبا للميليشيات الشيعية. وبالمحصلة لم تكن ظاهرة الصدر ولا نوري المالكي أو غيرهما لتظهر لو لا غزو الولايات المتحدة العراق وإطاحة صدام حسين. ولم يكن أحد في أروقة السلطة الأمريكية قد سمع بمقتدى الصدر، مع أنه ابن عائلة معروفة بالحوزات الدينية، وقتل أمن صدام والده وشقيقيه، إلا أنه كما يقول مايكل روبن في مجلة «ناشونال انترست» (29/8/2022) لم يكن على قائمة الشخصيات التي درست في أروقة لانغلي، مقر سي أي إيه أو نقاشات البنتاغون. فالولايات المتحدة كانت تريد حلا سريعا، واقترحت سي آي إيه نزار الخزرجي ليكون بديلا عن صدام، ولما فشلت حاولت الولايات المتحدة لعب ورقتها الأخيرة وهي الحوار مع المراجع الشيعية في الحوزات والتنسيق معها من خلال عبد المجيد الخوئي، نجل المرجع أبو القاسم الخوئي. وبعد أسبوع من عودته إلى النجف قتل في مسجد الإمام علي، واتهم أنصار الصدر بقتله. وعلى خلاف والده وشقيقيه لم يتميز مقتدى بالعلم الديني، غير أنه كان خطيبا مفوها. ولهذا نفض والده يديه منه. وما افتقده الصدر من علم وتدين عوضه من خلال استفادته من الحوزة في النجف لمصالحه السياسية. وهو ما يفسر تناقضاته المستمرة في السياسة العراقية، لكن هذا لا يبرئ منافسيه، فهم نتاج عملية سياسية فاسدة، ولكن الصدر أظهر تقلبا مستمرا في تمظهراته، واستطاع بناء شعبيته بين الفقراء وخاصة في أحياء مدينة الصدر والجنوب الفقير. وفي الوقت الذي قاتل فيه الأمريكيين دفاعا عن سيادة العراق كان يتعاون مع إيران. ورغم رفض الحوزات له، إلا أن القادة السياسيين تعاونوا معه من أجل مصالحهم. ووجد الصدر في الفترة الأخيرة الدعم من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والإمارات بعد غضبه من حلفائه الإيرانيين الذين فهموا طريقة السيطرة على فصائل العراق ومحاولة التعامل معهم وإعطاء فكرة لكل واحد أنه أهم من الآخر. ويرى روبن أن حرب الصدر الجديدة ضد إيران، دعت الولايات المتحدة التي تعيش حالة فقدان ذاكرة في العراق للتفكير به كبديل عن حلفاء طهران. ورغم رفضه مقابلة مسؤولين أمريكيين إلا أنه قابل وسطاء مختارين، وتمت هذه اللقاءات على مدى سنوات. ورأت واشنطن أن تحالفه مع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي والحزب الديمقراطي الكردستاني يمثل تحولا جوهريا ورمزيا في تفكيره. ولا يعتقد الكاتب أن الصدر قد تغير وبات يطالب بنظام سياسي جديد، فهذا تفكير سخيف مثل التفكير الذي يأخذ خصومته مع إيران على محمل الجد. فهو لا يريد نظاما مبرأ من الفساد بقدر ما يريد كل النظام بعيوبه ولا يريد مشاركته مع أحد. ويظن أنه يستطيع لو هزم خصومه في العراق فرض إرادته السياسية حتى لو افتقد المرجعية الدينية. ومن هنا تفهم إشاراته عن العزلة، فقد اعتزل الصدر في مرات سابقة وغاب في إيران لفترة ليعود، والعزلة والتلويح بتطليق السياسة هي هراوة تمنحه أولا القوة ضد خصومه الذين يرون أن لديه القوة لتهييج الجماهير وعليهم التعامل معه، ولكي يحلل نفسه من المسؤولية، تماما كما فعل آية الله الخميني الذي أطاح بالشاه، ليقول إنه غير مهتم بالحكم، والصدر صورة عن الخميني ناقص المرجعية الدينية، وهو لم يتغير أبدا، ويريد فرض ما لم يستطع الحصول عليه بالإجماع. والأزمة العراقية الحالية وفي مركزها الصدر هي أن النخبة التي نشأت من رحم الغزو، كانت قادرة على السيطرة على ظاهرة الصدر باللين وأحيانا بالمواجهة كما فعل نوري المالكي عام 2008. إلا نظام ما بعد 2003 قد فشل وفي طريقه للانهيار. وعليه فاعتقاد الولايات المتحدة أنها قادرة على التفكير بالصدر كبديل عن نخبة فشلت ورهنت البلاد في يد إيران، مع أن واشنطن هي التي فتحت الباب، هو لعب بالنار. وبغداد عام 2022 هي طهران عام 1979.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية